جدار الأدب مليء بثقوب الترجمة دون محاسبة
الترجمة نافذة تسمح لنا بتجاوز اللغة لنكمل تواصلا يعبر بالإبداع إلى خانات لا تعترف بحدود . هذه النافذة هي أفضل انطلاقة للتعارف الثقافي، لكنها كذلك قد تعطي صورة مغلوطة إذا كان باستطاعة أي أحد فتح هذه النافذة دون مساءلة أو تقييم أو ترشيح، ويبدو أنه في غياب (الترشيح) الرسمي لمن يستحق أصبح الجدار مليئا بالفتحات والنوافذ بعضها كان ذا إطلاقة مشرقة ومشرفة وبعضها نقل ضجيجا دعائيا لم تخلق الوسيلة الناجحة لخفض صوته ..
عبد الله زايد، وطاهر الزهراني سمحا لـ «الاقتصادية» بالاقتراب ومشاركتهما مغامرة الترجمة التي خاضاها منفردين بعيدا عن الدعم المؤسساتي.
يبدأ زايد بالحديث عن الغياب الرسمي في ترشيح الأعمال والذي أدى إلى خوض تجربته: غياب المؤسسات الرسمية في الوطن العربي عن دعم الأعمال الأدبية وترجمتها ملاحظ ومعروف، ولا ينحصر في بلاد دون أخرى، بل إنها تكاد تكون ظاهرة تشمل الجميع، وهذا الغياب هو الذي جعل الأديب يقوم بمحاولة للتواصل مع دور نشر غير عربية يقدم لها إنتاجه الأدبي لعلها تقنع بجودته الأدبية وتتبناه ومن ثم تقوم بترجمته إلى لغات أخرى غير العربية، وقد ساعدت شبكة الإنترنت كثيرا من الأدباء العرب في التواصل مع مثل هذه الدور وأنا واحد منهم، وفي الحقيقة يجد الأديب العربي وتحديدا السعودي، إجحافا كبيرا جدا في مسألة الترجمة بل إنه يقدم تنازلات كبيرة تتعلق بالحقوق المالية. قد يقوم بعض الأدباء بدفع مبالغ مالية لترجمة أعمالهم الأدبية، وكما يقال من الذي يستنكر؟ ألم يقم عدد من الأدباء العرب وخاصة الخليجيين وأكثر خصوصية السعوديون في الماضي القريب بدفع مبالغ مالية لدور نشر في لبنان ومصر لتقوم بطبع ونشر أعمالهم الأدبية باللغة العربية، بل إن هناك عددا من الأدباء الخليجيين اعترفوا بأنهم يدفعون من أجل النشر! إذن ما وجه الغرابة في أن يقوم البعض بالدفع لترجمة أعماله الأدبية، في ظني أن التساؤل الحقيقي هو عن سبب مثل هذا التوجه، بمعنى لماذا في الماضي القريب لجأ المؤلفون السعوديون للدفع لدور نشر عربية لنشر أعمالهم؟ ولماذا هم أنفسهم يلجأون اليوم للدفع لدور نشر أجنبية لترجمة أعمالهم؟ أعتقد أن الإجابة ببساطة عن مثل هذه التساؤلات هو الغياب الواضح من المؤسسات الثقافية الرسمية في دعم وتشجيع حركة التأليف والنشر بصفة عامة، أما في مجال الترجمة على وجه الخصوص فمع الأسف إذا حدثت فهي تصب في مصلحة فئات محددة لها علاقات قوية مع مثل هذه المؤسسات وبالتالي فهي لا تضمن ترجمة أعمالها الأدبية وحسب وإنما تضمن حتى تواجدها في المحافل الخارجية التي تقوم هذه الجهات الرسمية بتمثيل الوطن فيها، مع الأسف لا توجد آلية محددة أو شروط ومواصفات ورجال أدب ومتخصصون وأكاديميون مشهود لهم بالنزاهة والعمل الطويل في مجال الأدب، ليقوموا بدور في ترشيح الأعمال الأدبية التي تستحق الاهتمام والرعاية. ويعبر الزهراني عن فرحه بأي منجز عربي مترجم: (لابد أن نفرح إذا ترجم أي عملٍ إبداعي لأي كاتب سواءً على المستوى المحلي أو العربي، وأن نحرص على مواصلة الجهود في إخراج مزيد من الأعمال الأدبية لأن في ذلك إثراء للإنتاج المحلي والعربي في آن واحد، وإذا كان هناك إثراء لابد أن نجد من الأعمال ما هو جديرٌ بالترجمة، وبالتالي نستطيع أن نتواصل مع ثقافات الأمم الأخرى وأعتقد أن هذا أفضل من رمي التهم على المبدعين وإصدارتهم وكثرة الجدل حول ما يستحق وما لا يستحق وما حدث من جدل سقيم حول رواية (عزازيل) ليوسف زيدان ليس عنا ببعيد). ويضيف الزهراني عن تجربته الشخصية وكيف عرض عليه ترجمة روايته: في آذار (مارس) عام 2007 صدرت روايتي الثالثة (جانجي) وما ميزها عن أخواتها أنها وجدت ناشراً جيداً استطاع أن ينشر العمل على نطاقٍ واسع، بعد خمسة أشهر من صدورها أخبرني الدكتور أبو بكر باقادر برغبته على ترجمة العمل، فاستأذن مني شخصيا واستأذن من دار النشر، ثم انقطعت أخبار الترجمة .وفي بداية هذا العام صدرت النسخة الإنجليزية، فرحت بها كثيراً أشد من فرحي بالنسخة العربية، ولكن لم تترجم، وما السبب؟ وهل يستحق وغير ذلك؟ أعتقد أن الإجابة ستكون عند المترجم).
