الفلاسفة الأخرويون

الفلاسفة الأخرويون

يرتكب Robert Lucas، أحد أعظم خبراء الاقتصاد الكلي في جيله، وأتباعه "أخطاء تحليلية أساسية قديمة في كل مكان". ويقدم Robert Barro من هارفارد، وهو شخصية بارزة أخرى في مجال الانضباط، "حجج غبية حقا". فقد كانت الـ 30 عاما الماضية من التدريب على الاقتصاد الكلي في الجامعات الأمريكية والبريطانية "مضيعة مكلفة للوقت".
وبالنسبة لأولئك الذين لا يملكون الخبرة، لطالما كان الاقتصاد أحد العلوم المخيبة للآمال. إلا أن كل تلك الهجمات تأتي من داخل مجموعة المخضرمين: من Brad DeLong من جامعة كاليفورنيا في بيركلي؛ ومن Paul Krugman من برينستون ونيويورك تايمز، ومن Willem Buiter من كلية لندن للاقتصاد، على التوالي. وقد أثارت أزمة الاقتصاد الكلي التي حدثت في العامين السابقين أزمة ثقة في الاقتصاد الكلي أيضا. ففي آخر محاضرة له عن Lionel Robbins في كلية لندن للاقتصاد في العاشر من حزيران (يونيو)، عبر Krugman عن اعتقاده أن معظم الاقتصاد الكلي خلال الـ 30 عاما الماضية كان "عديم الفائدة في أفضل الأحوال، وضارا تماما في أسوئها".
ويقول هؤلاء المنتقدون الداخليون إن الخبراء الاقتصاديين لم يفهموا جذور الأزمة، وفشلوا في إدراك أسوأ أعراضها، وأنهم غير قادرين الآن على الاتفاق على الحل. بعبارة أخرى، أساء الخبراء الاقتصاديون فهم الاقتصاد خلال فترات ازدهاره، وأساؤوا فهمه في فترات كساده، ويخطئون الآن في معرفة طريق الخروج الصحيح.
وخلال فترات ازدهاره، لم يكن خبراء الاقتصاد الكلي يشعرون بالرضا التام. فقد كان الكثير منهم يعتقد أن فقاعة الإسكان ستنفجر أو أن الدولار سينخفض. ولكنهم لم يتوقعوا انهيار النظام المالي. وحتى بعد الاضطراب العنيف في الأسواق بين البنوك في آب (أغسطس) 2007، أساء خبراء الاقتصاد الكلي فهم الخطر. فقد كان معظمهم متفائلين إلى حد كبير بشأن توقعات إفلاس Lehman Brothers في أيلول (سبتمبر) 2008.
ولا يستطيع الاقتصاديون الآن أيضا الاتفاق على أفضل طريقة لمعالجة الأزمة. فقد بالغوا غالبا في تقدير قوة السياسة النقدية المعتادة (أي مشتريات البنك المركزي لفواتير الحكومة) في استعادة الازدهار. ولا يثق بعضهم الآن بقوة السياسة المالية (أي مبيعات الحكومة لأوراقها المالية) لفعل الأمر نفسه. ويدافع آخرون عنها بحماس كبير.
ومن بين المتحمسين هناك DeLong و Krugman. فهم يستمدون إلهامهم من النصوص التي كتبت في فترة الكساد العظيم، خاصة كتابات جون مينارد كينيز، وبعض العلماء المنسيين مثل Hyman Minsky. ويعتبر هذا في العلوم الإنسانية بمثابة علم روتيني. إلا أن عديدا من الاقتصاديين البارزين يعتبرونه مخجلا بعض الشيء. فالعلماء الحقيقيون لا يبحثون بين أوراق كتاب "مبادئ الرياضيات" لنيوتن لحل المشكلات المعاصرة في علم الفيزياء.
وهم يتهمون الخبراء الاقتصاديين مثل DeLong وKrugman بالاعتماد على المبادئ الكينيزية العتيقة - كأنه لم يتم تعلم أي شيء خلال الـ 70 عاما الماضية. وبدورهما، يتهم DeLong وKrugman، الخبراء الاقتصاديين مثل Lucas بعدم استخدام الاقتصاد الكينيزي- كأنه تم نسيان كل شيء خلال الـ 70 عاما الماضية. ويعتقد Krugman أننا نعيش "عصر ظلام الاقتصاد الكلي"، الذي ضاعت فيه حكمة القدماء.
