ماذا نريد من المصرفية الإسلامية؟
هذا السؤال سؤال مهم ولعل عدم الوضوح أو التوافق في الإجابة عنه أحدث كثيرا من الخلاف الكبير بل النقاش الحاد بين الأطراف المتعددة لهذا القطاع المهم, الذي يعول عليه البعض في الإسهام في حل مشكلة النظام الاقتصادي العالمي بعد الأزمة المالية العالمية, والحقيقة حتى نتعرف أكثر على الإجابة عن هذا السؤال فإنه لا بد من الإشارة إلى الأطراف التي تعنى بالمصرفية الإسلامية:
الأول منها هم الأفراد الذين يبحثون من خلال المصرفية الإسلامية عن بدائل للنموذج التقليدي, الذين يعتقدون أن التعامل معه من خلال طلب التمويل نوع من الدخول في عقد محرم شرعا, وهو ببساطة عقد ربوي ينبغي أن يبتعد عنه المسلم ما استطاع. وهذه الفئة تتقدم للمصرفية الإسلامية للحصول على الخدمات المصرفية, والتمويل من خلال وسائل متعددة لتلبية حاجاتها للحصول على الأشياء الضرورية أو حتى غير الضرورية, والأفراد عادة لا يتقدمون إلى طلب تمويل إذا ما كان التمويل مبنيا على عقد يرون أنه ربوي, وهذا يفسر الزيادة الكبيرة على الطلب على التمويل خلال السنوات السبع الماضية مقارنة ببدايات هذا العقد الحالي, إذ إن أدوات التمويل بدات تنتشر بشكل واسع منذ نهاية عام 2002.
أما بالنسبة – الطرف الثاني - للمؤسسات المالية الإسلامية فإن المصرفية الإسلامية تعد بابا واسعا لفتح نوافذ للاستثمار, وسوقا يقدر حجمها بما يزيد على مليار و300 مليون مستهلك من مختلف الدول الإسلامية والأقليات المسلمة في دول العالم, والذين لديهم كثير من الحاجات الضرورية, وليس لديهم النقد لكافي للحصول على هذه الحاجيات, خصوصا أن الطفرة الماضية في أسعار النفط والاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط من قبل الاستثمار الأجنبي, فالمؤسسات المالية تهتم باختصار بالمصرفية الإسلامية لتفتح لها آفاقا واسعة للاستثمار, ولذلك أصبح الإقبال على المصرفية ليس فقط من قبل المؤسسات المالية المحلية في البلدان الإسلامية بل أصبح محل اهتمام مؤسسات مالية عالمية, وهذا دليل على أن هذه السوق واعدة وأن الأولوية لهذه المؤسسات هي الربحية.
أما بالنسبة إلى الطرف الثالث من الذين يهتمون بالمصرفية الإسلامية فهم العلماء والباحثون الذين يعتقدون أن من مسؤوليتهم الشرعية, وواجبهم تجاه أمتهم البحث والعمل على تقديم البحوث والدراسات والفتاوى للوصول إلى نموذج من المعاملات المتوافقة مع الشريعة التي تحقق حاجات المجتمع المسلم, وتعالج كثيرا من المشكلات الاقتصادية المستعصية التي تمر بها الأمة الإسلامية اليوم من الفقر والبطالة وضعف في الصناعة والابتكار, والاستثمار الأمثل للثروات البشرية والمادية, وذلك من خلال الاستفادة من العقود والضوابط التي شرعها الإسلام وتناولها الفقهاء قديما وحديثا بالتدقيق والتحقيق والدراسة والبحث. الهدف الواضح لهذه الفئة هو دراسة العقود في كتب الفقه القديمة والحديثة للوصول إلى نماذج تحل بديلا يحقق رغبات المجتمعات المسلمة ويسهم في حل مشكلات المسلمين الاقتصادية.
فإذا ما نظرنا إلى الأجوبة السابقة من كل طرف نجد أن الاختلاف في وجهات النظر أسهم في كثير من سوء الفهم من قبل كل طرف للآخر ولعله على سبيل المثال, نجد أن كثيرا من الأفراد يرون أن البديل الإسلامي في مثل عقد المرابحة, يمثل عقدا أكثر تعقيدا, وأعلى تكلفة, ويصل إلى نتيجة واحدة مع عقد القرض بفائدة وهي أن التمويل هو عبارة عن عملية مبادلة نتيجتها أخذ مبلغ من المال في شكل نقد مقابل مبلغ أعلى يسدد في المستقبل, وهذا المبلغ يتزايد بقدر الزيادة في المدة.
أما بالنسبة إلى كثير من الباحثين فإن مثل هذا العقد وإن كان من الممكن أن يقال إنه جائز في نظر عديد من الهيئات الشرعية إلا أنه لا يحقق الطريق الأمثل لحصول الأفراد على حاجياتهم الضرورية, ودعم التنمية ومعالجة المشكلات الاقتصادية التي تعانيها المجتمعات المسلمة. فهو إن كان لا يصل الى مستوى الضرر الذي ينشأ من القرض بفائدة, وهو في النهاية مقبول لدى شريحة كبيرة من العلماء, إلا أنه قد يتسبب أحيانا في أضرار لا تختلف كثيرا عن الأضرار التي تنشأ عن عقد القرض بفائدة, ولعله سبق أن مر عديد من الأفراد بشيء من الأزمات المالية نتيجة لعقود المرابحة أو لبعض صور الاستدانة بالبطاقات الائتمانية المتوافقة مع الشريعة, إضافة إلى أن كثيرا من الأفراد يسيئ استخدام مثل هذه الأشكال من التمويل ليستخدمها في الكماليات مثل السياحة وشراء الاشياء الاستهلاكية غير الضرورية، وذلك في النهاية يمثل عبئا إضافيا على دخول الأفراد في المستقبل,
ولذلك الإجابة التي نحتاج إليها هي:
كيف نحصل على نظام وعقود مالية متوافقة مع الشريعة توفر البدائل للنموذج التقليدي لتحقيق حاجات الناس الضرورية, وتفتح آفاقا جديدة للمؤسسات المالية التي ترغب في الاستثمار في الأدوات المالية المتوافقة مع الشريعة, وهذه الأدوات تعد نماذج تزيد من تحقيق التنمية في المجتمعات الإسلامية, وتزيد من فرص معالجة المشكلات الاقتصادية التي تعانيها البلدان الإسلامية من الفقر والبطالة وضعف الفرص الاستثمارية وضعف الاستخدام الأمثل للثروات البشرية والمادية. فالإجابة السابقة بلا شك ستسهم في حل كثير من سوء الفهم بين الأطراف الثلاثة السابقة, وستسهم في استمرار الثقة والنمو للمصرفية الإسلامية, إذ إن كثيرا من الباحثين أصبح يتحدث عن أزمة ثقة بين الأطراف الثلاثة ما قد يسهم في عدم تحقيق نجاح حقيقي في قطاع المصرفية الإسلامية.