حركة بلا حراك!
«لا يبدو التاريخ.. تاريخا عندما تعيش فيه»
وزير التعليم الأمريكي الأسبق جون جاردنر
بين قمة حركة عدم الانحياز الأولى في بلجراد (يوغوسلافيا السابقة) عام 1961، وقمتها الـ 15 الأخيرة في شرم الشيخ (مصر) عام 2009 قرابة 48 عاما. مرت خلالها أحداث غيرت معالم التاريخ، وحددت أطر المستقبل. ولا تزال هناك أحداث، تخلط آلياتها ما تبقى من هذه المعالم، تمهيدا لرسم أشكال جديدة لها، تضع الإطار النهائي لخريطة الغد. لكن بين هذه الأحداث، اثنان كبيران ملتصقان بهذه الحركة، التي أجد صعوبة - كصحافي من صميم عمله المتابعة - في تحديد مناطق حراكها الوهمي، لكي لا أقول: إنجازاتها!. الحدث الأول: اختفاء قطب (الاتحاد السوفييتي ومعه كتلته الاشتراكية، وذراعه العسكري حلف وارسو) من «مجموع» قطبين (الولايات المتحدة الأمريكية ومعها كتلتها الرأسمالية، وذراعها العسكري حلف الناتو)، شكلا الدافع الوحيد لتأسيس حركة عدم الانحياز، الأمر الذي برر قيام الحركة واستمرار وجودها على قيد الحياة، منذ انطلاقها، وتعزز - بحدود ضيقة - هذا الوجود، مع نشوب معركة هنا وأخرى هناك ضمن نطاق الحرب الباردة، التي اندلعت في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، الحارقة جدا.
الحدث الأول، أفرز سؤالا تاريخيا قد يبدو هجوميا، لكنه ضروري - بل وحتمي - الآن مثلما كان في السابق، هو: إذا كانت حركة عدم الانحياز قامت لتكون غير منحازة لأحد القطبين. الآن وبعد زوال أحدهما، فـ «عدم الانحياز» لمن.. والحياد عن من.. والتوازن في ماذا؟!. والسؤال ربما يزداد إلحاحا، إذا ما أخذنا في الاعتبار، تضعضع مكانة القطب الآخر، الذي - لا يزال على قيد الحياة - على الساحة الدولية. ومن المفارقات التاريخية، أن «القطب الأمريكي» المتبقي، فقد بعضا من مكانته وهيبته، بعد زوال «القطب السوفييتي» المنافس، وأعطى مثالا غريبا للوهلة الأولى عن القوة والسيادة والهيبة، هو: أن السيادة الكاملة، لا تتمتع بالضرورة بالقوة المطلقة، وأن «فرادة» القطب لا تمنحه الهيبة المستمرة، وأن المتغيرات الدولية، لا تضمن استمرار الكبير - بحجمه - كما أنها لا تبقي على الصغير في قوقعته وفي حدوده الضيقة.
هذا عن الحدث التاريخي الأول الملتصق بحركة عدم الانحياز. أما الحدث الثاني الكبير - العظيم الأشد التصاقا والأكثر حضورا، فليس إلا الأزمة الاقتصادية العالمية الهائلة - المريعة، التي نالت من دول القطبين السابق والحالي، تماما مثلما نالت - وأحيانا بصورة أقوى - من دول الحركة «الجامدة». وإذا كان هناك من يمتلك مبررات على «ضرورة» استمرار الحركة، بعد اختفاء أحد القطبين اللذين بررا وجودها أصلا - بصرف النظر عن ضعف هذه المبررات - فإني أحد صعوبة بالغة، في العثور عمن يبرر فشلها، ليس في مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية - فهذه قضية أكبر من الحركة وأعنف من خطاباتها القوية وآلياتها «الناعمة» جدا - بل في أن تتوصل إلى استراتيجية موحدة، أو حتى خطة آنية أو مرحلية، للمشاركة في الحلول. بل فشلت في إيجاد آليات تشارك فيها دول أعضاء - ضمن الحركة - تكتسب مكانة دولية مرموقة ومؤثرة، تسهم في وضع حركة عدم الانحياز على الساحة الحقيقية، لا الوهمية.
