سيناريو فترة الكساد الطويلة
في الأسبوع الماضي تمت مناقشة تقرير منظمة الدول المصدرة للنفط ''أوبك'' لتوقعات النفط العالمية لعام 2030 للسنة الحالية 2009 OPEC World Oil Outlook. هذا وركزت المناقشة على السيناريو المرجعي للتقرير Reference case scenario. بموجب هذا السيناريو توقع التقرير أن يكون الانتعاش الاقتصادي على شكل U، أي أن انتعاش الاقتصاد العالمي من المتوقع أن يكون تدريجيا، وأن عام 2009 سيمثل نهاية فترة الكساد وبحلول عام 2012 سيعود النمو الاقتصادي العالمي إلى معدلاته الطبيعية السابقة، أما على المدى البعيد افتراض التقرير متوسط معدل النمو العالمي السنوي هو في حدود 3 في المائة على مدى الفترة 2009- 2030، حسبما ذكر التقرير. بخصوص الطلب على النفط توقع التقرير، أن الاستهلاك العالمي سيصل إلى 105.6 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030، من نحو 86 مليون برميل يوميا خلال عام 2008، أي بنحو 7.4 مليون برميل يوميا أقل مما كان متوقعا في العام الماضي. الطلب على نفط المنظمة من المتوقع أن يصل إلى نحو 41.0 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030، وهو أيضا أقل بكثير مما كان متوقعا في العام الماضي، حسبما أشار التقرير.
إضافة إلى السيناريو المرجعي، ناقش تقرير منظمة الدول المصدرة للنفط ''أوبك'' لتوقعات النفط العالمية لعام 2030، سيناريو آخر: سيناريو فترة الكساد الطويلة Protracted Recession scenario، هذا السيناريو يمكن أن يحدث إذا كان الركود الحالي في الاقتصاد العالمي أعمق وأطول أمدا مما افترض السيناريو المرجعي للمنظمة. هذا بطبيعة الحال يمكن أن يتحقق في حال التأخر في تنفيذ تدابير وبرامج التحفيز الاقتصادي أو الفشل في احتواء الأزمة الاقتصادية والمالية، حسبما ذكر التقرير. في هذه الحالة، النمو الاقتصادي العالمي سيكون أقل في حدود 1 إلى 2 في المائة من السيناريو المرجعي للتقرير حتى عام 2013.
لقد أشارت الدراسة في هذا الخصوص إلى أن المخاطر بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي لا تزال تميل نحو الجانب السلبي، على الرغم من أن البيانات الاقتصادية الأخيرة تشير إلى حدوث تباطؤ في معدل الانكماش وتحسن في ثقة المستهلكين والأعمال التجارية. حيث إن هوامش الفائدة في الإقراض بين البنوك قد انخفضت، ولكنها لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه في الظروف الطبيعية. حيث أشار التقرير إلى أن المخاطر ناشئة على وجه الخصوص من احتمال حدوث تأخير في تنفيذ سياسات تحقيق الاستقرار في الأسواق المالية، مزيد من التدهور في إمكانات المصارف الذي قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على توفير الائتمان، مخاطر الانكماش، وعدم حصول الاقتصادات الناشئة على التمويل الخارجي الكافي. إضافة إلى وجهة النظر الأكثر تشاؤما حول معدل الانتعاش في الاقتصادي العالمي، افترض سيناريو الكساد الطويل الأجل أيضا، أن أسعار النفط الخام ستكون أضعف بشكل كبير مما كانت عليه في السيناريو المرجعي. في هذا السيناريو أشار التقرير إلى أن الطلب العالمي على النفط في عام 2013 سيكون 2.4 مليون برميل يوميا أقل مما كان عليه في السيناريو المرجعي، الاستهلاك العالمي سيصل إلى 85.5 مليون برميل يوميا، حسبما ذكر التقرير.
كما بينت توقعات ''أوبك'' بهذا الخصوص إلى أن انخفاض أسعار النفط سيكون لها تأثيرات سلبية كبيرة في مستقبل الإمدادات النفطية، والحد من كل من الربحية والسيولة النقدية للشركات النفطية. أول دلائل على وجود رد فعل على هبوط أسعار النفط في الآونة الأخيرة تظهر جليا في انخفاض نشاط الحفر بصورة كبيرة في الولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى، هذه العلاقة بين حركة الأسعار وكثافة النشاط في الفعاليات الإنتاجية، قد لوحظ في الماضي أيضا. كما أن اقتصادات إمدادات النفط غير التقليدية من شأنها أن تتأثر سلبا أيضا إذا استمرت أسعار النفط في الانخفاض لفترة طويلة، حسبما أشارت التوقعات.
لقد أشارت الدراسة إلى أن هذا السيناريو له أيضا آثار مهمة في قرارات ونشاط الاستثمار في البلدان الأعضاء في منظمة ''أوبك''. حيث تشير الخبرة السابقة بهذا المجال بوضوح إلى مأزق اتخاذ قرارات الاستثمار في جو من التشاؤم حول انخفاض الطلب على النفط وانخفاض أسعار النفط. حيث إن للدول الأعضاء في المنظمة مخاوف بخصوص مشكلة أمن الطلب والمخاطر المترتبة على القيام باستثمارات كبيرة في طاقات إنتاجية لا حاجة إليها. إن سيناريو امتداد فترة الكساد هذا يجمع مزيجا من انخفاض أسعار النفط، عدم اليقين على الطلب، وتوافر مستويات عالية من الطاقات الإنتاجية الاحتياطية نتيجة لقرارات الاستثمارات في ظل ارتفاع أسعار النفط. كما أن في هذا السيناريو، زيادة الصعوبة في توفير الائتمان المطلوب سيضاعف العقبات التي تعترض الاستثمار، حسب الدراسة.
أما بخصوص العرض، فقد ذكر تقرير المنظمة أن سيناريو امتداد فترة الكساد، يفترض استجابة دول ''أوبك'' لزيادة الطلب على النفط، في حين الإنتاج من الدول غير الأعضاء في المنظمة قد تم تخفيضه مقارنة بالسيناريو المرجعي للتقرير بسبب انخفاض أسعار النفط، حيث إن الاستثمار في هذه الدول يتركز فقط على تعويض الإنتاج نتيجة الانخفاض الطبيعي في إنتاجية الحقول. إذا استمر الإنتاج من خارج دول ''أوبك'' بالتداعي نتيجة نقص في الاستثمارات، فإن الطاقات الإنتاجية الاحتياطية لدى الدول الأعضاء في ''أوبك'' ستتضاءل. حيث ذكر التقرير أن الطاقات الإنتاجية الاحتياطية لدى دول المنظمة يمكن أن تنخفض في هذا السيناريو إلى أقل من ثلاثة ملايين برميل يوميا بحلول عام 2012 وإلى أقل من مليوني برميل يوميا بحلول عام 2013، من نحو سبعة ملايين برميل يوميا حاليا. إن النقص في الطاقات الإنتاجية في هذا السيناريو يعود إلى أسعار النفط الواطئة المفترضة على المدى المتوسط. هذا الاتجاه مماثل لفترة أسعار النفط الواطئة التي شهدتها الأسواق العالمية عام 1998/1999 والذي كان سببا لنقص الطاقات الاحتياطية وارتفاع الأسعار للفترة 2004-2008. في هذا السيناريو، التاريخ يكرر نفسه، إلى حد ما، حيث إن الأسعار المنخفضة تهيئ الأرضية المناسبة لعدم الاستقرار في الأسواق وارتفاع الأسعار من جديد، كما أشارة توقعات ''أوبك''. حيث من المؤكد أنه سيكون هناك رد فعل في أسعار النفط في حالة حدوث ذلك، وقد تجد الأسواق العالمية للنفط نفسها في دورة جديدة من شح الإمدادات وارتفاع الأسعار وسباق لبناء الطاقات الإنتاجية. بطبيعة الحال، جميع هذه الفرضيات المتشائمة يمكن أن تتلاشى، حيث إن السياسات المالية والاقتصادية وبرامج التحفيز الأخرى التي يجري العمل بها حاليا يمكن أن تنجح وتقود العالم إلى معدلات نمو اقتصادي أعلى من التوقعات الحالية، وفي الوقت نفسه تؤدي إلى ارتفاع معدلات النمو في الطلب على النفط أعلى بكثير من التوقعات الحالية أيضا. يتضح من كل من السيناريو المرجعي وسيناريو فترة الكساد الطويلة، أن التحدي الرئيسي الذي يواجه صناعة الطاقة بشكل عام و''أوبك'' بشكل خاص، ينبع من قدر كبير من عدم اليقين بشأن مستوى الطلب على الطاقة والنفط في المستقبل، كما بينت توقعات ''أوبك''.