العوائق المحلية في وجه الأعمال الصغيرة

1- الإجحاف في رفع الإيجار
توظف الأعمال الصغيرة في مجموعها النسبة الكبرى من العمالة في بلدان العالم. وتشير بيانات التوظيف في أوروبا مثلاً أن الأعمال الصغيرة توظف ما لا يقل عن نصف العمالة. وتشجع دول العالم أنشطة الأعمال الصغيرة بأساليب وطرق مختلفة, وتنتشر الأعمال الصغيرة في جميع أرجاء المملكة وتوظف جزءا كبيراً من العمالة السعودية والمقيمة. وتكثر العمالة الأجنبية في المؤسسات الصغيرة، ولكن هناك تزايد كبير في العمالة السعودية التي تدير الأعمال الصغيرة, والأعمال أو المؤسسات الصغيرة تمثل الأمل الأكبر لتوظيف السعوديين وخفض مستويات البطالة. ولن ترتفع معدلات توظيف السعوديين دون دخولهم بقوة في ملكية وإدارة المؤسسات الصغيرة والتي تعمل في المجالات كافة. من جهةٍ أخرى يساعد نمو وتطور الأعمال الصغيرة المؤسسات الكبيرة ويجعلها أكثر كفاءةً وتخصصاً.
وتواجه المنشآت الصغيرة تحديات كبيرة بسبب انخفاض قدراتها على مواجهة متغيرات السوق. وقد عانت المؤسسات الصغيرة في الفترة السابقة الارتفاع الحاد في تكاليف الإيجارات والتي ارتفعت بمعدلات كبيرة تفوق معدلات ارتفاع الإيجارات السكنية، وخصوصاً في المدن الكبيرة. ويلجأ بعض الملاك إلى الرفع العشوائي للإيجارات وبمعدلات كبيرة تصل إلى 100 في المائة في بعض الأحيان. ويقوم الملاك بعمليات رفع الإيجارات بعد قيام المؤسسات الصغيرة بكل عمليات التأسيس التي تنفق فيها مبالغ كبيرة تستنفد معظم مواردها المحدودة. ويضطر ملاك المؤسسات الصغيرة إلى دفع الإيجارات المرتفعة لأن تكاليف انتقالهم إلى أماكن جديدة مرتفعة، كما يواجهون مخاطر إغلاق أعمالهم والتوقف عن العمل والانضمام إلى صفوف العاطلين عن العمل. وتعاني الأعمال النسائية بصفة خاصة تعسف بعض ملاك العقار وذلك نظراً لانخفاض خبرة النساء في التعامل مع ملاك العقار وكتابة العقود والقيود الاجتماعية التي تحول بينهن وبين مقاضاة ملاك العقار والحصول على تعويضات عن الأضرار التي يتسببون بها لأعمالهن. ولا يبالي بعض الملاك حتى بأحوال النساء الضعيفات اللواتي ليس لديهن من يرعاهن ويعتمدن على الأعمال الصغيرة مثل المشاغل في تأمين أقوات عائلاتهن.
