تيارات غير متوقعةتيارات
أنتج أسوأ ركود اقتصادي عالمي منذ فترة الكساد العظيم كثيرا من الأرقام المحيرة. ومن أبرزها - وربما أكثر إثارة للقلق - هي مقاييس التجارة العالمية. ووفقا للبنك الدولي، تقل قيمة التجارة بالدولار بنسبة الثلث تقريبا عما كانت عليه قبل عام. وتشير تقديرات Barry Eichengreen، وهو مؤرخ اقتصادي في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، إلى أن التجارة تقلصت بنسبة أكبر في هذه الأزمة عما تقلصت في المرحلة المشابهة خلال فترة الكساد العظيم. إلا أن الأخبار في الآونة الأخيرة تبشر بالأمل. فالتجارة ليست مزدهرة، ولكنها توقفت عن التدهور. ويعتقد البنك الدولي أن هناك "بوادر صعود" في البيانات الأولية لشهر حزيران (يونيو). وليس لدىBernard Hoekman، مدير قسم التجارة الدولية في البنك، "شك في أن الانحدار في التجارة بلغ أدنى مستوياته".
إلا أن قدرة التجارة العالمية على الانتعاش السريع المستدام تعتمد في المقام الأول على مدى سرعة واستدامة تزايد الطلب العالمي. ولكنها تعتمد أيضا على عاملين آخرين.
أحدهما هو سبب انخفاض التجارة بشدة في مطلع العام. فإذا كان المتهم الرئيسي هو انخفاض الطلب العالمي، كما يعتقد معظم الاقتصاديين، من المفترض إذن أن تنتعش التجارة بسهولة حين يرتفع الطلب. ولكن إذا كان السبب هو زيادة الحماية، ستكون التجارة بطيئة في خروجها من حالة الركود. وكما تظهر الأزمات السابقة، فإنه من الأسهل وضع مثل هذه المقاييس أكثر من إزالتها.
والثاني هو السياسة التجارية العالمية. فستظل الحكومات خاضعة لضغوط من أجل إقامة حواجز تجارية إذا استمر معدل البطالة في الارتفاع مع تقلص حريتها في التوسع السياسي والنقدي. وقد وعد قادة أكبر اقتصادات العالم مرارا باختتام جولة الدوحة للمحادثات التجارية، التي طالت بالفعل لأكثر من سبع سنوات وشارفت على الموت عدة مرات. وبفعل هذا، وضعوا أنفسهم في اختبار مهم.
ثقب في البدن
إن حالة التجارة مريعة مقارنة بمستواها قبل عام. ووفقا للبنك الدولي، كانت قيمة الصادرات بالدولار في الدول الـ 48 التي تتوافر البيانات المتعلقة بها لشهر أيار (مايو) لا تزال أقل بنسبة الثلث عنها في أيار (مايو) 2008. إلا أن البيانات على أساس سنوي تخفي تغييرات حدثت أخيرا. فالبيانات على أساس شهري تشير إلى انخفاض كبير في مطلع هذا العام، ولكنها تشير إلى استقرار منذ ذلك الحين. ويعتقد البنك أن متوسط قيمة الصادرات (للـ 44 دولة التي تمثل ثلاثة أرباع التجارة العالمية) انخفض بنسبة 15.4 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر)، واستقرت في كانون الأول (ديسمبر)، وانخفضت بنسبة 12.2 في المائة في كانون الثاني (يناير) قبل أن تستقر مرة أخرى.
وكان الانخفاض المتسارع في التجارة - الأكثر وضوحا حتى الآن من أي انخفاض حدث في الناتج المحلي الإجمالي العالمي - ناتجا جزئيا عن طريقة تنظيم الإنتاج حاليا. فلطالما تأثرت التجارة بصورة تناسبية بالتقلبات في الإنتاج، إلا أن عولمة سلسلة الطلب زاد قدرتها على الاستجابة. ومراحل الإنتاج التي كانت في السابق محلية أكثر احتمالا الآن لتنفيذها في الخارج. وتشير تقديرات Douglas Irwin من كلية دارتموث إلى أنه في الستينيات والسبعينيات، كانت التجارة ستنمو (أو تتقلص) بنسبة تقارب 2 في المائة إذا زاد الناتج المحلي الإجمالي العالمي (أو تناقص) بنسبة 1 في المائة. وفي التسعينيات، بلغت نسبة التغير في التجارة 3.4 في المائة.
وجاء في دراسة جديدة أجرتها Carline Freund من البنك الدولي أنه في فترات الركود تتقلص التجارة بصورة أكثر حدة من قدرتها على الاستجابة في الأوقات الجيدة. وباستخدام بيانات من فترات الركود العالمية في الأعوام 1975 و1982 و1991 و2001، وجدت Freund أنه في حين أن نمو الدخل الحقيقي كان أقل في المتوسط بواقع 1.5 نقطة مئوية من معدله قبل الركود، إلا أن النمو التجاري انخفض بواقع 7.2 نقطة، أو نحو خمسة أضعاف ذلك.
وتبرز عدة أسباب لانخفاض التجارة بهذه السرعة في فترات الركود. وقد يكون السبب هو أنه حين تتوقع الشركات حدوث تباطؤ مفاجئ في النمو، تستهلك المخزونات المتراكمة بصورة كبيرة، ما يسبب تقلصا سريعا للتجارة. ولكن من المحتمل أيضا أنه في فترات الانكماش تلجأ الحكومات إلى السياسات الحمائية، ما يزيد قدرة التجارة على الاستجابة لانخفاض الطلب.
وعموما، يوحي توقيت انهيار واستقرار التدفقات التجارية، إضافة إلى نمط الانخفاض القطاعي والجغرافي، أن الطلب والتصفية، وليس اللجوء للحمائية، هما السببان الرئيسيان. وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أن أمريكا، التي كانت أول اقتصاد كبير يدخل الركود، شهدت أيضا أشد تقلص للمستوردات في العام الماضي. وتبين البيانات المتعلقة بأمريكا واليابان أن التجارة في السلع الاستهلاكية غير المعمّرة مثل الملابس والطعام، التي يظل مستوى الطلب عليها ثابتا بشكل أساسي والتي لا يمكن تأجيل شرائها لفترة أطول مثل السلع الأغلى، انخفضت بصورة أقل من فئات المنتجات الرئيسية. وتضررت الدول المصدّرة المتخصصة في السلع الرأسمالية والمعمّرة، مثل ألمانيا، بصورة أكبر من غيرها. وحتى بالنسبة للسلع الأرخص غير المعمّرة، كانت الانخفاضات الأولى هي الأكثر حدة، ما يشير إلى أن تجار التجزئة كانوا يستهلكون مخزوناتهم بشدة.
وتدعم الفروقات في اتجاهات التجارة في السلع والخدمات أيضا نظرية التصفية. ويشير Aaditya Mattoo وIngo Borchert، وهما اقتصاديان في البنك الدولي، إلى المرونة النسبية للتجارة في الخدمات، التي، خلافا للسلع، لا يمكن تخزينها وبالتالي فهي لا تخضع لتأثير المخزون. وفي نيسان (أبريل)، كانت مستوردات أمريكا من السلع أقل بنسبة 34 في المائة عما كانت عليه قبل عام. وكانت صادراتها أقل بنسبة 27 في المائة. إلا أن المستوردات والصادرات من الخدمات انخفضت بنسبة 10 في المائة فقط. وكانت المستوردات من الخدمات التجارية والمهنية والفنية (بما في ذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات التي يتم إسنادها لجهات خارجية مثل الهند) أعلى بنسبة 4 في المائة في الربع الأول من عام 2009 عما كانت عليه قبل عام.
وقد حللت منظمة التجارة العالمية السياسات التجارية، إضافة إلى التدفقات التجارية. وكان هناك عدة حالات لدول رفعت الرسوم الجمركية، في حدود التزاماتها مع منظمة التجارة العالمية. وأدخلت أمريكا والاتحاد الأوروبي وسويسرا إعانات زراعية جديدة (أو استأنفت برامج كان قد تم التخلي عنها). وارتفع عدد قضايا مكافحة الإغراق التي رفعها أعضاء منظمة التجارة العالمية بصورة حادة في عام 2008، من أدنى مستوى لها منذ 12 عاما في 2007، وظل مستواها مرتفعا في الربع الأول من هذا العام.
والمقاييس الأخرى، خاصة حين تقوم بها الحكومات دون القومية (المحافظات والولايات)، أقل وضوحا. وتهدف الأحكام المتعلقة بالمشتريات المحلية والمرتبطة برزم الحوافظ العديدة، بما في ذلك رزمتا أمريكا والصين، تفضيل المزودين المحليين على الأجانب. وغالبا ما تكون الإعانات القطاعية، خاصة لشركات السيارات، مرتبطة بضغوط لضمان أن يحدث تخفيض الوظائف في الخارج، وليس في الوطن.
إلا أن التغييرات في السياسة التجارية لم تكن ذات اتجاه واحد. فقد تحركت عدة دول، من أستراليا إلى الصين حتى الإكوادور وباراجواي، في اتجاه ليبرالي، حيث قللت رسوم الاستيراد أو أزالت الحواجز غير التجارية منذ بداية آذار (مارس). ويشير Chad Bown، وهو اقتصادي في جامعة برانديز، إلى أن القيمة الإجمالية للتجارة التي استهدفتها موجة إجراءات مكافحة الإغراق الجديدة صغيرة: أقل من 0.45 في المائة من القيمة الإجمالية لمستوردات دول مجموعة العشرين.
كل هذا مطمئن إلى حد ما. ووصول التجارة إلى أدنى مستوياتها يعكس تباطؤ انخفاض الاقتصاد العالمي. وربما تكون التصفية قد أخذت مجراها. وبالنظر إلى قدرة الإنتاج على الاستجابة، فإن حدوث انتعاش في التجارة ليس أمرا مستحيل التصور. ومن ناحية أخرى، لم تخرج الحمائية عن السيطرة.
ولكن لا يزال الحذر ضروريا. فهناك عديد من الاقتصادات الكبيرة المدعومة من السياسات المالية والنقدية التوسعية، التي يجب إلغاؤها في النهاية. ومن المرجح أن يكون الانتعاش بطيئا. ولا شك أن معدل البطالة سيستمر في الارتفاع - بمقدار يراوح بين 21 مليونا و50 مليونا هذا العام وفقا لمنظمة العمل الدولية. وبما أن الحوافز النقدية والمالية قريبة بالفعل من هذه الحدود، قد تبدو الحواجز التجارية طريقة مغرية لحماية الوظائف. وقد تزيد بعض الدول الرسوم الجمركية بصورة كبيرة دون انتهاك قواعد منظمة التجارة الدولية. أو قد تؤدي أحكام الشراء المحلية الأكثر صرامة مثلا إلى فرض ضغوط على التجارة.
العودة إلى الدوحة
ولهذا السبب، لا تزال سياسة التجارة - خاصة احتمالات استكمال جولة الدوحة - مهمة. وقد شكك بعض المتشككين بالجولة في قيمتها لأنها لا تعد بتخفيضات أخرى كبيرة في الرسوم الجمركية الفعلية، وتهدف فقط إلى الحد من قدرة الدول على رفعها. إلا أن Hoekman من البنك الدولي أكثر تفاؤلا. فالدول تدرك أنه لا يمكن اعتبار الأسواق المفتوحة أمرا مفروغا منه، ولا تريد الكثير منها أن يتم اعتبارها منتهكة لالتزاماتها الدولية. وهذا يجعل جانب "التأمين" في جولة الدوحة أكثر جاذبية مما كان عليه قبل عدة أشهر فقط.
إلا أن الأزمة كشفت أيضا عن حدود القواعد متعددة الأطراف القائمة. فقواعد منظمة التجارة العالمية بشأن المشتريات العامة لا تحد من قدرة الحكومات المحلية على التمييز ضد المزودين الأجانب. والدول التي لم توقع اتفاقية منظمة التجارة الدولية بشأن المشتريات الحكومية حرة في اتباع السياسات التمييزية. وقد دفع هذا Hoekman إلى القول إن الفائدة الأخرى لاختتام جولة الدوحة هي أن هذا سيفتح المجال أمام المفاوضات لوضع قواعد اللعبة في مجالات مثل تنظيم القطاعات المالية الدولية، والمشتريات الحكومية، والتجارة في الخدمات، التي كشفت فيها الأزمة عن وجود مجال كبير للحمائية.
ومع الأسف، ليس من المؤكد على الإطلاق اختتام الجولة بنجاح. فقد انهارت المحاولة الأخيرة في تموز (يوليو) 2008، حين أصرت الهند على المزيد من الحماية لمزارعيها ضد الطفرات المفاجئة في المستوردات من تلك التي كانت أمريكا مستعدة لقبولها. وعلى الرغم من النوايا الحسنة لزعماء العالم، إلا أن الأمل يكمن في Ron Kirk، الممثل التجاري الجديد لأمريكا، وأيضا Anand Sharma، وزير التجارة الهندي الجديد، لكي يتمكنا من إيجاد أرضية مشتركة. وقد التقى الاثنان بالفعل في عدة مرات. وتحدث Kirk عن ضرورة اختتام جولة الدوحة بطريقة "متوازنة وطموحة". وأكد Sharma أنه يملك صلاحية من رئيس الوزراء لتوقيع اتفاقية تجارية عالمية.
إلا أن Kirk يركز منذ تعيينه على تطبيق قواعد التجارة الحالية. وقد ركز في آخر خطاب للسياسة له، في مصنع فولاذ في بيتسبرج، على اكتشاف انتهاكات معايير العمل من قبل الشركاء التجاريين، ووعد باللجوء للإجراءات القانونية إذا لزم الأمر. ويخشى Gary Hufbauer، من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن، أن يؤدي "وابل القضايا إلى نكسة في الدوحة".
ويرى البعض أنه عن طريق إظهار تصميمه للجمهور المحلي القلق، قد يسهل على Kirk الحصول على السلطة التي يحتاج إليها للتفاوض في الدوحة. ولا يسع أولئك الذين يأملون أن تنتهي محادثات التجارة بنجاح سوى أن يأملوا أن يكون تحليله صحيحا. وإذا لم يكن كذلك، قد لا يكون التوصل إلى اتفاقية أمرا وشيك الحدوث.