ما تلك الحكمة وكيف أصبحت في طي النسيان؟ لقد بدأ تاريخ الاقتصاد الكلي في الصراع الفكري. وقد كتب كينيز كتاب "النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقد"، الذي نُشر عام 1936، "بلهجة مثيرة للجدل لا داعي لها"، وفقا لبعض القرّاء. ولكنه كان جدلا أثاره المؤلف في ذهنه. فقد كان يعبر الكتاب عن "صراع للهروب من أنماط التفكير المعتادة" التي ورثها من أسلافه الكلاسيكيين.
وكان نمط التفكير الكلاسيكي ينص على أن العمالة الكاملة ستسود لأن العرض يولد طلب خاصا به. ومن منظور الاقتصاد الكلاسيكي، فإن كل ما يجنيه الناس سيتم إنفاقه أو ادخاره؛ وكل ما سيتم ادخاره سيتم استثماره في مشاريع رأسمالية. فليس هناك مال يتم كنزه أو عدم استخدامه.
وقد كان كينيز يقدّر هيبة واتساق النموذج الكلاسيكي، وهي المزايا التي لا يزال الاقتصاديون يتوقون لها. إلا أن هذا لم يمنعه من تدميره. فمن وجهة نظره، فإن الاستثمار موجه بالحماس العاصف لرجال الأعمال الذين يواجهون مستقبلا متأرجحا. وهذا الغموض يعطي مدخري المال سببا لتخزين ثروتهم بأصول سائلة، مثل المال، بدلا من وضعها في مشاريع رأسمالية. ويحدد هذا التفضيل للسيولة، كما يصفه كينيز، سعر الأوراق المالية وبالتالي سعر الفائدة. وإذا خف الحماس أو زاد تفضيل السيولة، ستتعثر وتيرة الاستثمار، دون وجود قوة سوقية واضحة لاستعادتها. ولن يواكب الطلب العرض، ما سيترك العمال الراغبين في العمل دون وظائف. وتقع على عاتق الحكومات مسؤولية إنعاش الطلب، إما عن طريق تخفيض أسعار الفائدة إذا أمكن، أو عن طريق الأشغال العامة إذا لزم الأمر.
لقد ظلت المهمة الكينيزية، أي "إدارة الطلب"، قائمة بعد فترة الكساد العظيم، حيث أصبحت واجبا روتينيا للحكومات. وكان يساعدها في ذلك مستشارون اقتصاديون قاموا بوضع نماذج فعالة للاقتصاد، لقياس العلاقات الرئيسية. وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، كان يبدو أن هؤلاء المستشارين يعرفون ما يفعلون، مسترشدين بمقايضة واضحة بين التضخم والبطالة. إلا أن مصداقيتهم تضررت بعد صدمات أسعار النفط في السبعينيات، التي أدت إلى "كساد تضخمي" في الاقتصادات الغربية، أي مزيج غريب من البطالة والتضخم، الذي لم يفهمه مؤيدو كينيز وفشلوا في منعه.
وفي نهاية المطاف، تغلب مجلس الاحتياط الفيدرالي، بقيادة بول فولكر، على التضخم الأمريكي في أوائل الثمانينيات، وإن كان ذلك قد أضر بالعمالة بصورة أليمة. إلا أن هذا الانتصار لم يؤد إلى استعادة السلام الفكري. فقد انقسم خبراء الاقتصاد الكلي إلى معسكرين، حيث استخلص كل معسكر دروسا متناقضة من هذه الفترة.
وحمّل النقائيون، المعروفون باقتصاديي "المياه العذبة" بسبب وجود جامعاتهم على جوانب البحيرات، المصرفيين المركزيين الذين يحاولون فعل الكثير جدا مسؤولية الكساد التضخمي. وقد انطلقوا من الافتراض الكلاسيكي القائل إن الأسواق قد تم تنظيفها، دون وجود أي سلع غير مبيعة أو عمال عاطلين عن العمل. أما جهود صنّاع السياسة لتسهيل فترات ازدهار وكساد الاقتصاد الطبيعية فقد كانت ضارة أكثر من كونها نافعة.
أما جامعات أمريكا الساحلية، فقد كانت تضم معظم أنصار المعسكر الآخر، أي براغماتيي "المياه المالحة". وكان هؤلاء يعتقدون أن ارتفاع البطالة إلى مستويات عالية بسبب هجوم فولكر على التضخم كان دليلا كافيا على أن الأسواق قد تتوقف عن العمل. وربما لا يتم تعديل الأجور وفقا لذلك، وقد تثبت الأسعار أيضا. وكان هذا الصرير في الآلة الاقتصادية مبررا لبعض التدخل من قبل صنّاع السياسة.