وعن استخدام الترجمة كأداة ترويج للكاتب بأن منتجه الأدبي مطلوب ومتجاوز المحلية يتفق الضيفان على كونها - الترجمة - فاشلة كأداة دعائية. ويقول الزهراني مستعجبا من هذا الأمر: (قد يضع الكاتب حيلاً شتى لنشر عمله وقد يروج له بشكل بشع أحياناً، لكن أن يترجم ليبين لنا مدى نجاح عمله فأعتقد أن مثل هذا لا يقدم عليه إلا إنسان أحمق، لأن العمل المترجم مهما كانت براعة المترجم لن يضاهي العمل الذي كتب باللغة الأصل لأن الأصل هو الأجمل وهذا متفق عليه عند أهل الفن، وإذا كان العمل ضعيفاً سيكون بعد الترجمة أضعف بلا شك ولو ترجم إلى لغات الدنيا كلها) بينما يؤكد زايد ثقته بالعمل الجيد وصموده مهما اختلفت طرق الترويج المستخدمة: (سواء أقدم مؤلف على أن يدفع من أجل أن ينشر كتابه باللغة العربية أو أن ينشره بلغة أخرى، فليس أمامه مجال للانتشار وتقبل القراء له إذا لم يكن مبدعا وإنتاجه متميز، أريد أن أوضح نقطة مهمة تتعلق بالتأليف والنشر، وهي ببساطة عملية لا تخضع لمعايير محددة بمعنى لا يمكن أن تدعم مؤلفا وتقول إنه مبدع ومتميز إذا لم يقبل القراء عليه ويكونون هم أساس نجاحه وتفوقه، في مجال التأليف والنشر ليست هناك محسوبيات أو واسطات، المتميز سواء دفع من جيبه أو لم يدفع سيجد النجاح حتى ولو أنكره الجميع من زملائه في مجال التأليف، وإذا افترضنا أن أحد النقاد قام بمجاملة أحد المؤلفين، فكتب موشحات مديح لمنتجه الأدبي – وهذا حدث - وبناء على مثل هذه الشهادة النقدية سيقوم القراء بشراء هذا الكتاب لكنهم سرعان ما يفاجأون بخديعة مارسها عليهم هذا الناقد، طبعا واضح أن مثل هذا الناقد قد أساء لنفسه أولا وسيكون قد فقد مصداقيته أمام القراء ومتذوقي الأدب. لذلك أنا غير مسكون بتصنيف أو الحكم على الأعمال الأدبية بين متميزة وضعيفة وهذه تستحق الترجمة وتلك لا، خاصة مع غياب عمل مؤسساتي حقيقي). الخطوات اللازمة لإصلاح هذا النقل الأدبي دون تقييم يستلزم جهود منظمة لتقنين هذا العبور الذي يفترض أن ينقل صورة متألقة للطرف الآخر من العالم. يعلق زايد عن هذه الجهود والتقنين اللازم: (هذه مهمة يجب أن تقوم بها مؤسسات رسمية، تأخذ على عاتقها مثل هذا الدور، بل أعتقد أنه حان الوقت لإنشاء مؤسسة رسمية تنبثق عن وزارة الثقافة مهمتها، ترجمة الأدب السعودي، ويتم وضع آليات لتقديم الأعمال، وتكون هناك لجنة اختيار متعددة، تضم في عضويتها أدباء من مختلف مناطق المملكة، لهم خبرات طويلة في مجال الأدب والتأليف. وعلى الرغم من هذا لا أدعو أبدا إلى تقنين عملية الترجمة بل أرفع الصوت بزيادتها، لأن الأعمال المتميزة سيحرص الناشرون للغات الأخرى على نشرها بلغاتهم، الأعمال الناجحة في لغتها الأم حظها من الترجمة كبير حتى ولو وجدت تجاهلا من الأوساط الأدبية المحلية لكن مشكلة مثل هذه الأعمال أنها لم تجد من يقدمها لدور النشر الأجنبية ويعرف بها، وهذه المعضلة، لذلك أجد أنه لو قدر لتلك المؤسسة الرسمية التي اقترحت أن تنبثق عن وزارة الثقافة، تكون من مهامها أيضا تقديم الأعمال الأدبية السعودية لدور نشر أجنبية، وتنشئ شبكة مع مختلف دور النشر في العالم للتعريف بالإصدارات السعودية بشكل دوري، والتعريف بالمؤلفين السعوديين وإنتاجهم واهتماماتهم وتطور الأدب السعودي، فإن عملا مثل هذا يبتعد عن الأنا والمحسوبيات من شأنه أن ينقل الأدب السعودي إلى العالمية في وقت قصير جدا)، ويتفق مع رأي زايد في هذا الشأن طاهر الزهراني حيث يختتم بـ (لن تقنن حركة الترجمة إلا بعمل مؤسساتي ضخم، وأعتقد أنه لو اقتطع من ميزانية ناد رياضي محلي ما نسبته 5 في المائة فسوف نحظى بنظرة احترام من الأمم الأخرى لثقافتنا وأدبنا).