تراجع مستويات الائتمان المقدم للقطاع الخاص في المملكة

تؤدي الأزمات بوجه عام إلى رفع مستويات المخاطر، ولقد دفعت الأزمة المالية العالمية إلى إعادة النظر في مستوى المخاطر التي تواجهها المصارف والمؤسسات والأسواق المالية. وأدى ارتفاع مستويات المخاطر إلى ارتفاع مستويات الحذر لدى المؤسسات المالية وخصوصاً المصارف. وازدادت شكوك المصارف تجاه بعضها بعضا مما نتج عنه تراجع كبير في مستويات الثقة فيما بينها وقاد بالتالي إلى انخفاض الإقراض بين المصارف. وكان العامل الأساسي وراء تراجع الثقة انتشار منتجات الأصول الأمريكية العقارية السامة بين المصارف التجارية على مستوى العالم. ولا تصرح المصارف عادةً بنوع الأصول المملوك لديها وخصوصاً إذا كانت هذه الأصول مرتبطة بشكل أو بآخر بالمنتجات الأمريكية عالية المخاطر. ولم يساعد الركود الاقتصادي العالمي على الحد من ارتفاع مخاطر تقديم الائتمان بل دفع إلى زيادتها لكل من الأفراد والمؤسسات. فقد قاد الركود الاقتصادي إلى ارتفاع مخاطر تعرض العمالة إلى البطالة ورفع مستويات مخاطر إقراض الأفراد. وقاد تراجع مستويات النشاط الاقتصادي إلى تراجع الربحية في المؤسسات الإنتاجية والمالية ورفع من مخاطر إقراض المؤسسات. ويضاف إلى ذلك التراجع الكبير في قيمة الأصول المالية والعقارية والذي نتج عنه انخفاض الملاءة المالية وارتفاع معدلات إفلاس الإفراد والمؤسسات الإنتاجية والمالية. ونتج عن هذه العوامل ارتفاع كبير في مخاطر منح الائتمان مما ألغى إلى حد كبير آثار جهود المصارف المركزية لتحفيز الإقراض بما في ذلك خفض معدلات الخصم والتي أصبحت قريبة من الصفر.
ويشتكي جزء كبير من الأعمال في المملكة من تراجع مستويات الائتمان المقدم من المصارف التجارية. وتصدق هذه الشكوى بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي التي تشير إلى تراجع حجم القروض والسلف والسحوبات على المكشوف المقدمة من المصارف إلى القطاع الخاص من 714.2 مليار ريال سعودي ( وهو أعلى مستوى بلغته) في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2008م إلى 694.1 مليار في أيار (مايو) عام 2009م. والتراجع يدل بشكل واضح على أن الائتمان الجديد المقدم من المصارف يقل عن تسديدات القطاع الخاص وهو ما يعني انكماشا في الائتمان خلال الأشهر الستة المنتهية في شهر أيار (مايو) الماضي. ومع أن أزمة الائتمان تأخرت قليلاً في التأثير في السوق المحلية إلا أن المملكة ليست بمعزل عن العالم بل تتأثر بالعوامل التي تؤثر في العالم نفسها. والمملكة من أقل دول العالم تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية إلا أن هذا لا يعني انعدام تأثير هذه الأزمة فينا، ومن يدعي ذلك فهو يخادع نفسه والآخرين. ونتج عن تراجع قيم الأصول المالية والعقارية الخارجية والمحلية والخليجية التي يملكها مستثمرون سعوديون تراجع قدرة المقترضين أفرادا ومؤسسات على الوفاء بالتزاماتهم إلى المصارف المحلية بما في ذلك كبار المستثمرين. وقد أدت هذه الأحداث إلى رفع مستويات الحذر لدى المصارف المحلية وهو ما يعني ارتفاع مستويات المخاطر التي تراها المصارف التجارية. وقد أسهم حذر المصارف العالمية من إقراض بعضها بعضا إلى تراجع مستويات الائتمان على المستوى العالمي والذي زاد من حالة انكماش الائتمان التي يواجهها القطاع الخاص المحلي. ولا يستطيع أي مصرف سعودي منح القروض الكبيرة بسبب صغر رؤوس أموال المصارف المحلية ولذا ترتفع الحاجة إلى الاقتراض من المصارف العالمية الكبرى. فقرض مثل القرض الممنوح لشركة الكهرباء والذي تتجاوز قيمته أربعة مليارات دولار (أو 15 مليار ريال) يحتاج إلى مصارف عالمية لتوفيره. ولا يستطيع أي مصرف سعودي حسب نظام المصارف منح هذا القرض لأن رؤوس أموال المصارف السعودية منخفضة مقارنة بحجم هذا القرض وتعادل قيمة القرض رأسمال أكبر المصارف السعودية. وقد منح بنك الصادرات الأمريكي هذا القرض لأنه مصرف حكومي ويمنح هذا النوع من القروض للمساهمة في تحفيز الاقتصاد الأمريكي. فهذا القرض سيعود بعوائد كبيرة على الاقتصاد الأمريكي وسيتولد عنه نشاط اقتصادي مضاعف قد يصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف قيمته. وتتجنب المصارف السعودية منح قروض طويلة الأجل لكون معظم الموارد المتوافرة لديها قصيرة الأجل. وأثبتت الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج والعالم أن منح قروض كبيرة نسبياً يعرض المصارف إلى مخاطر كبيرة، ولهذا فعلى المؤسسات الإنتاجية الكبيرة البحث عن الائتمان في الأسواق العالمية التي تعاني أيضاً من أزمة ائتمان.
وتحاول المصارف المركزية حول العالم الحد من تكاليف الائتمان عن طريق خفض معدلات الفائدة وتوفير سيولة بتكاليف منخفضة للمصارف التجارية. ولكن ارتفاع مستوى المخاطر التي تراها المصارف التجارية يجعلها مترددة في منح الائتمان وخصوصاً القروض الكبيرة طويلة الأجل. وتدرك المصارف المركزية أهمية توفير السيولة للقطاعات الإنتاجية لتيسير عود النشاط الاقتصادي إلى مستوياته المعهودة ولكنها لا تستطيع إجبار المصارف التجارية على منح الائتمان للمؤسسات الإنتاجية. فقرارات منح الائتمان متروكة للمصارف التجارية لأن عليها مسؤولية تحمل نتائج هذه القرارات. وقد أدى التراجع الكبير في أرباح القطاعات الإنتاجية وإفلاس بعض المستثمرين والخوف من تزايد حالات الإفلاس إلى ارتفاع مخاطر الإقراض للقطاع الخاص. ومن شبه المؤكد أن تؤدي الأزمة المالية العالمية إلى تغيرات هيكلية في أسواق الائتمان وخصوصاً في ظل استمرار الركود العالمي. وعموماً تتصف سياسة مؤسسة النقد العربي السعودي والمصارف التجارية العاملة في المملكة بالحذر الشديد، لهذا فإن ظهور بوادر ارتفاع مخاطر الائتمان أدى إلى تراجع مستوياته وارتفاع تكاليفه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي