رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«جنرال موتورز» القديمة و«جنرال موتورز» الجديدة!

في السعودية كما في غيرها من دول العالم، فإن شركة جنرال موتورز موجودة في الممارسات اليومية من حياة شريحة كبيرة من السعوديين.
ومن هنا كان المجتمع السعودي كغيره من المجتمعات في العالم يتابع طوال الشهور الأربعة الماضية باهتمام كبير أخبار ''جنرال موتورز''، وبالذات تلك الأخبار التي كانت تتحدث عن قرب إعلان إفلاس الشركة.
كثير منا ارتبط بعلاقات رومانسية مع سيارات شركة جنرال موتورز الوثيرة (الجخ)، والبعض ارتبط مع ''جنرال موتورز'' بعلاقات اقتصادية واجتماعية مع شركة تقدم له مركبات تقوم بمهام التوصيل والمواصلات الضرورية في حياة الإنسان، ومن حق السعوديين أن يجزعوا نتيجة إعلان إفلاس شركة جنرال موتورز، ومن حقهم أيضا أن يتساءلوا كيف يتعاملون مع الشركة البديلة لـ ''جنرال موتورز''؟
ولذلك يندهش كثير من عملاء ''جنرال موتورز'' في عالمنا العربي، كيف تورطت هذه الشركة العملاقة التي كانت ميزانيتها السنوية تزيد على ميزانيات عشر دول عربية مجتمعة في الوقوع في عملية إفلاس مليارية، وأين الرقابة الإدارية والقانونية مما كان يجرى، والأغرب من ذلك كيف استطاعت هذه الشركة أن تلملم جراحها - بين ليلة وضحاها - وتعلن إشهار تأسيسها من جديد، ويتساءل الناس جميعاً من المسؤول عن دفع ديون الشركة لدى كثير من الشركات والمصارف، بل من المسؤول عن دفع حقوق المساهمين التي تجاوزت مليارات الدولارات، نعم من المسؤول عن سداد هذه الديون التي دمرت كثيرا من المصارف وخربت بيوت كثير من المساهمين؟
إن جزءاً كبيراً من الإجابة عن هذه الأسئلة نقرأها في مواد القسم 1113 من قانون الإفلاس الأمريكي الذي أعطى للشركات حق التحلل من الديون بإعلان الإفلاس والتقدم إلى المحاكم بمشروع إعادة الهيكلة، وإذا اقتنعت المحكمة بمشروع إعادة الهيكلة ووافقت عليه، فإنها تصدر حكماً بتحلل الشركة من جميع الالتزامات المالية السابقة وتمنحها حق تأسيس نفسها من جديد.
ويبدو أن عملية إعلان إفلاس ''جنرال موتورز'' تأتي في السياق نفسه، فقد استطاعت ''جنرال موتورز'' أن توقع اتفاقا تنقل بموجبه ''أفضل أصولها'' إلى شركة جديدة تحمل اسمها نفسه وتمتلك الحكومة الأمريكية أغلب أسهمها، وعكفت الإدارة الجديدة على وضع هيكلة جديدة للشركة، وحملت الملف الجديد إلى إحدى محاكم نيويورك، وبعد 40 يوماً حصلت الشركة على حكم بإعفائها من كل التزاماتها المدينة تجاه الغير، وهكذا بدأت جنرال موتورز من أول السطر، ووعدت أنها ستبدأ تحقيق الأرباح مع نهاية 2012. وستكون شركة جنرال موتورز الجديدة التي أعلنت عن نفسها في الأسبوع الماضي كوريث لمجموعة جنرال موتورز القديمة.. أقل حجماً من ''جنرال موتورز'' الأم لأن إعادة الهيكلة تضمن تخليها عن مجموعة من الشركات التي كانت تابعة لها مثل ''ساب'' و''أوبل'' و''هامر'' و''ساتورن''، مع الاحتفاظ بإنتاج ''شيفروليه'' و''كاديلاك'' و''بويك'' و''جي إم سي''.
