رسالة من السويد (4) ما يجمع السعودية والسويد وما يفرقهما
تنطلق المبادرة السويدية من نظرة «الإيواء» التي تنتهجها الدولة في التعامل مع جميع مواطنيها، بغض النظر عن ديانتهم وأصلهم ولغتهم وتقاليدهم وسننهم، وانطلاقا من هذه المبادرة تقوم الدولة بتعريف مواطنيها بحقوقهم وواجباتهم تجاه الآخرين ولا سيما الأقليات والمجموعات البشرية التي غالبا ما تكون عرضة لسوء الفهم والاضطهاد.
ولليهود حيز لا بأس به ضمن نشاطات الدولة في هذا الاتجاه رغم أن عددهم لا يتجاوز 20 ألف فرد في السويد نظرا لما تعرضوا له في الغرب «المسيحي» من اضطهاد فظيع بلغ الأوج في أوروبا بين عام 1933- 1945.
في هذه الفترة والتي لا تزال عالقة في ذاكرة الملايين من البشر الأحياء، طبق الغرب «المسيحي» أو جزء منه منهج الاحتواء بأقبح وأشنع صورة عرفها الإنسان إذ جرى ذبح وحرق الملايين من اليهود والغجر والمجريين وآخرين وهم أحياء، وتعرف هذه الكارثة البشرية الهائلة بالمحرقة.
والسويد لا تألو جهدا في تعريف شعبها بهذه الكارثة وكيفية تجنب الكراهية المقيتة التي أدت إليها، وضمن سلسلة «التاريخ الحي» التي تضطلع بها وزارة الثقافة، هناك كتاب يقرأه تلاميذ المدارس عن المحرقة، وأغلب الظن أن هناك مطبوعات مدرسية مشابهة في معظم الدول الأوروبية، بيد أن السويد تنفق الميزانية الهائلة التي تخصصها لوزارة الثقافة التي بلغت في عام 2008 نحو ثمانية مليارات كرون (أكثر من مليار دولار) كي تؤوي الجميع وليس اليهود فقط رغم مأساتهم الفظيعة. وسنتناول بعون الله تعالى موضوع الثقافة في السويد في رسالة مستقلة، ولكن ما أود أن تعرفه عزيزي القارئ أن هذه الوزارة لا تشبه لا من قريب ولا من بعيد وزارات الثقافة والإعلام في الوطن العربي.
وزارة الثقافة السويدية هدفها تنوير الشعب السويدي بثقافته القومية المتنوعة أولا وثقافات وديانات وآداب الشعوب الأخرى ولاسيما الممثلة في السويد ثانيا. ولهذا ترى الفرد السويدي أغزر علما وأكثر معرفة وأوسع اطلاعا من الفرنسي والأمريكي والبريطاني والروسي وكل الشعوب الغربية الأخرى عندما يتعلق الأمر بالمسائل التي تخص العالم الخارجي.
والتنوير لا يعني الجلوس والنظر إلى التاريخ والعالم من نافذة واحدة فقط، ولنأخذ ما يصطلح عليه في الغرب «ثقافة المحرقة» كمثال.
بعد أكثر من نصف قرن على هذه الفاجعة الإنسانية، أخذ الغرب «المسيحي» يعمل على احتوائها، قد تقول، هذا مستحيل، كيف يصح ذلك؟
نعم، هذا ما يحدث بالفعل في معظم الدول الأوروبية فيما عدا السويد. المهم الآن ألا تنكر حدوث المحرقة أو تشكك في أرقامها، وسيلاحقك الويل والثبور إن فعلت، ولكن إن قتلت مئات الآلاف من الأبرياء وربما أكثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فذلك من «ثقافة المحرقة» براء.
كم من الأبرياء قتلوا ويقتلون في العراق وأفغانستان وججنيا وفلسطين وأماكن أخرى كثيرة من العالم، والفاعلون يسرحون ويمرحون، وكم من عالم أو سياسي أو رجل دين وضع وراء القضبان أو أهين أو فضح لمجرد أنه شكك في إحصائيات المحرقة. هذا موضوع حساس وقد يقول القارئ: «ما لنا وهذا؟».
أقول، في مناقشة أي مسألة تخص عالمنا والعالم من حولنا تكون معلوماتنا ناقصة لو عشنا في غرفة ذو أبعاد أربعة ولنا نافذة صغيرة في واحد من الجدران الأربعة فقط.
السويد تبذل الغالي والرخيص من أجل فتح أكبر عدد ممكن من النوافذ لشعبها كي تؤويه أولا وتمكنه من إيواء الآخر ثانيا. النظر من عدة نوافذ خاصية سويدية تقودوها وزارة الثقافة بنشاط وهمّة، وأثمرت ثمارا طيبة.
فبجانب كتاب المحرقة، يقرأ التلاميذ في السويد كتبا أخرى، منها، على سبيل المثال لا الحصر، مطبوعات عن مأساة الشعب الفلسطيني والإسلام ومبادئه التي تدعو إلى الإخاء والسلام وقبول الآخر والإيواء والحسنة والفضيلة ورفض الربا والغش والكذب والحيلة .. الخ.
وإذا جادلت طالبا جامعيا في السويد، سترى أنه يملك كما هائلا من المعلومات عن عالمه الخارجي، وإن تحدثت معه عن المحرقة، لا تستغرب إن بادرك بالقول إن تاريخ العالم العربي الإسلامي بريء من ممارسات شنيعة كهذه، وبينما كان الغربيون يحرقون الملايين من اليهود وهم أحياء كان بعض اليهود وزراء وأصحاب مناصب رفيعة في العالم العربي.
وأشد ما أثار دهشتي طالب سويدي عندما قال في حلقة دراسية عن الإعلام والحضارة إن إحدى الحكومات في العراق، البلد العربي المسلم، كان فيها خمسة وزراء يهود عراقيون قبل عما 1948.
والنظر من نوافذ عدة هو ما يميز التفوق السويدي في مجمل نواحي الحياة، الكل يسعى إلى فتح نافذة في الجدار ليس فقط وزارة الثقافة.
هناك الجمعية السويدية الإنسانية ومن أهم منشوراتها باللغة السويدية كتاب عن الفايكنك والرحالة العرب المسلمون، وهذا الكتاب يقرأه معظم التلاميذ بشوق كبير لما يحتويه من قصص حقيقية تظهر كم كان العرب المسلمون متمدنون مقارنة بأجدادهم من الفايكنك، وسأتناول ذلك في رسالة منفردة، إن شاء الله.
وتوجت السويد سياستها الإيوائية عندما أقدمت وزارة الخارجية في عام 2002 بطبع كتاب لتعريف مواطنيها بالوجه الحضاري والإنساني للإسلام بمئات الآلاف من النسخ وتوزيعه على المدارس شأنه شأن كتاب المحرقة. حدث هذا بينما كان بقية الغرب «المسيحي» يشرّع قوانين باسم مكافحة الإرهاب للتضييق على المسلمين. وأعدك قارئي العزيز بالحديث وبإسهاب عن هذه المبادرة السويدية أيضا.
وهكذا ترى أنه لنا الكثير مما سنتحدث عنه ونحن نحاول استكشاف هذا البلد الجميل.
أستاذ اللغة والإعلام
جامعة يونشوبنك ـ السويد