أبراج من الديون

أبراج من الديون

من بعيد، لا يبدو أن هناك شيئا مختلفا في ساحة Potsdamer Platz. فالساحة، التي كانت في السابق المركز الرئيسي لبرلين قبل أن تتحول إلى أرض مشاع مليئة بالركام ومقسمة بالجدار، محاطة الآن بأبراج جديدة مبهرجة. ولكن إذا اقتربت أكثر يتضح لك أن عديدا من المباني هي مجرد واجهات مطلية على لوحات عملاقة ترتفع إلى ارتفاع عشرة طوابق بين المكاتب التجارية الفعلية.
وتضفي هذه الحيلة شكلا أكثر جمالا من مظهر المساحات الفارغة. وتعكس أيضا درجة غير اعتيادية من ضبط النفس بين مطوري العقار في ثاني أكبر سوق للعقارات في أوروبا (من حيث الصفقات). وتعاني سوق العقارات التجارية في معظم أنحاء العالم الأخرى من العالم المتقدم من مشكلات عميقة.
وخلافا لأزمات العقارات الأخرى، لم يكن هذا الانكماش ناتجا عن الإفراط التكهني في البناء بل عن فرط حماس المستثمرين. وقد كانت العقارات التجارية من فئات الأصول التي تحظى بالشعبية في معظم أوقات هذا العقد. وكان المستثمرون المؤسسون الذين خسروا كثيرا من المال عند انفجار فقاعة الإنترنت مقتنعين أن التحول من البورصة إلى العقارات سيساعد على تنويع محافظهم الاستثمارية والحد من المخاطر التي يتعرضون لها. وكان التمويل الرخيص وفيرا. وكان يمكن للمستثمرين الانغماس في "تجارة المناقلة" - الاقتراض بسعر فائدة منخفض لشراء مبان والاعتماد على إيراد التأجير والنمو الرأسمالي لتغطية تكاليف التمويل.
وكانت هذه الاستراتيجية تبدو ذكية حين كانت الإيجارات وقيم رأس المال تتزايد وكانت معدلات الشغور منخفضة. ولكن مع جفاف التمويل الرخيص وانزلاق الاقتصادات إلى الركود، أصبح المستثمرون معرضين للمخاطر بصورة هائلة. ووفقا لـ Marcus & Millichap للوكالات العقارية، ارتفع معدل شغور المكاتب في مانهاتن بنسبة تزيد على ثلاث نقاط مئوية في النصف الأول من العام، ليصل إلى 11.2 في المائة. ومع اختفاء المستأجرين، انخفضت الإيجارات أيضا - بنسبة 16 في المائة خلال العام الماضي وفقا لحسابات Marcus& Millichap.
وتأثرت أيضا أسعار العقارات بصورة كبيرة. وتشير تقديرات وكالة Moody's التصنيفية إلى أن أسعار العقارات التجارية في أمريكا انخفضت بنسبة 7.6 في المائة في شهر أيار (مايو) فقط، أي أدنى بنسبة 35 في المائة عن ذروتها في تشرين الأول (أكتوبر) 2007. وكان من الممكن أن تنخفض الأسعار أكثر لو لم تتراجع الصفقات كثيرا. فالملاّك لا يريدون البيع في السوق المنخفضة، مع أن البعض يضطر إلى ذلك.
ويبدو كل هذا تكرارا للانكماش في سوق العقارات السكنية، حيث سمحت شروط الاقتراض السهلة لمشتري المنازل بدفع الأسعار إلى أقصى المستويات. وما يجعله أكثر شبها به هو أنه تم أيضا جمع القروض العقارية في أدوات مالية معقدة، تعرف باسم الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية التجارية. وتواجه أكثر هذه الأدوات خطرا، خاصة تلك التي تم إصدارها بين الأعوام 2005 و2007، مشكلات كبيرة الآن.
وتقول وكالة Realpoint للتصنيف الائتماني إن نحو 29 مليار دولار من الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية التجارية، نحو 3.5 في المائة من المجموع، أصبحت مستحقة الدفع دون أن يتم سدادها (أي أن المقترضين لم يحافظوا على دفعات الفائدة) خلال الـ 12 شهرا الماضية. وتعتقد أن معدل التأخر في السداد قد يصل إلى 6 في المائة بحلول نهاية هذا العام. ويعتقد Richard Parkus من بنك Deutsche أن معدل التخلف عن السداد قد يصل في النهاية إلى 12 في المائة. وإذا تم إضافة قروض البناء السيئة، قد تصل خسائر البنوك الأمريكية في العقارات التجارية إلى 200 - 230 مليار دولار. وستفشل كثير من البنوك الصغيرة نتيجة لذلك.
