قراءة في توقعات النفط العالمية لمنظمة «أوبك» 2009

2009 OPEC World Oil Outlook

في الثامن من الشهر الجاري قامت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» بنشر توقعات النفط العالمية لعام 2030 للسنة الحالية 2009 OPEC World Oil Outlook. هذا وركزت توقعات المنظمة على التحديات المختلفة التي تجابه أسوق النفط العالمية على المديين المتوسط والبعيد، بما فيها عدم اليقين من الطلب على النفط، ارتفاع تكاليف الإنتاج، العمالة، وسياسات الدول الصناعية الكبرى بخصوص الأنظمة البيئية وبدائل الطاقة.
إن توقعات «أوبك» العالمية للنفط كانت قد نشرت لأول مرة عام 2007، وهي عبارة عن استعراض وتحليل سنوي معمق لسيناريوهات مختلفة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل للتطورات المحتملة للصناعة النفطية حتى عام 2030، تغطي كلا من الصناعة الاستخراجية والصناعة التحويلية. وتعد هذه النشرة المهمة أداة مرجعية تقدم تحليلات لعدد كبير من القضايا الرئيسية الحساسة للصناعة النفطية، مثل العرض والطلب، الاستثمارات، التكاليف، سياسات الطاقة والبيئة.
لقد أشارت الدراسة الحالية إلى أن السنة التي مرت بين نشر طبعة عام 2008 من هذه التوقعات ووضع الصيغة النهائية لهذا العام كانت سنة من التقلبات في أسواق النفط العالمية لم يسبق لها مثيل من قبل، حيث إن أسعار النفط قد تذبذبت بصورة كبيرة خلالها: حيث ارتفعت أسعار النفط لسلة أوبك من 92 دولارا أمريكيا للبرميل في بداية 2008 إلى مستوى قياسي بلغ 141 دولارا أمريكيا للبرميل في مطلع تموز (يوليو) الماضي قبل أن يهبط إلى 33 دولارا أمريكيا للبرميل بحلول نهاية السنة، وهو أدنى مستوى منذ صيف عام 2004. وبينت الدراسة إلى أن العامل الرئيسي وراء هذا الانهيار في أسعار النفط، كانت الأزمة المالية العالمية التي نشأت في الولايات المتحدة، وما تلاها من ركود كبير في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وتباطؤ حاد في النشاط الاقتصادي للبلدان النامية، حيث أدت هذه إلى انخفاض الطلب على النفط وتراجع كبير في الأسعار.
الافتراضات التي اعتمدت في تقرير المنظمة الحالي لتحقيق النمو الاقتصادي العالمي في الأجلين المتوسط والطويل، أخذت في الاعتبار عمق وطول فترة الانكماش الاقتصادي العالمي الحالي. ويشير التقرير بهذا الصدد إلى الدروس المستفادة من تجارب الركود السابقة في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والآثار المحتملة المترتبة على استجابة الحكومات والمؤسسات المالية في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما من حيث السياسات التوسعية وتخفيف القيود النقدية. ويتوقع التقرير أن يكون الانتعاش الاقتصادي على شكل U، أي أن انتعاش الاقتصاد العالمي من المتوقع أن يكون تدريجيا، وأن عام 2009 سيمثل نهاية فترة الكساد وبحلول عام 2012 سيعود النمو الاقتصادي العالمي إلى معدلاته الطبيعية السابقة، حسبما ذكر التقرير. أما على المدى البعيد افتراضات النمو الاقتصادي العالمي للتقرير تستند إلى توقعات النمو السكاني وإلى نمو الإنتاجية, حيث يفترض التقرير متوسط معدل النمو العالمي السنوي هو في حدود 3 في المائة على مدى الفترة 2009- 2030.
وتوقعت الدراسة بأن الطلب العالمي على النفط سيرتفع بشكل أبطأ بكثير مما كان متوقعا سابقا في الأجلين المتوسط والطويل، الإمدادات أيضا ستكون أقل. في المدى المتوسط، الاستهلاك العالمي للنفط سينخفض إلى 84.2 مليون برميل يوميا هذا العام من 85.6 مليون برميل يوميا في العام الماضي، ثم يرتفع بعد ذلك إلى 87.9 مليون برميل يوميا بحلول عام 2013، أي بنحو 5.7 مليون برميل يوميا أقل مما كان متوقعا في العام الماضي. أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا من الانخفاض المتوقع في الطلب قد تحقق فعلا حتى الآن، حسبما أشار التقرير. إن الارتفاع الكبير في أسعار النفط عام 2008 بلا شك أدى إلى خفض نسبي في الطلب على النفط، وكان لهذا العامل أثر في توقعات الطلب على المدى القصير، حسبما ذكر التقرير.
في المدى الطويل، على الرغم من التباطؤ الحالي للاقتصاد العالمي، تتوقع «أوبك» الاستهلاك العالمي سيصل إلى 105.6 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030، من نحو 86 مليون برميل يوميا خلال عام 2008. في العام الماضي كانت «أوبك» تتوقع الطلب العالمي على النفط سيكون في حدود 113 مليون برميل يوميا في عام 2030. هنا تجدر الإشارة إلى أن في السنوات الأخيرة كل الوكالات الرئيسية التي ترصد أسواق الطاقة - أوبك، وكالة الطاقة الدولية في باريس وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية ـ جميعها قلصت توقعاتها طويلة الأجل للطلب العالمي على النفط. أنواع وقود النقل المختلفة ستظل المصدر الرئيسي لنمو الطلب العالمي على النفط في المستقبل، تقول منظمة «أوبك»، حيث إنها ستكون مسؤولة عن 60 في المائة، أو 12 مليون برميل يوميا من الزيادة المتوقعة في الطلب.
أما بخصوص العرض، فيفترض التقرير أن إمدادات النفط من الدول خارج منظمة «أوبك» من المتوقع أن تستمر في الارتفاع بشكل طفيف على المدى المتوسط، حيث من المتوقع أن تزداد بأكثر قليلا من مليون برميل للسنوات 2008- 2013، تأتي هذه الزيادة بصورة أساسية من مصادر النفط غير التقليدية. بينما إمدادات النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي من الدول غير الأعضاء في أوبك، من المتوقع أن تبقى ثابتا على مدى هذه الفترة، حيث من المتوقع أن تكون في عام 2013 أقل من توقعات العام الماضي بحدود ثلاثة ملايين برميل في اليوم. هذا الانخفاض في الإمدادات إلى حد كبير نتيجة لانخفاض أسعار النفط مما أدى إلى إلغاء أو تأجيل عدد من المشاريع، حيث إن تمويل المشاريع أصبح أكثر صعوبة، كما أن انخفاض الواردات أدى إلى تقليل قابلية الشركات على تمويل المشاريع الجديدة، حسبما ذكر التقرير. كذلك تشير التوقعات إلى أن الطلب على نفط منظمة «أوبك» انخفض عام 2009، نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، بعد ذلك من المتوقع أن يرتفع بصورة تدريجية ليعود إلى مستويات عام 2008 بحلول 2013. مع ذلك تقوم المنظمة حاليا باستثمارات كبيرة لزيادة طاقتها الإنتاجية. لكن انخفاض أسعار النفط قد يؤدي إلى تأخير أو حتى تأجيل بعض هذه الاستثمارات بعد 2013. مع ذلك الطاقات الإنتاجية الاحتياطية للمنظمة من المتوقع أن تبقى عند مستويات مرتفعة، حسب القرير.
كما بينت توقعات «أوبك» أن انخفاض أسعار النفط خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان لها أثر كبير في الصناعة النفطية لأن هذه الأسعار المنخفضة لا تشجع على الاستثمار وبناء الطاقات بما فيها الطاقات البشرية المؤهلة. نتيجة لذلك، في بداية هذا القرن، كانت الصناعة النفطية غير مؤهلة بالكامل لاستيعاب الزيادة غير المتوقعة في الطلب على النفط نتيجة للنمو الاقتصادي العالمي الكبير في تلك الفترة، الذي فاق الاتجاه العام للنمو.
بينت النتائج أيضا تزايد الاعتماد المتبادل بين مختلف الأطراف في مجال الطاقة، ما يتطلب عملية حوار بناء وفاعل بين الجميع، مع التركيز على احتياجات ومسؤوليات كل من المنتجين والمستهلكين للنفط، المصدرين والمستوردين، البلدان المتقدمة والبلدان النامية على حد سواء.
كما تناول التقرير موضوعات مهمة أخرى مثل سياسات الدول الصناعية الكبرى في مجال الطاقة والبيئة، التحديات التي تواجه الصناعة النفطية، التوقعات المستقبلية بخصوص الصناعة التحويلية، الطاقات الجديدة والمتجددة، وغيرها. سنتطرق لها في المستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي