حافظ على هدوئك

حافظ على هدوئك

يُقال إن أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات. فقد مني الجيش البريطاني بهزيمة شنيعة هناك في القرن التاسع عشر، وكذلك الجيش السوفياتي في القرن العشرين. وقد كان الأفغان معروفين بضراوتهم إلى درجة أن Rudyard Kipling قال للجنود الجرحى في سهول أفغانستان: "وجهوا بنادقكم إلى رؤوسكم وفجروها". ويموت الجنود البريطانيون في أفغانستان اليوم أيضا، وكذلك الأمريكيون والكنديون وغيرهم الكثير. فقد عادت طالبان، وكل موسم قتال يبدو أكثر دموية من الموسم السابق.
وسينشر الرئيس باراك أوباما 20 ألف جندي إضافي هناك هذا العام. ولكن بعض الحلفاء بدأوا بالخروج. فهولندا ستسحب قواتها المقاتلة العام المقبل، وستتبعها كندا عام 2011. والآن يشعر الشعب في بريطانيا، التي تملك ثاني أكبر قوة في أفغانستان، بالقلق من دور الدولة في الحرب بعد هذا الشهر المروع في هيلماند.
وبعد ثماني سنوات من الحرب المحبطة، من المغري اعتبار مهمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) باعتبارها تكرارا للكوارث السابقة في جبال هندوكوش. فقد خسر السوفيات على الرغم من امتلاكهم عددا أكبر من الجنود من الذين لدى الناتو اليوم، وجيش أفغاني أكثر قوة، والدعم الذي كانوا يحظون به من قبل مجموعة من الشيوعيين الأفغان المتحمسين، إلا أن مثل هذه المقارنات خاطئة. فخلافا للمجاهدين ضد السوفيات، الذين كانوا مدعومين، لا توجد قوة عظمى تدعم طالبان. وفي الثمانينيات كان يتم إسقاط الطائرات السوفياتية بصواريخ ستينجر أمريكية الصنع؛ أما اليوم، فإن الناتو متفوق في القوة الجوية. وطالبان هم فصيلة من البشتون، وليست حركة وطنية، وتمردهم يقتصر إلى حد بعيد على النصف الجنوبي من الدولة.
وربما يشعر الأفغان بالغضب بسبب موت المدنيين على يد القوات الأجنبية، وبالإحباط بسبب الفوضى وانعدام الأمن، وبالفزع بسبب الفساد في حكومة الرئيس حميد كرازي. إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن معظمهم يريدون بقاء القوات الغربية؛ فهم يتذكرون بؤس الحرب المدنية وقمع حكم طالبان جيدا. ولكنهم يريدون أن يقوم الغرب بمهمته على وجه أفضل في ضمان أمن الدولة.

ثمن الصداقة

وبالنسبة لأمريكا، فإن حرب أفغانستان ضرورية، فمن هناك أصدر أسامة بن لادن أوامره بشن هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. ولكن بالنسبة للكثير من الحلفاء الأوروبيين، تعد هذه الحرب أقل أهمية - حرب تضامن مع أمريكا، حرب اختيارية. وسرعان ما تفقد مثل هذه العمليات العسكرية شعبيتها حين تسوء الأمور، وتميل الحكومات لتضخيم أهدافها. فجوردن براون، رئيس الوزراء البريطاني، يتحدث عن تعزيز "ديمقراطية ناشئة".
ويقول المنتقدون إن هناك تصورا خاطئا حول هذه الجهود: فالخطر الحقيقي يكمن في الباكستان، حيث يختبئ قادة القاعدة الآن، إلا أن مساعدة الباكستان على محاربة المتشددين الإسلاميين سيكون أصعب إذا ادعت طالبان والقاعدة تحقيق النصر في أفغانستان. ويقول آخرون إن الغرب يبالغ في طموحه، فيجب ألا يأمل إقامة ديمقراطية مستقرة في أفغانستان؛ كل ما يحتاجها هو قوة صغيرة لحماية كابول وبعض القوات الخاصة والمفجرين للتعامل مع مقاتلي القاعدة العائدين، إلا أن مثل هذه الجهود الصغيرة هي التي سمحت لطالبان بإعادة تجميع صفوفها.
وتتضح تكلفة ذلك على دول الناتو فورا: عشرات المليارات من الدولارات وحياة أكثر من 1200 جندي. ومن الأصعب قياس تكلفة الرحيل، ولكنها قد تكون أكبر: عودة طالبان إلى السلطة، ونشوب حرب أهلية في أفغانستان، وزعزعة استقرار الباكستان المسلحة نوويا، واستعادة ملاذ القاعدة في أفغانستان، وتشجيع جميع الجهاديين في العالم، وإضعاف أصدقاء الغرب.
وبطبيعة الحال، ستضطلع أمريكا بالجزء الأكبر من المهمة في أفغانستان، إلا أن الحلفاء مهمون جدا. فهم يشاركون في العبء ويضفون الشرعية السياسية، كما أن التزامهم المشترك يصعّب على الكثيرين الانسحاب. إلا أن بعضهم يدفع ثمنا غير متناسب من الأرواح، ومن بينهم بريطانيا، ولكنها ليست وحدها، وكنسبة من عدد سكانها، خسرت كندا والدنمارك واستونيا عددا أكبر من الجنود.