والبنوك الأوروبية معرضة للعقارات أيضا. والأخبار السارة هي أن أكبر اقتصادين في منطقة اليورو، فرنسا وألمانيا، لم يشهدا سوى انخفاضات متواضعة في الإيجارات والأسعار. إلا أن إحدى كبرى الشركات العقارية في إيطاليا، وهي Risanamento، تكافح لدرء الدائنين. وتنتشر تأثيرات ذلك في جميع أنحاء محيط منطقة اليورو. فقد بدأت معدلات الشغور في إسبانيا وأيرلندا بالارتفاع، وبدأت أسعار العقارات بالانخفاض، فيما تصطف الرافعات المتوقفة عن العمل.
وتنخفض الأسعار في جميع أنحاء أوروبا الوسطى والشرقية أيضا، مع أن حجم الصفقات لا يزال صغيرا. وانخفضت الإيرادات في كثير من هذه الأسواق بسبب الأمل أنها ستتقارب مع الوقت مع تلك في الأسواق الأوروبية الناضجة. وارتفعت معدلات الشغور في مدن مثل بودابست إلى نحو 15 في المائة، في حين تضاعفت تقريبا معدلات الشغور في براغ (إلى نحو 10 في المائة) خلال العام الماضي. وتحدث بعض أكبر الانخفاضات في الإيجارات في روسيا. فقد انخفضت الإيرادات في موسكو بنسبة 63 في المائة خلال الـ 12 شهرا حتى نهاية حزيران (يونيو) مع أنها لا تزال ثالث أعلى معدل في أوروبا (بعد West End في لندن، وفي باريس). وبما أن نسبة تقارب الخمس من المكاتب لا تزال فارغة، يبدو من المحتمل حدوث انخفاضات أخرى في الإيجارات والأسعار.
ولم تنج آسيا من ذلك أيضا. وكانت أشد أسواق العقارات تضررا في المنطقة هي المراكز المالية مثل سنغافورة وهونج كونج. وانكمشت ميزانيات البنوك، مما أدى إلى تقلص الطلب على مساحة المكاتب، حيث فقدت أعداد كبيرة من المصرفيين وظائفهم. وبدأ التراجع في إيجارات المكاتب في المنطقة التجارية الأكثر فخامة في سنغافورة ثم انتشر إلى جميع أنحاء المنطقة، حيث تم التخلص من أكثر من النصف بين حزيران (يونيو) 2008 وحزيران (يونيو) 2009، وفقا لشركة Cushman & Wakefield الاستشارية. وبلغ الانخفاض في هونج كونج 43 في المائة في الفترة نفسها. وكانت المدن الأكثر تضررا بعد ذلك هي مومباي (بنسبة انخفاض تبلغ 40 في المائة) وشنغهاي (32 في المائة).
وهناك بعض الدلائل التي تشير إلى تباطؤ سرعة التعديل التنازلي. وفي هونج كونج، انخفضت إيجارات المكاتب في المنطقة الرئيسية بنسبة 20.1 في المائة في الربع الأول. وكان الانخفاض أكثر اعتدالا بكثير، ولكنه ظل بنسبة 10.4 في المائة في الربع الثاني. ويبدو أن سنغافورة معرضة للخطر بصورة خاصة، لأن 8.3 مليون قدم مربع (770 ألف متر مربع) من مساحة المكاتب الجديدة ستتوفر في السوق بحلول 2013. ووفقا لشركة CLSA للسمسرة، ستؤثر زيادة العرض بصورة كبيرة أيضا على المكاتب التجارية في الصين. وقد ترتفع معدلات الشغور في شنغهاي وبكين إلى 35 في المائة عام 2010، من نحو 17 في المائة و22 في المائة على التوالي اليوم.
وقبل عام، كان الجميع يشعر بالقلق بشأن الخسائر في قروض العقارات السكنية. وإذا كانت البيانات الأخيرة توفر أي دليل، فقد تصل أسعار المنازل في أمريكا وبريطانيا إلى أدنى مستوى لها. وتحولت المخاوف الآن إلى القطاع التجاري. ويشير التاريخ إلى أن فترات الانكماش في هذه السوق تدوم لسنوات عديدة، وليس لأشهر. فقد انقضى 20 عاما تقريبا منذ وصول سوق العقارات اليابانية إلى ذروتها. ومع ذلك، انخفضت الأسعار بنسبة 4.7 في المائة العام الماضي.

الأكثر قراءة