لقد كان سقوط ''جنرال موتورز'' بمثابة إعلان الوفاة النهائي للطبقة الأرستقراطية العاملة في أمريكا، ومع سقوط هذه الطبقة يسقط جزء عتيد من الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي، ونتيجة لذلك فإن مستوى معيشة جزء كبير من المجتمع الأمريكي سينخفض وسيؤثر هذا الانخفاض في مجمل اقتصاديات الطبقة المتوسطة.
والحكومة إزاء هذا الحدث الاقتصادي الكبير لم تسلم من الانتقادات اللاذعة التي عبر بها الاقتصاديون عن امتعاضهم من تأخير تنفيذ العملية، فقد قال مايكل لفاين: إن الإدارة الأمريكية أخذت موقفاً مأساوياً وحولته إلى فوضى مكلفة لتسدد دين سياسي وأهدرت مليارات الدولارات على مدى شهور كثيرة بتأجيلها طلب الإفلاس، ومن ثم وضعت نفسها في موقف صعب بالالتزام بمليارات أخرى من الدولارات، إن الأصداء المالية والسياسية والاجتماعية لهذا القرار ستظل معنا تنزف جراحنا لوقت طويل.
ونحن في السعودية نتساءل: إذا كان هذا ما يقوله أحد الاقتصاديين المعدودين في الولايات المتحدة عن نزيف الدولارات للأمريكيين، فماذا يا ترى نستطيع أن نقول نحن في العالم العربي ونحن أمام هجين جديد استخرج من جسد هدته سلسلة من الأمراض والفساد؟!
إن ما حدث لـ ''جنرال موتورز'' هو أنها ضحية من ضحايا حيتان الأزمة المالية العالمية التي كانت وليدة مجموعة من قرارات فاسدة أصدرها رأسماليون نصابون استطاعوا أن يعيثوا فساداً في أكبر البنوك والمصارف والشركات، وأن يختلسوا أموالها ويرموها ذات اليمين وذات الشمال، ثم استطاعوا في نهاية الأمر أن يسجلوا في حساباتهم عمولات ومكافآت وعلاوات وإتاوات لأنهم قاموا بكل هذه الأعمال الفاسدة، ونتيجة لذلك نزفت الشركة من الفساد الذي أصابها بأمراض في كل مكان من جسدها، فبعد أن كانت تنتج 86 مليون سيارة في السنة انخفضت المبيعات في عام 2007 إلى 56 مليون سيارة في كل أسواق العالم، ثم زاد الانخفاض وبلغ 42 مليون سيارة في عام 2008.
وحينما بدأ العالم يتكشف مضارب هذا الفساد الشاسع الأبعاد والواسع النطاق.. كانت كبريات البنوك والشركات قد أعياها المرض والهزال وبلغت درجة الضمور والسقوط والإفلاس، وطبعاً كانت شركة جنرال موتورز إحدى ضحايا الفساد المالي الغربي الذي يدفع ثمنه ـ للأسف ـ الأبرياء في العالم الثالث الذين لم يقترفوا هذا الفساد الهائل.
وعندئذ أخذت الأزمة المالية العالمية تتسامع في كل الأسواق ويتصاعد دخانها وتفوح روائحها الكريهة حتى بلغ كثير من المصارف والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة، ثم تفور الحرائق وينتشر الدخان حتى يصل إلى جميع المؤسسات والشركات في جميع أنحاء العالم.
وهكذا، فالفساد المالي والإداري الذي أفرزه النظام الاقتصادي الغربي البغيض.. هو الذي أطاح بمقومات الاقتصاد العالمي الحديث، وهو الذي فرض على الأبرياء في دول العالم الثالث أن يدفعوا ثمن جرم لم يقترفوه، والمهم الآن أن يستيقظ هذا العالم الثالث ويسهم في مكافحة كل أشكال وألوان الفساد حتى لا تكويه نيرانه ويجد نفسه مضطراً للمساهمة في تسديد فواتيره المريبة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي