الدوائر العلمية .. لماذا لا ينتج البحث العلمي العربي؟ (3)
وصلت بنا سفينة النقاش في المقال السابق إلى قضية الثورات العلمية ورست عند السؤال: لماذا لا يستطيع الباحث العربي إنتاج ثورة علمية؟ بداية كيف نفهم الثورة العلمية وكيف نميزها عن العلم العادي وذلك كما شرحها ''كون'' KUHN في كتابه الشهير ''بنية الثورات العلمية'' The Structure of Scientific Revolutions . لتوضيح ذلك سنعود إلى ما قبل عام 1929م عندما سادت النظرية الرأسمالية الكلاسيكية والتي آمنت تماما بقانون ''ساي'' الذي يقول إن الاقتصاد يحقق توازنه في ظل العمالة الكاملة ومنها ينتج طلب قادر على تغطية العرض الكلي. كانت النظرية الكلاسيكية مسيطرة تماما وبدت كاملة، وكان معظم الكتاب والباحثين يقدمون تفسيراتهم وخبراتهم واستشاراتهم وفقا لما تمليه تلك النظرية. أي أنها وصلت إلى مرحلة العلم السائد أو العادي Normal Sceince وفقا لفلسفة ''كون'' حتى إن كتاب مارشال ''مبادئ علم الاقتصاد'' عُد أهم كتاب جامعي قدم أفكار تلك النظرية ورسم لها مدرستها. كان من الصعب على أي باحث أن تقبل أعماله إذا ما خالفت النظرية الكلاسيكية.
لكن ذلك لم يكن يعني أنها لم تعان من مشكلات وظواهر لم تستطع تفسيرها بل كان في مقدمة تلك المشكلات الفروق بين أجور العمال وما تمنحه من مزايا معيشية وتلك العوائد التي يحققها الرأسماليون أرباب الأعمال. عدم قدرتها على التفسير تسببت في ظهور الاشتراكية. لم تكن مشكلات النظرية في صعوبة تفسير بعض الظواهر التي صاحبتها فقط بل حتى في التنبؤ بالظواهر الجديدة وإيجاد تفسيرات مقبولة لها، ومن ذلك أخطر ما واجهته النظرية الرأسمالية الكلاسيكية على الإطلاق ''إنه الكساد''. كانت النظرية تصر على أن الاقتصاد يستطيع التوازن من تلقاء نفسه وكان من أشهر عبارات ذلك العصر ''دعه يعمل''. عندما وقع الكساد الكبير بعد انهيار أسواق المال عام 1929 كان التزام الصمت هو موقف منظرو النظرية الاقتصادية الكلاسيكية بل تعدى ذلك إلى المطالبة بعدم التدخل، فالاقتصاد قادر على تصحيح ذاته والكساد يجب أن يترك حتى ينتهي. كان هذا عندهم هو الحل ببساطة وكان في هذا أفضل تفسيراتهم. يجب ألا يفهم مما سبق أنه لم يوجد باحثون حول العالم يفكرون بخلاف ما تمليه النظرية الكلاسيكية بل لقد ظهرت عدة أبحاث أفرزت نتائج عكس فروض النظرية السائدة لكن مثل تلك القراءات والنتائج تقابل عادة بعاصفة من السخرية وكان الشك دائما في الباحثين وفي مستواهم العلمي. كان بقدرة العلماء الذين يمثلون التيار الرئيس للنظرية رفض أي نتائج تخالفهم وكان في قدرتهم أيضا تقديم تفسيرات للظواهر الشاذة وإيجاد فروض بديلة. ويمكن وصف النظريات الأخرى المهمة بنظريات الظل والتي تشبه إلى حد بعيد حكومة الظل في البرلمان البريطاني. فلم تكن في حاجة إلى أكثر من أزمة حقيقية تفشل نظرية التيار الرئيس في تفسيرها بينما تستطيع هي ذلك وقد وجدتها في الكساد.
عندما فشلت النظرية الكلاسيكية في التنبؤ بالكساد أولا ثم في تفسيره وتقديم الحلول الناجعة له إضافة إلى التراكم المستمر للأبحاث التي تقدم نتائج تخالف النظرية بدأ الشك يصل إلى جوهر النظرية نفسها. وعندما هدأت أصوات علماء التيار الرئيس في ذروة أزمة الكساد لم يبق بالطبع إلا الأصوات الجديدة التي تمثل التيار الحديث وهناك فقط قرر العالم أن يستمع إلى ذلك القادم والمتحدي الذي يصر بأن لديه القدرة على تفسير كل الظواهر التي فسرتها النظرية الكلاسيكية علاوة على تفسير الكساد وتقديم الحل الناجع له. كان أبرز المتحدثين لهذا التيار الجديد ''جون ماينارد كنز''. وكما قلت كانت النظرية الجديدة موجودة بالفعل ولكن سيطرة التيار القديم على منافذ العلم ومؤسساته بل حتى على الفكر السياسي وقراراته جعلت من الصعوبة على أصحاب الفكر الجديد المنافسة بقوة. كانت النظرية الجديدة بحاجة إلى أزمة. أزمة تعصف بالنظرية القديمة وتطيح بها.
رأى كينز أن الاقتصاد الحديث قد يجد توازنه في وجود البطالة وهو ما سماه بتوازن العمالة الناقصة ولذلك فإن على الحكومة الإنفاق من أجل دعم الطلب وكان في ذلك قضاء للنظرية الكلاسيكية وبداية عصر الثورة (الكينزية). لكن الأزمة لم تكن وحدها تكفي لتحل النظرية الجديدة محل النظرية القديمة بل كانت بحاجة إلى الدعم السياسي وهو ما قدمه روزفلت رئيس الولايات الأمريكية آنذاك. ففي مقالة مشهورة جدا لكنز بعنوان (خطاب مفتوح إلى الرئيس) قدم فيها كنز توضيحات لفكره ثم تبع ذلك اجتماعا مع روزفلت دافع فيه عن وجهة نظره ثم عاد ونشر كتابة الشهير (النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود). استطاعت الثورة الكنزية حل مشكلة الكساد ولم يعد العلم بعدها كما كان قبلها لم يعد أحد يجرؤ على الكتابة وفقا للتيار القديم فلم يكن هناك من يقرأ له. وبمرور الوقت تحولت الثورة إلى التيار الرئيس وأصبحت تمثل العلم السائد أو العادي.
ليس المقصود من هذا السرد شرح تاريخ النظرية الاقتصادية بل مجرد مثال على الثورات العلمية وطريقة نشوئها. مثل تلك الثورات نجدها في الفيزياء والكيمياء والطب. القضية الأهم هي ما قدمه الشرح السابق – وإن كنت أسهبت فيه – من إجابة عن السؤال المهم لماذا لا يمكننا – كباحثين عرب في الجامعات العربية - إنتاج الثورات العلمية. إننا نعمل في أطراف النظريات ودوائرها الخارجية بعيدا عن الجوهر، نعم نستطيع وبكل جدارة أن نقدم الجديد ضمن التيار الرئيس – وهو بالطبع جديد غير مؤثر - لكن من الصعب علينا إقناع العالم بثورة علمية تنشأ من جامعاتنا. لن نستطيع ذلك طالما أن هناك شكا (له ما يبرره) في تدريب الباحث العربي وفي أدواته ومستويات الدعم التي يحصل عليها (بشقيها المالي والسياسي). وفي هذا أقدم سؤالا مهما جدا ولعله يفسر كثيرا من علامات الاستفهام التي تركتها سابقا دون إجابات حاسمة حتى الآن. هل تعتبر المصرفية الإسلامية بظهورها الحديث ثورة علمية؟ وهل هذه الثورة العلمية نتاج الباحث العربي ومؤسساته؟ حتى هذا السؤال أعتقد أنني استهلكت المساحة التي منحت لي كافة لأترك الإجابة عنه وعن فكرة الدوائر العلمية وماذا علينا أن نفعل لنحقق ثورة علمية إلى المقال القادم ـ بإذن الله.