ووصل الركود في عهد فولكر إلى أدنى مستوى له عام 1982. ولم يحدث شيء مثل هذا مرة أخرى حتى العام الماضي. وخلال الفترة من عام 1982 والعام الماضي، والتي دامت ربع قرن من الهدوء، استعاد الاقتصاد الكلي أيضا رباطة جأشه. وتقاربت المدارس الفكرية المعارضة. فقد تقبل اقتصاديو المياه العذبة وجهة النظر الأكثر ملوحة لصنّاع السياسة، وتبنى معارضوهم أسلوبا أكثر عذوبة في صنع النماذج. ويمكن تسمية هذه التوليفة الجديدة الاقتصاد الكلي متوسط الملوحة.

رشة ملح

وتدفق الاقتصاد الكلي متوسط الملوحة من الجامعات إلى البنوك المركزية. وهو الأساس الذي تقوم عليه سياسة استهداف التضخم التي تم تبنيها في نيوزلندا، كندا، بريطانيا، والسويد وعديد من الأسواق الناشئة، مثل تركيا. ويعتبر بن بيرنانك، رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي منذ عام 2006، أحد المساهمين المعروفين في الاقتصاد متوسط الملوحة.
ولمدة تقرب من عقد من الزمن قبل الأزمة، كان يبدو مرة أخرى أن خبراء الاقتصاد الكلي يعرفون ما يفعلونه. فقد تجسدت آراؤهم في نوع جديد من النماذج الفعالة للاقتصاد، والتي تسمى نماذج "التوازن العام العشوائي الديناميكي". وساعدت هذه النماذج على توجيه المداولات في عديد من البنوك المركزية.
ويعتقد Buiter، الذي ساعد على تحديد أسعار الفائدة في بنك إنجلترا من عام 1997 حتى عام 2000، أن أحدث النظريات الأكاديمية كان لها تأثير عميق هناك. وهو يعتقد الآن أن هذا التأثير كان ضارا. ويقول Buiter في مدونته على الإنترنت، إن التدريب على الاقتصاد الكلي الحديث كان "عائقا خطيرا" في بداية الأزمة المالية، حين اضطر البنك المركزي إلى "تغيير سياسته" من الحفاظ على استقرار الأسعار إلى ضمان الاستقرار المالي.
وكان خبراء الاقتصاد الكلي المعاصرون قلقين بشأن أسعار السلع والخدمات، ولكنهم أهملوا أسعار الأصول. ويعود ذلك جزئيا إلى ثقتهم العمياء بالأسواق المالية. فإذا كانت أسعار الأصول تعكس الأساسيات الاقتصادية، فلماذا لا يتم تشكيل الأساسيات فقط وتجاهل الظلال التي تلقيها على وول ستريت؟
ويعود ذلك أيضا بسبب عدم اهتمامهم بآليات العمل الداخلية للنظام المالي. وكتب Perry Mehrling من كلية بيرنارد في جامعة كولومبيا: (من الناحية الفلسفية، فإن الاقتصاديين "ماديين" يعتبرون "أكياس القمح أكثر أهمية من رزم السندات"). فالتمويل هو حجاب يخفي وراءه ما يهم فعلا. وقال أحد الشعراء: "إن وعود دفع المال ليست غذاء ولا كساء".
وبالتالي فإن حالات الإعسار لا يمكن أن تحدث في عديد من نماذج الاقتصاد الكلي. فالوسطاء الماليون، مثل البنوك، غير موجودين غالبا. ولا يهم فيما إذا كانت الشركات تموّل نفسها بالأسهم أو بالديون. فنموذج التوازن العام العشوائي الديناميكي لبنك إنجلترا مثلا لا يحاول حتى شمل الوسطاء الماليين، مثل البنوك. وبناء على ذلك، يعترف مصممو النموذج أن "النموذج لا يحقق منفعة مباشرة في القضايا التي تكون فيها الوساطة المالية لها الأهمية القصوى". وللأسف، فإن الأزمة الحالية هي إحدى تلك القضايا.
ويقول واضعو النماذج في البنك إنهم يفضلون دراسة التمويل بنماذج متخصصة مصممة لهذا الغرض. وقد مهّد بن بيرنانك، مع Mark Gertler من جامعة نيويورك، الطريق لأحد أبرز تلك النماذج. ومن المؤسف أنه "قد يكون من الصعب جدا التعامل مع" النماذج التي تتضمن هذه التعقيدات في الأسواق المالية، وفقا لـ Markus Brunnermeier من برينستون، الذي يعد من بين أكثر من تعاملوا مع معظم هذه الصعوبات. والخيارات التي يتخذها الاقتصاديون نابعة من سهولة التعامل أو الراحة، لا الاقتناع.
إلا أن الراحة تسبب الإدمان. فقد يميل الاقتصاديون لنماذجهم ويخدعون أنفسهم بالقول إن ما تركه النموذج ليس مهما. فعلى سبيل المثال، من المريح غالبا الافتراض أن الأسواق "كاملة" - بأن هناك سعرا اليوم لكل سلعة، ولكل تاريخ، ولكل حالة طوارئ. وفي هذا العالم، يمكنك الاقتراض دائما بقدر ما تريد بالسعر السائد، ويمكنك دائما البيع بقدر ما تريد بالسعر السائد.
وقبل الأزمة، كان عديد من البنوك وبنوك الظل تستنتج افتراضات مماثلة. فقد كانت تعتقد أنها قادرة دائما على تجديد ديونها قصيرة الأجل أو بيع أوراقها المالية المدعومة بالقروض العقارية، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. إلا أن الأزمة المالية فندت هذين الافتراضين. فقد جفت الأموال وضعفت الأسواق. وفي تحليله المفصّل للأزمة، يظهر Brunnermeier كيف كان كل من هذين القيدين يتغذى على الآخر، ما أدى إلى "دوامة سيولة".
وأعقب ذلك اندفاع هائل للمال، حيث كانت البنوك الاستثمارية تبيع كل ما تستطيع بيعه، وكانت البنوك التجارية تخزن الاحتياطات، وكانت الشركات تعتمد على خطوط الائتمان. وكان كينيز ليفسر هذا بوصفه اندلاعا عظيما لتفضيل السيولة، كما يقول Paul Davidson، الذي تم أخيرا إعادة نشر السيرة الذاتية التي كتبها عن كينيز مع إضافة ملخص استنتاجي جديد. إلا أن الاقتصاد المعاصر نسي تقريبا هذا المصطلح.

ملاكمة مالية

لقد كان الاقتصاد الكلي التقليدي الذي تتضمنه نماذج التوازن العام العشوائي الديناميكي دليلا سيئا على جذور الأزمة المالية، ولم يهيئ أنصاره لأعراضها. فهل لا يقدم أي أفكار حول أفضل السبل للعلاج؟
في الأشهر الأولى للأزمة، كان خبراء الاقتصاد الكلي يثقون إلى حد كبير بسلطات مجلس الاحتياط الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية. وفي صيف عام 2007، بعد أسابيع قليلة من بدء أزمة السيولة في آب (أغسطس)، ألقى Frederic Mishkin، الاقتصادي الأكاديمي المتميز الذي كان حينها محافظ مجلس الاحتياط الفيدرالي، خطابا مطمئنا في الاجتماع السنوي لبنك الاحتياط الفيدرالي في مدينة كنساس في Jackson Hole في وايومنج. وقدم نتائج تجارب محاكاة من نموذج FRB/US لمجلس الاحتياط الفيدرالي. ووفقا لنموذجه المرجعي، فإنه حتى لو انخفضت أسعار المنازل بنسبة الخُمس في العامين المقبلين، فلن يخفض هذا التراجع الناتج المحلي الإجمالي إلا بنسبة 0.25 في المائة، ولن يضيف سوى عشر نقاطمئوية إلى معدل البطالة. والسبب في ذلك هو أن مجلس الاحتياط الفيدرالي سيستجيب "بقوة"، وقد كان يقصد بذلك تخفيص سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بواقع نقطة مئوية واحدة فقط. وخلص إلى القول إن البنك المركزي يملك الأدوات اللازمة لاحتواء الضرر على "مستوى يمكن السيطرة عليه".
ولكن منذ خطابه هذا، خفض مجلس الاحتياط الفيدرالي السعر بواقع خمس نقاط مئوية إلى 0-0.25 في المائة فقط. وتبين أن أسلحته التقليدية غير كافية للقيام بهذه المهمة. وقد هز هذا ثقة الاقتصاديين بالسياسة النقدية. ومن المؤسف أنهم منقسمون أيضا بشأن ما سيأتي لاحقا.
