الدوائر العلمية: هل المصرفية الإسلامية ثورة علمية؟ (4)
المصرفية الإسلامية لا تمثل ثورة علمية. في اعتقادي هذه هي إجابة السؤال الذي انتهى به الجزء السابق من هذه السلسلة المقالية التي قدمت فيها مفهوم الثورة العلمية. ولتوضيح وجهة نظري سأضرب لذلك مثالا بسيطا. تصور مبنى ضخما جدا يضم الآلاف من وحدات التبريد من مختلف الأشكال والصناعات، ثم قامت مجموعة من إحدى الغرف بتطوير جهاز تبريد لنوع مبتكر في شكله وفي تصميمه وحتى في أسماء مفاتيحه. لكن هذا الجهاز المبتكر لا يعمل إلا إذا تم ربطه بالنظام الكهربائي للمبنى الضخم. وفي أحد الأيام تعرض المبنى إلى ضغط أحمال سببته أجهزة التبريد العادية الموجودة في معظم الغرف ونتج عن ذلك اختلال النظام الكهربائي لدرجة أن إدارة المبنى اضطرت إلى استيراد طاقة جديدة. تأثرت جميع وحدات التبريد بشكل كبير ومنها ما تعطل بشكل نهائي، بينما تأثرت وحدة التبريد المبتكرة بشكل جزئي مما جعل العاملين في المبنى يثنون عليها وظهرت مطالبات باعتمادها. مع نشوة الفرح بالمنتج المبتكر بدأ بعض مؤيديه التصريح بأنه يصلح كبديل للنظام الكهربائي ككل، فهل هذا صحيح؟ عندما نادى أصحاب المبنى باعتماد آلة التبريد الجديدة ليس لأنها ستغير النظام الكهربائي ككل بل لأنها ستحافظ على بقائه أطول مدة ممكنة.
ليست المصرفية الإسلامية إلا تطبيقات مبتكرة في مهنة البنكية والتمويل مثلها في ذلك مثل كل التطبيقات التمويلية التي يتكرر ابتكارها في العالم من حين إلى آخر وإن هرب أصحابها إلى مسمى المصرفية. ولذلك فإن المصرفية الإسلامية لن تعمل إلا إذا تم ربطها بالنظام الرأسمالي والبنكية أرقى أنظمته وتطبيقاته. هذه ليست ثورة علمية بل نحن - وكما قلت سابقا - نعمل ضمن الدوائر العلمية للنظرية الرأسمالية. فقدرة مجموعة العلماء الذين يمثلون التيار العلمي الرئيس في الذود عنه وعدم السماح بالتشكيك في جوهر النظرية تمكن في ابتكارهم مجموعة ضخمة من التطبيقات والفروض التي تدور حول الجوهر. فإذا ما ظهرت المشكلات والنتائج المعاكسة ظهرت قدرتهم في إلقاء اللوم على الفروض والتطبيقات المحيطة ومن ثم استبدالها فورا بفروض وتطبيقات جديدة تنبع من النظرية نفسها. وهو ما حدث فعلا مع المصرفية الإسلامية. فعندما انهار نموذج البنوك الاستثمارية وتسبب في إرباك النظام الرأسمالي ظهرت ادعاءات بعدم قدرة النظرية الرأسمالية على البقاء عززها القرار السياسي للولايات المتحدة بشراء بعض البنوك والذي فسر بالتأميم (أحد تطبيقات الاشتراكية). لكن كان بقدرة منظري الرأسمالية تقديم الحل بسرعة وفق نظرية كنز وتجربة الكساد. وبما أن نموذج المصرفية الإسلامية كان صامدا واستطاع أن ينجو من الأزمة، ولأنه يعتمد على النظام الرأسمالي ويعد من تطبيقاته لذلك تم استخدامه لحماية النظام الرأسمالي من الهجوم وادعاءات الفشل. فكأن المصرفية الإسلامية تسهم في بقاء النظرية الرأسمالية وليست ثورة عليها.
