الماء.. أرخص موجود وأغلى مفقود!
الماء عصب الحياة ومرتكز أي نشاط تنموي والسبب الرئيس وراء النزاعات الدولية والحروب العالمية الحالية والمقبلة، ولذا فهو بترول القرن الـ 21 والمتحكم في العلاقات الدولية ومصدر القوة والسيطرة الاستراتيجية، ويتوقع أن تتغير الجغرافيا السياسية للعالم تبعا لتوزيع موارد المياه. في خضم هذا التنافس المحموم بين دول العالم في امتلاك أكبر مخزون من المياه تتجلى سياسات الكثير منها في السعي لتوفير المياه من مصادره الطبيعية واستكشاف طرق جديدة لاستخراجه أو إنشاء محطات ضخمة لتحليته، الأمر لا يتوقف عند توفير المياه ولكن هناك سياسات صارمة تحد من استخداماته ومنع تلوثه. الغريب أن الدول الأكثر وفرة في المياه هي الأكثر صرامة في استخداماته ما يعكس نظرة مستقبلية واعية وإدراكا تاما لخطورة عدم الحفاظ على هذا المورد المهم للحياة والإحساس بأهمية التنمية المستدامة التي تنطوي على استخدام الموارد المائية بقدر يحفظ حقوق الأجيال المقبلة.
وفي بلد صحراوي مثل السعودية يمثل توفير الماء والحفاظ عليه أحد أهم التحديات الوطنية إن لم يكن التحدي الأكبر على الإطلاق، فشح المياه مع تزايد الطلب بمعدلات تفوق القدرة على تلبيته قضية تمس الأمن الوطني. ومشكلة شح المياه خاصة في ظل النزاعات الإقليمية وعدم الاستقرار في المنطقة أكثر حساسية وضراوة وتسارعا من أي وقت مضى. ولأن معظم ما نحصل عليه من الماء يأتي عبر تحلية مياه البحر، وهذا مصدر الخطورة إذ إن أي عطل فني لسبب تقني أو اعتداء خارجي تخريبي يعني انقطاع أسباب الحياة عن كثير من مدننا وقرانا. الإشكالية أننا نتصرف كأفراد ومؤسسات وكأن المشكلة لا تعنينا! فضلا عن أننا لن نكلف أنفسنا عناء التفكير بما سيحل بالأجيال المقبلة إن بقينا نستنزف المياه كما نفعل اليوم. في المقابل نجد أن دولا مثل كندا والولايات المتحدة الغنية بالموارد المائية تنفق أموالا طائلة على الدراسات وتنظم المؤتمرات والندوات في سعي دؤوب لإيجاد حلول لمشكلة نقص المياه وفي الوقت ذاته تخصص ميزانيات كبيرة لإقامة مشاريع توفير المياه والحفاظ عليها! ومن العجيب الغريب أننا مازلنا نحلم بذلك النهر المتدفق من تحت أراضينا في الطبقات السفلى ليمنحنا تصورا خاطئا وتراخيا ليكون استهلاكنا على مبدأ الوفرة وليس الندرة. ولذا ما زلنا نتصرف في قراراتنا الخاصة وسياساتنا العامة بإسراف وكأننا لسنا نعيش في كوكب الأرض ولا نشاطر الآخرين مشكلة شح المياه. الإطار الزمني الذي نرى فيه المشكلة قصير جدا لا يتعدى بضع سنوات هي فترة الجيل الحالي دون التفكير في الأجيال المقبلة وكأننا نتمثل قول الشاعر: فإذا مت عطشانا فلا نزل القطر! ودون رؤية مستقبلية شاملة لوضع المياه توفيرا وحفاظا سنكون حتما في مأزق كبير. المشكلة ليست كما يتصور البعض في الاستهلاك الحضري وإنما في الاستهلاك الزراعي إذ يقدر بما يقارب 80 في المائة من مجموع المياه! هذا لا يعني عدم الاهتمام بتقليل الاستهلاك الحضري ولكن النظر للمشكلة من جميع الجوانب وبالتالي يتطلب مراجعة سياساتنا الزراعية والمفاضلة بين الأمن المائي والأمن الغذائي ولربما لن نحتاج للمفاضلة لو تم اختيار محاصيل قليلة الاستهلاك للماء أو التوجه نحو زيادة الثروة السمكية كمصدر اساس للغذاء او الاستثمار في دول أخرى مستقرة سياسيا واقتصاديا. من جانب آخر هناك ضرورة في صياغة استراتيجية عمرانية وسكانية تقلل من استقطاب السكان والتنمية في المدن الكبيرة ما يشكل عبئا كبيرا وتكلفة عالية في توفير المياه خاصة إذا ما تم استجلابها من خارج حدودها من على بعد مئات الكيلومترات.
لا يمكن النظر للماء كسلعة اجتماعية مثلها مثل الخبز والتعليم والصحة لأن ذلك سيؤدي إلى اختزالها كسلعة اقتصادية ضرورية للمجتمع وبالتالي يتم تقديمها بدعم حكومي إلا أن خفض سعرها سيؤدي إلى زيادة الاستهلاك الزراعي والصناعي والمدني عند مستويات كبيرة بل جائرة تقلل من منسوبها ووفرتها الطبيعية بعدم منحها الوقت الكافي لاسترجاع ما تفقده عبر الدورة الطبيعية وبالتدخل الإيجابي عبر مشاريع السدود والاستمطار. ولا شك أن تجربتنا زراعة القمح وهو محصول موسمي (غير دائم) تجربة أثرت سلبا في منسوب المياه ووفرتها. لقد تم التوسع في زراعة القمح للمستوى الذي تعدى الاكتفاء الذاتي للتصدير وهذا يعني أننا كنا نصدر مياهنا للخارج مع إننا في أمس الحاجة إليها! وصناعة الألبان هي الأخرى محل نظر فإنتاج كوب لبن واحد يتطلب استهلاك أربعة أكواب ماء أو ما يقاربها وهذا هدر كبير للثروة المائية يضاف إلى الاستهلاك الصناعي. هذا جميعه يجعلنا نقف على حافة الخطر دون إدراك لحجم المشكلة التي تزداد سوءا بتدرج خفي لا نحسه ولا نعلمه خاصة في ظل الاقتصاد الريعي الذي يمنحنا الرفاهية السهلة لتعمينا عن رؤية الأمور على حقيقتها والاستعداد لتحمل تبعات سياسات التقشف المائي التي تتمثل في رفع سعر الماء عند حدود الاستهلاك العليا. كما أن هناك حاجة إلى تطبيق سياسات صارمة على طرق الري الزراعي والاستخدام الصناعي والاستخدامات العامة - كما في المساجد والفنادق هذا إضافة إلى الحد من الاستهلاك الخاص في المسابح والحدائق المنزلية. لم يعد بإمكاننا احتمال هذا الهدر الكبير وغير المبرر في ظل تفاقم مشكلة شح المياه وبالتالي يتحتم رفع سعر الماء عند مستويات تؤدي إلى ترشيد الاستهلاك. المسألة هنا ليس من أجل تحصيل الأموال، ولكن للحد من الاستهلاك الجائر، فالحقيقة التي لا مناص منها أن الماء شحيح في بلدنا الصحراوي والوضع يزداد سوءا، ما ينبغي عمله هو استراتيجية صارمة ملزمة للجميع تحد من الإسراف في الماء. الاستراتيجية يجب أن ترتكز على إعادة الهيكلة الاقتصادية خاصة في قطاعي الزراعة والصناعة للتقليل من الاعتماد على الماء وليس مبادرات بسيطة وسطحية لا تتعدى الاستهلاك الآدمي الذي يمثل 20 في المائة فقط من مجموع ما يستهلك. الموضوع جاد ويستحق منا التفكير والجهد وتخصيص الموارد والنظرة المشتركة لمواجهة الخطر القادم وأتمنى ألا يكون داهما. وهنا يقترح أن يكون موضوع المياه أحد موضوعات الحوارات الوطنية للخروج برؤية موحدة لما يجب عمله يشارك فيه الجميع لأن قضية شح المياه قضية تمس الجميع دون استثناء وذات حساسية عالية تتعلق بالمصلحة العليا للوطن. في الوقت ذاته يفترض أن تقدم وزارتيا المياه والاقتصاد والتخطيط استراتيجية للـ 30 عاما المقبلة تشمل أساليب التقليل من الطلب على المياه بجميع أنواعه وتسهم بإعادة التوازن لمنسوب المياه الطبيعية. الحفاظ على الماء لم يعد اختيارا بل خيارا استراتيجيا لا مناص منه من أجل الوطن، فالمسألة تتعلق بأن نكون أو لا نكون!