تحقيق توازن دقيق

تحقيق توازن دقيق

كان النمو في الصين موضع حسد العالم أجمع. والآن، زاد حسد الدول المنكوبة بالركود أكثر. ففي السادس عشر من تموز (يوليو)، أظهرت الأرقام أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين تسارع إلى 7.9 في المائة خلال العام حتى الربع الثاني. وهذه نسبة كبيرة بما فيه الكفاية وفقا لمعايير أي شخص، إلا أن الرقم الأساسي يخفي انتعاشا أكثر إذهالا. فتقديرات Goldman Sachs تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي نما بمعدل سنوي بلغ 16.5 في المائة في الربع الثاني مقارنة بالثلاثة أشهر السابقة. ومن المرجح أن الاقتصاد الأمريكي تقلص بصورة أكبر خلال الفترة نفسها. ومن الواضح أن الحوافز الاقتصادية للصين كانت فاعلة إلى حد كبير. وفي الواقع، كانت فاعلة جدا بحيث إن بعض الاقتصاديين يشعرون بالقلق الآن من أن تكون ناجحة بصورة زائدة عن اللازم.
وخلال العام حتى حزيران (يونيو)، زادت الاستثمارات بنسبة 35 في المائة، وارتفعت مبيعات السيارات بنسبة 48 في المائة، وزادت نسبة شراء المنازل بنسبة تزيد على 80 في المائة. وبعد انخفاضها في العام الماضي، بدأت أسعار المنازل الآن في الارتفاع السريع في بعض المدن الكبيرة، وارتفعت أسعار الأسهم بنسبة 80 في المائة بعد أن وصلت إلى أدنى مستوى لها في تشرين الثاني (نوفمبر). وانتعش الإنفاق المحلي جزئيا بسبب رزمة الحوافز التي قدمتها الحكومة، ولكن ربما السبب الأهم هو إلغاء القيود على إقراض البنوك في وقت متأخر من العام الماضي. وفي حزيران (يونيو)، كان الإقراض الجديد أكثر بأربعة أضعاف عنه قبل عام.
وأحد أسباب الانتعاش السريع جدا للاقتصاد هو أن معظم التباطؤ كان من صنع الصين، وليس نتيجة للانهيار الاقتصادي في أمريكا. ففي عام 2007، دفعت المخاوف المتعلقة بفرط النشاط الحكومة إلى الحد من تدفق الائتمان للبناء وشراء المنازل. وتسبب هذا في إبطاء الاقتصاد الصيني بصورة حادة حتى قبل الأزمة المالية العالمية. ثم في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فتحت الحكومة خطوط الائتمان على آخرها مرة أخرى.
وأعطى هذا دفعة كبيرة للإنفاق المحلي، ولكنه زاد المخاوف من أن يؤدي فيضان السيولة إلى رفع معدل التضخم وتغذية فقاعات الأسهم والإسكان وتراكم القروض السيئة. وارتفع مقياس MS للمال بنسبة 29 في المائة خلال العام حتى حزيران (يونيو). وفي الواقع، يبدو أن خطر ارتفاع التضخم في المستقبل القريب ضئيل: انخفضت الأسعار الاستهلاكية في الصين بنسبة 1.7 في المائة خلال العام حتى حزيران (يونيو)، وتحافظ الطاقة الإنتاجية الفائضة في الوطن وفي الخارج على انخفاض الأسعار. إلا أن أسعار الأصول قد تكون خطرا أكبر. ووفقا لأحد التقديرات، ذهب 20 في المائة من الإقراض الجديد إلى البورصة خلال الخمسة أشهر الأولى من هذا العام.
ولعله من السابق لأوانه جدا استخدام كلمة "فقاعة". وكانت البورصة لا تزال عند منتصف ذروتها عام 2007، وعلى الرغم من أن أسعار المنازل ارتفعت بصورة حادة هذا العام في شنغهاي وشينزن، إلا أن المتوسط على النطاق القومي ليس أعلى مما كان عليه قبل عام. ولكن وتيرة الإقراض المصرفي غير مستدامة، وتوحي تجربة أمريكا أخيرا بأنه من الأفضل منع تكون الفقاعات بدلا من التخلص من الفوضى بعد ذلك. وقد قال عديد من المسؤولين في البنك المركزي أنه ينبغي كبح الإقراض.
وفي الوقت الراهن، يشير رئيس الوزراء، وين جيابو، أنه يريد أن تظل السياسة النقدية مرنة إلى حد ما. ولا تزال الصادرات ضعيفة، وتخشى الحكومة أن يؤدي تشديد السياسة قبل الأوان إلى تعطيل الانتعاش. كما إنها حريصة على إيجاد الوظائف والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في الأشهر التي تسبق الذكرى الستين لحكم الحزب الشيوعي في تشرين الأول (أكتوبر).
ومع ذلك، بدأ البنك المركزي بالتشديد التدريجي اللطيف. فقد رفع قليلا أسعار الفائدة في أسواق المال وحذّر البنوك من عزمه على زيادة تدقيقه للقروض المصرفية الجديدة. وحذّرت الهيئة التنظيمية المصرفية في الصين البنوك بالالتزام بالقواعد المتعلقة بالقروض العقارية للمنازل الثانية، التي تتطلب دفع دفعة أولى لا تقل نسبتها عن 40 في المائة من قيمة العقار.
في الواقع، فإن زيادة مبيعات المنازل في الآونة الأخيرة هو بالضبط ما تهدف إليه الحكومة، بما أنها تستخدم العقارات كوسيلة لتحفيز الاستهلاك الخاص. وزيادة مبيعات المنازل تشجع زيادة الإنفاق على الأثاث والأجهزة الاستهلاكية. ويوجد البناء أيضا كثير من الوظائف؛ في الواقع، يوظف قطاع البناء نفس عدد العاملين تقريبا الذي يوظفه قطاع التصدير. ومنذ تشرين الأول (أكتوبر)، تشجع الحكومة الناس على شراء المنازل عن طريق تخفيض الحد الأدنى من الدفعات الأولية للقروض العقارية على منازلهم الرئيسية من 30 في المائة إلى 20 في المائة، وعن طريق تخفيض رسوم الدمغة والضرائب الأخرى على الصفقات العقارية. وتغذي المبيعات الأقوى الآن بناء المنازل الجديدة: زاد بناء المساكن بنسبة 12 في المائة خلال العام حتى حزيران (يونيو)، وهو أول نمو منذ 12 شهرا.
وبالنظر إلى أهمية العقارات بالنسبة إلى الطلب المحلي، من غير المحتمل أبدا أن ترغب الحكومة فرض إجراءات صارمة على سوق الإسكان. وعلى الرغم من زيادة الإقراض في الآونة الأخيرة، إلا أن إقراض القروض العقارية من قبل البنوك الصينية لا يزال متحفظا جدا مقارنة بالإقراض في أمريكا- خلال ذروة فقاعة الإسكان في أمريكا، كان من السهل الحصول على قرض عقاري مقابل 100 في المائة أو أكثر من قيمة المنزل. ومع ذلك، فإن الدرس المستفاد من الأزمة المالية في أمريكا الذي يجب أن تتعلمه الحكومة الصينية واضح جدا: لا يجب أبدا تجاهل الإقراض المتساهل جدا.

الأكثر قراءة