الأصدقاء والحلفاء

وتدفع بريطانيا ثمن طموحها لتصبح "قوة خير" عالمية، وبوصفها الصديقة الحميمة لأمريكا، التي تملك حق الحصول المميز على المعلومات الاستخبارية، تشعر أنها ملزمة بالمشاركة في حروب أمريكا، وباعتبارها القوة العسكرية الأكثر قوة بين أعضاء الناتو الأوروبيين (مع فرنسا)، تساعد على تعبئة الآخرين، إلا أن القتال في أفغانستان لا يتعلق فقط بالهيبة. فبما أن عددا كبيرا من سكانها يتحدرون من أصول باكستانية، لدى بريطانيا الكثير على المحك في المساعدة على الحفاظ على الاستقرار في أفغانستان والباكستان، وقد هوجمت لندن من قبل القاعدة في الآونة الأخيرة أكثر من نيويورك.
ما الذي ينبغي على بريطانيا فعله إذن؟ أولا، على الحكومة أن تتصرف بقناعة، بدلا من تمني زوال المشكلة، فلا يمكنها أن تخوض حربا بعقلية مسالمة. وقد تقلص الإنفاق على الدفاع، كنسبة من الميزانية، منذ عام 2001. ووزارة الدفاع هي مكان يقبع فيه الوزراء الضعفاء أو نقطة انطلاق للوزراء الأقوياء. ويجب منح الأولوية لتعبئة صفوف الجيش، وربما توسيعها. ولا بد من بذل المزيد من الجهود لتوفير المروحيات وطائرات النقل والطائرات الآلية والمركبات المحمية على نحو أفضل. وسيضعف هذا الميزانيات ويزعج القوات البحرية والجوية، ولكن فليكن. فخسارة الحرب تقوض المعنويات أكثر من خسارة السفن أو الطائرات. وكان يفترض بالحكومة أن تعلن استعراض الدفاع الاستراتيجي قبل وقت طويل، لا أن تؤجله إلى ما بعد الانتخابات.
وأقل ما يمكن أن يفعله براون هو الموافقة على طلب الجيش بتقديم عدد إضافي دائم من الجنود في هيلماند يبلغ ألفين. فلن تقدم القوات الغربية عددا كافيا من الجنود في كامل المحافظة، ناهيك عن أفغانستان. ولكن يجب أن تضمن أمن المناطق التي تسيطر عليها. والأهم من ذلك هو أن عليها تدريب وتوسيع الجيش والشرطة الأفغانيين لتمكينهم من تولي زمام الأمور بالتدريج. ولن تكون تكلفة ذلك زهيدة، ولكنه أفضل طريقة لإعادة القوات الغربية إلى الوطن.
ومن عدة نواح، بدأت الآن فقط جهود تهدئة الأوضاع في أفغانستان، بعد انتهاء الحرب في العراق. فقد شنت البحرية الأمريكية عملية كبيرة في هيلماند في الثاني من تموز (يوليو). وسيتم إجراء الانتخابات الرئاسية في أفغانستان الشهر المقبل. ولن يتضح قبل الخريف، وربما قبل وقت متأخر من العام المقبل، فيما إذا كانت "زيادة" أوباما ناجحة أم لا.
وليس هذا الوقت المناسب للشعور بالإحباط. فلا بد من تحسين مستوى الأمن وتشجيع النشاط الاقتصادي وتقوية الحكومة وتقديم الحوافز للمتمردين للتخلي عن القتال. ولكن لكي يتم تحقيق ذلك، يجب أن ترى طالبان أن الحكومة الأفغانية وأصدقاءها الأجانب قد انتصرت بدلا من أن تخسر.

الأكثر قراءة