ويدافع Krugman وآخرون عن التوسع المالي الجريء، حيث يستمدون أسبابهم المنطقية من كينيز وشبيهه المعاصر، Richard Kahn. وقد أشار Khan إلى أن الدولار الذي يتم إنفاقه على الأشغال العامة قد يولّد أكثر من دولار من الناتج إذا تم توزيع الإنفاق مرارا عبر الاقتصاد، لتحفيز الموارد التي ستظل راكدة لولا ذلك.
ويختلف الاقتصاديون اليوم حول حجم هذا المضاعف. ويعتقد Barro أن تقديرات مجلس المستشارين الاقتصاديين لباراك أوباما مبالغ بها بصورة تتنافى والمنطق. ويصفها Lucas بأنها "اقتصاد رخيص"، تم وضعها لتبرير توقعات أوباما لعجز الميزانية. إلا أن الاقتصاديين ليسوا منهمكين تماما في إجراء البحوث حول هذه المسألة. وتشير حسابات Krugman أنه من بين الأبحاث والدراسات التي تم نشرها من قبل المجلس الوطني للبحوث الاقتصادية بين الأعوام 1985 و2000، والبالغ عددها سبعة آلاف، لم تذكر سوى خمسة منها السياسة المالية في عنوانها أو خلاصتها.
هل تضر هذه المشاحنات العلنية بالاقتصاد الكلي؟ يتذكر Greg Mankiw، من هارفارد، ردود الفعل الغاضبة في الثمانينيات بين Robert Solow و Lucas- وكلاهما اقتصاديون بارزون لم يأخذ أي منهما الآخر على محمل الجد. وكتب يقول إن هذا الغضب اجتذب الاهتمام، تماما مثل شجار بالأيدي في حانة. ولكنه يعتقد أن هذا أيضا أفزع صغار العلماء، الذين نأوا بأنفسهم عن هذه النزاعات على صعيد الاقتصاد الكلي.
ووفقا لهذه الرواية، من المفترض أن تكون فترة السلام الفكري التي أعقبت التسعينيات عصرا ذهبيا للاقتصاد الكلي. ولكن يبدو أيضا أن توافق الآراء حول الاقتصاد متوسط الملوحة أشعر الطلاب بالملل. فوفقا لـ David Colander، الذي استطلع مرتين آراء الاقتصاديين في أفضل برامج الدكتوراة الأمريكية، غالبا ما يكون الاقتصاد الكلي الفئة التي تحظى بأقل شعبية. وسأل Colander مجموعة من الطلاب في شيكاغو: "ما الذي تعلمته في الاقتصاد الكلي؟ وهل مارست نموذج التوازن العام العشوائي الديناميكي؟" وأجاب أحدهم: "تعلمنا الكثير من الأمور التافهة مثل هذا".

للقضاء على نموذج معين يجب وضع نموذج آخر

ويعاني نموذج الاقتصاد الكلي المرجعي، وإن كان ليس تافها، بعض العيوب الواضحة، مثل الافتراض بوجود أسواق كاملة أو تمويل دون نزاعات. وفي الواقع، يدرك الاقتصاديون جيدا هذه العيوب بما أنها واضحة. والمنتقدين مثل Buiter لا يضيفون شيئا جديدا. ويمكن للاقتصاديين الخروج عن الإطار المرجعي، وهم يفعلون ذلك. وفي الواقع، هذه هي الطريقة التي يتم نشرها بها. وبالتالي، فإن هناك عددا متزايدا من النماذج الحديثة التي تدمج نزاعا أو نزاعين ماليين. ويحاول اقتصاديون مثل Brunnermeier إدخال نماذجهم الصغيرة عن الأزمة في إطار أوسع للاقتصاد الكلي.
إلا أن الإطار المرجعي له أهميته. فهو يضفي صفة رسمية على غرائز الاقتصاديين فيما يتعلق بأفضل الأجزاء التحليلية. وهي نقطة انطلاق يعود إليها واضعو النظريات بعد كل رحلة. ولا يؤمن الكثير من الاقتصاديين بكل افتراضاته، ولكن لا يفضل الكثيرون أيضا الانطلاق من نقطة أخرى.
وللأسف، فإن هذه النماذج البدائية هي التي تؤثر بدرجة كبيرة في عالم السياسات والممارسات، بدلا من النماذج المتطورة الناتجة عنها. ويعود ذلك جزئيا إلى أن تلك المبادئ الأولى تظل لفترة طويلة حتى تجد طريقها من الأوساط الأكاديمية إلى أوساط صنّاع السياسة. وكما أشار كينيز، فإن الاقتصاديين الأكثر تأثيرا في الأشخاص العمليين الذين يحبون إنجاز الأمور هم أولئك عديمو الفائدة الذين تسللت كتاباتهم من قاعات الندوات إلى المحادثات الأوسع نطاقا.
وهذه النماذج الأساسية مؤثرة أيضا بسبب بساطتها. ففي مواجهة "الارتباك المتواصل والبلبلة" في العالم الحقيقي، غالبا ما يعتمد صنّاع السياسة على المبادئ الأولى والافتراضات العامة. وبشكل أكثر تحديدا، غالبا ما تكون النظريات الدقيقة أقل تنوعا. فهي تلقي الضوء على ما تم وضعها لتفسيره دون التطرق إلى أبعد من ذلك.
هل سيكون الاقتصاديون أفضل حالا إذا انطلقوا من نقطة أخرى؟ يعتقد البعض هذا. فهم يستمدون إلهامهم من المتنبئين المهملين، مثل Minsky، الذي أدرك أن الاقتصاد "الحقيقي" جزء لا ينفصل عن العالم المالي. وقد تم تجاهل مثل هؤلاء المتنبئين ليس بسبب ما قالوه، بل بسبب الطريقة التي قالوها بها. ويميل الاقتصاديون اليوم إلى أن يكونوا منفتحي الذهن بشأن المحتوى، ولكن متمسكين بآرائهم بشأن الشكل. وهم أكثر تشبثا بأساليبهم من تشبثهم بنظرياتهم. ولن يؤمنوا بشيء ما إلا بعد تشكيله.
لذا يعتقد Colander أن الاقتصاد يتطلب إحداث ثورة في الأساليب، فبدلا من حل النماذج "يدويا"، باستخدام قدرات الاقتصاديين الاستنتاجية، يقترح محاكاة الاقتصادات على الكمبيوتر. وفي هذا النوع من البحوث، يحدد الاقتصادي قواعد بديهية بسيطة يتفاعل بموجبها العملاء مع بعضهم بعضا، ثم يدع الكمبيوتر يقوم بإنتاج عمليات محاكاة متكررة للكشف عن نوع الأنماط غير المتوقعة التي قد تنشأ. وإذا كان محقا، فإن على خبراء الاقتصاد الكلي، مثل البنوك الفاشلة المستمرة في العمل بسبب الدعم الحكومي، إلغاء كثير من استثماراتها الفكرية السابقة قبل أن يتمكنوا من إحراز تقدم مرة أخرى.
وعلى العكس من ذلك، يعتقد Krugman أن الإصلاح سيأتي على الأرجح من الداخل. فهو يشير إلى أن كينيز كان "مطلعا داخليا خبيرا" يفهم النظرية التي كان يدمرها لأنه كان مقتنعا في السابق بها. ويقول إنه في غضون ذلك يجب على خبراء الاقتصاد الكلي اللجوء إلى البحوث التجريبية، بحيث يوثقون الأزمات في الماضي والحاضر على أمل أن تظهر نظرية جديدة تفسر كل شيء.
لقد بدأ الاقتصاد الكلي مع كينيز، إلا أن هذا المصطلح لم يظهر في الصحف حتى عام 1945، في مقال كتبه Jacob Marschak. وقد استعرض فيه فهم المهنة المتزايد لدورة الأعمال، عاقدا المقارنات مع العلوم الأخرى. فعلم الزلازل مثلا يحقق التقدم من خلال أدوات أفضل أو نظريات محسنة أو زلازل أكثر تكرارا. وخلص Marschak إلى القول إنه في حالة الاقتصاد "كان الزلزال يقوم بمعظم العمل".
ولم يشهد الاقتصاديون زلازلا لمدة ربع قرن، وهذه الفترة التي سميت فترة الاعتدال العظيم لم تكن مواتيه للاقتصاد الكلي العظيم. وبفضل الأحداث الزلزالية التي وقعت في العامين الماضيين، ضعفت هيبة خبراء الاقتصاد الكلي، إلا أن إمكانات موضوعهم أكبر بكثير. وتعد الخلافات المستعرة التي تفرق بينهم بمثابة ضربة لمصداقيتهم، ولكن قد يتبين أنها حافز على الإبداع.

الأكثر قراءة