من جهةٍ أخرى, لا يوجد أنظمة واضحة توضح حقوق والتزامات المستأجرين، حتى لو وجدت هذه الأنظم, فإنها لا تطبق وخصوصاً على الملاك. وهناك عديد من الأمثلة الحية التي يرفع ملاك العقار الإيجارات بنسب عالية ومفاجئة بعد سنة أو سنتين من بدء نشاط المؤسسات الصغيرة. كما لا يوجد ما يلزم ملاك العقار بمعالجة أي معضلات تضر بخدمات الأماكن المستأجرة، فقد تعاني الأماكن المستأجرة أعطالا رئيسة كتشقق الأسقف والجدران أو تسرب مياه الشرب والصرف الصحي أو سوء التمديدات الكهربائية, ما يؤثر على أنشطة المؤسسات المستأجرة ويدفعها للتوقف عن العمل لفترات زمنية تقود إلى إفلاسها أو خسارتها. ولا يبالي ملاك العقار بهذه الأعطال ويحملون المؤسسات المستأجرة مسؤولية إصلاحها لعدم وجود أنظمة أو عقوبات تسمح بتعويض المستأجرين للخسائر الناتجة عن الأعطال الناتجة عن سوء تنفيذ أو صيانة المباني. ولهذا ترتفع الحاجة إلى وضع حد لتقاعس ملاك العقار أو ممارساتهم الخاطئة التي تؤدي إلى أضرار بالغة بالأعمال الصغيرة. وأعتقد أنه ينبغي وضع أنظمة تحدد مسؤولية الملاك والمستأجرين على حدٍ سواء وتجبر المتسببين بأضرار من الطرفين بدفع تعويضات للطرف المتضرر، كما ينبغي أن تفعَل هذه الأنظمة وتطبق بشفافية كاملة. وللحد من الأضرار الناشئة عن الرفع المفاجئ والكبير في الإيجارات ينبغي تحديد فترة زمنية معقولة لإبلاغ المستأجرين عن رفع الإيجار قبل سريان مفعوله. ومن الأفضل وضع حد أعلى لمعدلات رفع الإيجار على المؤسسات الصغيرة للحد من تدهور أوضاعها. ويمكن أن يستخدم الرقم القياسي لتكاليف المعيشة كأساس لحدود رفع معدلات إيجارات الأماكن المؤجرة للأعمال الصغيرة. وعملية ربط رفع إيجارات الأماكن المؤجرة للأعمال الصغيرة بالتغيرات في الرقم القياسي للإيجارات السكنية (أو بنسبة منها بحيث لا يتجاوز مقدار رفع الإيجارات مثلاً 150 في المائة من معدلات ارتفاع الإيجارات السكنية) يمثل حلاً مرضياً لمطالب الملاك ويضمن في الوقت نفسه عدم وقوع أضرار بالغة على الأعمال الصغيرة تقود لإفلاسها. وقد ارتفعت معدلات الإيجارات في خلال العام الماضي بنسب مرتفعة، ولكن هذه النسبة تقل عن معدلات الارتفاع التي قام بها بعض الملاك والتي تجاوزت أحياناً 100 في المائة.
ويتحمل ملاك الأعمال الصغيرة مسؤولية أعمالهم وعليهم عند توقيع عقود الإيجار عدم التسرع في توقيع عقود قد تقود إلى إفلاسهم أو على الأقل التسبب في ضرر بالغ لأعمالهم. وعليهم إدراك حجم المخاطر التي يقدمون عليها وتقديرها وفرض الشروط التي تضمن عدم تعرضهم للابتزاز بشكل مفاجئ، حيث يمكنهم وضع شروط تضع حداً أقصى لمعدلات رفع الإيجار ومدد الإبلاغ اللازمة للتعديلات في معدلات الإيجار. كما ينبغي عليهم قدر المستطاع وضع عقود طويلة الأجل مع إمكانية وقف العقد في حالات التعسر المالي أو الإفلاس. وفي حالة رفض الملاك لهذه الشروط فالأفضل تجنب الدخول في أعمال مرتفعة المخاطر, وخصوصاً لمن لديهم إمكانات محدودة، فرفع الإيجار الكبير والمفاجئ يحول الأعمال المربحة إلى كوابيس على ملاكها. ومن الأفضل لملاك الأعمال الصغيرة عدم البدء في أعمال ترتفع فيها مخاطر الخسارة لأنهم سيفاجأون بوجود مخاطر إضافية أخرى عند بدء أنشطة مؤسساتهم. وفي الختام, فإن على الملاك الخوف من الله وتجنب التسبب في ظلم وقهر الضعفاء، فرب دعوة من ضعيف مظلوم تصيب الظالم بضرر أكبر. فقد يتسبب رفع الإيجار المجحف في قطع أرزاق الضعفاء وحرمان أطفالهم من العيش الكريم, ما قد يدفعهم لرفع أيديهم بالدعاء على المتسبب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي