ابتعثوهم! (2)
حسناً، اتفق البعض مع أغلب ما جاء في المقال الأول، فيما لم يتفق قليلون مع ما ما جاء فيه ، كما أضاف أكاديمي وممارس واحد بعداً جديداً لموضوعنا، وهو الطالب وموقفه مما يجري. وطالما أن الوعد قد حق بإطلاعكم على واحد من أهم أسباب عزوف طلابنا وطالباتنا عن الدراسة العليا في جامعاتنا، أرجو أن تقرأوا ما يلي برحابة، مع استحضار الفرق بين العلوم التي تستوجب مسالمة تلقينية وبين تلك التي تستوجب تحليلاً وقراءة إنسانية.
أولاً: سيكون التركيز اليوم على الـ methodology أو المنهجية المتبعة في تدريس العلوم الإنسانية في جامعاتنا الموقرة، والحديث طبعاً عن طلاب الماجستير والدكتوراه. وهذه المنهجية التي يفاخر أكاديميون كثر باستخدامها هي المنهجية «الكتاتيبية» في أزليتها التي تقتضي استقراء المعادلة التالية:
دكتور: (حرية مطلقة في اختيار الكتاب) + طالب: (يحفظ ويسمّع ما جاء في الكتاب)= ماجستير بمعدل ممتاز مع مرتبة الـ «كرف» الأولى!
وإليكم مقطع من حوار دار بين طالب ماجستير ودكتور متبنٍ للحقبة «الكتاتيبية»:
الدكتور: احفظوا هالمعلومات اللي في الكتاب، كلها مهمة!
الطالب: هذا كثير يا دكتور!
الدكتور، مستنكراً وممسكاً بجزء من شنبه: أنت طالب ماجستير، ومن الأساسيات أن تقرأ لكي تعرف!
الطالب: هناك فرق يا دكتور بين أن أقرأ لأعرف، وبين أن أقرأ لأحفظ!
الدكتور، مع نظرة ملتهبة: وما الحل في رأيك؟
الطالب: أن نأخذ المعلومة إلى مرحلة الممارسة، ونطلعك على النتائج!
الدكتور: أقترح أن تفكر جدياً في حذف التيرم، هذا ما يمكنني أن أنصحك به!
ثانياً: بعد فصل دراسي كامل من تسميع كتاب لا يقل عن 1500 صفحة، لا تستغرب كثيراً أن يكون الاختبار بطريقة «الاختيارات المتعددة» دون أن يبحث المحاضر صدق الاختبار وعلاقته بالمحتوى الذي تم تسميعه.. عفواً، أقصد تدريسه.
ثالثاً: يتميز «الكتاتيبيون» بعدم اقتناعهم بأهمية المقال والدراسة العلمية الموثقة، حتى وإن كانت حديثة. وجل تركيز هؤلاء منصب على إحكام السيطرة من خلال استدعاء الفوقية التي يمنحها لهم الكتاب المقرر، حتى وإن كان من تأليف غيرهم!
رابعاً: يكرهون التصحيح، لهذا يبتعدون عن التقييم الورقي المستند إلى الدراية والإدراك العلمي، ويلجأون إلى اختبارات الخيارات المتعددة لتسهيل مهمة «الرسوب».. أو في أحسن الاحتمالات «الترقيم» الجاف، إن سمح وقتهم!
خامساً: ليس لهؤلاء الكثير من الأثر الظاهر في المجتمع من ناحية الإسهام العلمي، ويتم تعويض الحاجة إلى ذلك من خلال ممارسة السيادة على حفنة من طلاب الدراسات العليا المغلوبين على أمرهم!
أجدني مضطرا للتوقف هنا، قبل أن تدركني المساحة!
وللقارئ المهتم ببحث أسباب تكدس السعوديين والسعوديات في الجامعات الأوروبية والعربية، ومنع وزارة التعليم العالي دارسي العلوم الإنسانية الجدد من التقديم على 31 جامعة أمريكية، ست جامعات كندية، خمس جامعات أسترالية، ثلاث جامعات بريطانية، جامعتين في نيوزيلندا، تسع جامعات أردنية، ثلاث جامعات مصرية، جامعيتين ماليزيتين، هو ما يكابده هؤلاء من طول مدة الدراسة في السعودية، ومن متطلبات الحفظ والتسميع التعجيزية خصوصاً على من كونوا أسراً كبيرة وأولئك الذين انقطعوا طويلاً عن الدراسة واكتسبوا الكثير من الخبرة العملية في مجال تخصصهم. الوضع أشبه ما يكون بحالة هروب جماعي حتى إلى مناطق قد لا توفر أكثر من مجرد الحد اللائق من تثمين المعرفة، وليس «التسميع».
ختاماً:
«ك» ضمة (كو)، «ت» فتحة (تا)، «ا» فتحة (آ)، «ب» سكون ... (بعثة)!