ارتباك في القرار الاقتصادي
على مدى الأسابيع القليلة الماضية لفتت نظري ثلاثة أخبار ذات مغزى وأبعاد اقتصادية تدل على درجة من الارتباك وضعف في التنسيق في منظومة القرار الاقتصادي. الأول أتى من الصين والهند في الادعاء بأن هناك ما يسمى (البيع تحت سعر التكلفة) Dumping لبعض المنتجات البتروكيماوية وبالتالي فرض نوع من الضريبة، ما يؤثر في التسعيرة وبالتالي القدرة التنافسية لهذه المنتجات. القرار الثاني أو لعله عدم القرار هو أزمة مجموعتي القصيبي وسعد وعلاقتهما بالبنوك. والثالث أتى من خلال ما ذكر حول إناطة مسؤولية الإشراف على بناء مدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة بشركة أرامكو. هذه قضايا اقتصادية ومالية في طبيعتها ولكنها في الجوهر إدارية. لذلك هناك ما يجمعها.
في الأولى كان اللافت هو غياب المسؤولين المباشرين في المؤسسات الحكومية ذات العلاقة بل حتى أصحاب العلاقة في الشركات السعودية المباشرة، ولذلك أتت التعليقات من أناس غير متخصصين، مما زاد من درجة الإرباك وقلة المعلومة. الأهم هو عدم الاستعداد الواضح للتعامل مع القضية على الرغم من التجربة السعودية المفترضة في التعامل مع الصين والهند، وانضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية. لم تكن هناك «سياسة» سعودية موحدة وصوت واحد. في الثانية ذكر لي أكثر من مصرفي ذي علاقة مباشرة أن مؤسسة النقد كانت بطيئة في طلب المعلومات الائتمانية من المصارف ذات العلاقة. وسائل الإعلام الخارجية وحتى السعودية تتحدث عن أزمة لتلك المجموعتين وهناك آخرون وربما أكثر. لذلك هناك حاجة إلى درجة من التفصيل ولكن بعد انتظار نتائج الربع الثاني لأرباح المصارف أتت المعلومات شحيحة كالعادة. فالأحرى بالمؤسسة رفع درجة الشفافية وليس السكوت على أمل أن تذهب هذه السحابة مثل غيرها. في الثالثة يُعرف عن «أرامكو» الكفاءة في التخصص وآمل ألا نبالغ في الكفاءة دون مقارنة ممحصة دقيقة للعائد على رأس المال المستثمر، ولكن من خلال هذه التجربة طورت «أرامكو» قدرة على إدارة المشاريع ولكنها ليست شركة إشراف أو مقاولات. وبالتالي فإن جرها إلى مشاريع من هذا النوع يحمل اعترافا ضمنيا بعدم مهنية الشركات ذات العلاقة أو ضعفا في الجهاز الرقابي، ويدخل «أرامكو» في المنطقة الرمادية.
ما يجمع هذه المواضيع هو عشقنا للمنطقة الرمادية. تمتاز المنطقة الرمادية بخلط الأوراق والادعاء بالخبرة والمعرفة أحيانا والتهرب أحيانا حينما لا تسير الرياح كما تشتهي السفن. إنسانيا، تعطي المنطقة الرمادية المسؤول المفترض القدرة على التخفف من المسؤولية وأنه «ذكي» استطاع مسك العصا من الوسط وأن القرار أصلا لم يكن في غالبه في دائرته الإدارية. لم يعد الاقتصادي السعودي يتحمل العيش في المنطقة الرمادية.
اقتصادات الصناعة البتروكيماوية لها مستقبل واعد في ظل توافر الغاز. والقطاع المصرفي في المملكة لا يواجه «مخاطرة عامة» systematic كما كان مع المؤسسات المصرفية في أمريكا وبريطانيا، والمدينة الرياضية في جدة ستنفذ، ولكن، هذه تختلف في العمق عن ماهية القرار الاقتصادي. الأحرى أن يكون هناك مركز ثقل للقرار التنموي تليه آلية واضحة للقرار الاقتصادي والتحرك في إطار سعودي INC - تنسيق وأهداف واضحة وليس جزرا متباعدة وردود فعل.
الاستمرار في عدم التنسيق وضبابية القرارات الاقتصادية ذات تكلفة عالية قد لا يسعفنا الزمن للاستمرار فيها. هناك حاجة ماسة إلى آلية واضحة لعمل القرار الاقتصادي.