في عالمنا العربي ظهر خلط بين الاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية على أساس أنهما يمثلان جوهرا واحدا. لكن المصرفية الإسلامية تطبيق مقبول، بينما النظرية الاقتصادية الإسلامية لم تحقق حتى الآن صدى عالميا ولم تستطع أن تقدم نفسها كبديل علمي للنظريات القائمة. نعم هناك كتابات جيدة لكن من شروط النظرية المنافسة أن تستطيع تفسير كل ما فسرته النظرية القائمة وأن تتخطاها في التفسير والتنبؤ بما عجزت عنه. كما أن من شروطها أن تجد الدعم من مؤسسات علمية تمثل مرجعية عالمية وأن تجد بعد كل ذلك دعما سياسيا قويا. كل هذه الشروط غير متوافرة في الاقتصاد الإسلامي ومنظريه.
فقبول العلم والنظريات العلمية حول العالم لا يتم بدافع عاطفي وليس هناك مؤامرة كبرى ضدنا ولكن هناك بوابات للعلم ولا يعتد في رأي أحد مهما بلغ إلا إذا مر من خلال هذه البوابات العلمية. لكل بوابة حراس علميون هم الذين يمنحون الباحث لقبه العلمي سواء أستاذ مساعد أو أستاذ مشارك أو أستاذ (بروفيسور). نحصل على لقب أستاذ مساعد إذا حصلنا على درجة الدكتوراة وأستاذ مشارك أو أستاذ إذا تمت إجازة أعمالنا البحثية من خلال مجموعة من الأساتذة والخبراء يمثلون المجالس العلمية للجامعات المانحة. بالطبع تختلف مستويات الجامعات المانحة لهذه الألقاب العلمية وتختلف معها نظرة العالم للقب العلمي وقبول أفكاره. ويمكن القول إن الأمر يشبه الدوائر كلما بَعُدَت الدائرة عن المركز انخفض مستواها والعكس حتى نصل إلى أقصى دائرة في الطرف وهي أضعف الدوائر. الدوائر التي في العمق تمثل أقوى المراكز العلمية والمدارس المانحة للألقاب. فحراسة البوابات هناك صارمة إلى حد بعيد ولا يمكن لأي شخص اختراق البوابات بسهولة حتى يتلقى التدريب الصارم على التفكير العلمي والمنهج الحر. تضعف البوابات كلما اتجهنا إلى الأطراف حتى يمكن لأي شخص اختراق البوابات والحصول على الألقاب البحثية دون حصوله على تدريب علمي حقيقي وصارم ليكون مفكرا حرا.
عندما يقدم الباحث أعماله العلمية لتنشر ضمن أعمالا الدوائر العملية العميقة القريبة من المركز يجب أن يحصل على ثقة حراس البوابات هناك ويحصل عليها فقط إذا كان يعمل ضمن مؤسسات الدوائر العميقة أو شارك من يعمل فيها. وإذا قدمت أعمال من الدوائر الضعيفة يجب أن يكون الباحث حاصلا على إجازته العلمية من مؤسسات العمق وألا يقدم أعمالا تخالف النظرية المركزية. لذلك ترتكز الأعمال البحثية في دوائر الأطراف على إعادة التطبيق أو تمثيل النظرية على بيئات جديدة وإذا انحرفت النتائج عن فروض النظرية فإن الشك فورا في الباحث أو بياناته وأدواته لكن يستحيل عليه أن ينشر أعماله ضمن الدائرة العميقة بتلك النتائج. قد ننشر الكثير ضمن الدوائر الخارجية لكن ذلك الإنتاج لا يعتد به لأنه لم يصل للجوهر ودائما الشك في الباحث لأنه مر عبر بوابات ضعيفة. لنقنع العالم أن لدينا جديدا قابلا للطرح والمنافسة يجب علينا قبلا ترميم بوابات العلم التي نعمل فيها، ترميم مناهج البحث العلمي والتفكير الحر، كما يجب علينا السماح بنشأة المجتمعات العلمية ودعمها فهي أهم عناصر بناء النظريات والثورات العلمية. بهذا أعتقد أنني قدمت إجابات لكل من يتساءل: لماذا لا ينتج الباحث العربي؟ ولذلك ستقف السلسلة المقالية هنا، لتبقى أسئلة كثيرة مفتوحة لنقاشات ثرية ومقالات قادمة ـ بإذن الله.