ما قدمه قادة «عدم الانحياز لمن؟!» في قمة شرم الشيخ، مجموعة من الخطابات التي لم تعد رنانة، تضمنت الجمل نفسها، والشعارات نفسها، والذهنية نفسها. وبدا واضحا أنهم لم يقوموا إلا بتغيير تواريخ الخطابات من عام 1961 إلى عام 2009!. وطرحت على القمة، مشاريع لا تزال في طور الأحلام، بما في ذلك تلك التي أطلقها ملك ملوك إفريقيا العقيد الليبي معمر القذافي، وطالب فيها بتأسيس «مجلس الأمن الإفريقي»، و بمقعد لإفريقيا في مجلس الأمن الدولي، والتمرد على النظام الدولي الراهن، وإنشاء محكمة جنائية لدول الحركة، بديلاً عن الجنائية الدولية. بينما لم يطرح مشروع واحد يحدد إطارا للعمل الجماعي لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية. ولم تتضمن هذه القمة، حتى مراجعة طبيعية لعملها في السنوات السابقة. بل اكتفت بإشادة الرئيس الكوبي راؤول كاسترو بما «أنجزته» هذه الحركة، تحت القيادة الدورية لبلاده في السنوات الثلاث الماضية!. لم يطرح مشروع يتعلق بإصلاح جزئي - ليس كليا - لهذه المجموعة التي تضم 118 دولة. ويكفي الإشارة إلى أن حركة عدم الانحياز، هي المنظمة الوحيدة في هذا العالم، التي لا تمتلك نظاما إداريا واضحا، ولم تضع - منذ تأسيسها - دستورا أو مبادئ ولم تتفق على سكرتارية عامة لها، في وقت تتمتع فيه «مسابقات ملكة جمال العالم والكون» وغيرها بسكرتاريات عامة، تضع الضوابط والأطر، وتحدد السياسات العامة والخاصة، وتشرف على علاقاتها مع الجهات الأخرى.
في ظل أكوام مصائب الأزمة الاقتصادية العالمية، دعا كاسترو إلى «تفعيل» سياسات الحركة الاقتصادية لمواجهة تداعيات الأزمة، التي أثرت بقوة في اقتصادات دول الحركة، سواء تلك التي تتمتع بعضوية كاملة، أو تلك المنضمة بصفة مراقب»!. وعندما يقول رئيس كوبا: «تفعيل»، يفهم في ذلك أن هناك سياسات ليست «مفعّلة»، ينبغي تحريكها. لكن في الواقع، لا وجود لهذه السياسات على الساحة، بل لا يوجد أي شكل من أشكال التنسيق الواقعي، لا الدعائي. وقد ذكرني كاسترو بالممثل عادل إمام، الذي قال في إحدى مسرحياته: «إنه قام بدفع فاتورة الهاتف، بعد أن تلقى تهديدا من شركة الاتصالات، بسحب جهازه الهاتفي. لكنه في الواقع لم يكن لديه جهاز أصلا»!. وفي الوقت الذي «اتفق» فيه ما تبقى من القادة الثوريين في حركة عدم الانحياز، على ضرورة تأسيس «هيكل مالي واقتصادي جديد يستند إلى المشاركة الفعلية لجميع الدول، وخصوصا الدول النامية»، نسي هؤلاء أن هناك دولا - من داخل الحركة نفسها - تشارك في الوقت الراهن، في عملية التأسيس هذه، وكان ينبغي التنسيق معها، ووضع الآليات المنطقية - لا الوهمية - من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، وهو المشاركة الفعلية لجميع الدول الكبيرة والصغيرة.. النامية وتلك التي نمت منذ زمن بعيد.
كان من الأجدى للمشاركين في قمة شرم الشيخ، أن يجلسوا - بصورة فعلية لا مسرحية - مع خمس دول، تشارك في صنع القرار الاقتصادي العالمي، ويعملوا معها من أجل دور أفضل لدول الحركة في رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، أو على الأقل لوضع تصور عقلاني لمشاركة عالمية متوازنة، تزيل مشاعر الظلم، أو التجاهل لديهم. كان عليهم أن ينسقوا مع السعودية والهند وإندونيسيا والبرازيل والمكسيك، وهي دول أعضاء بصفة دائمة في «مجموعة العشرين»، التي تسلمت زمام المبادرة على الساحة الدولية منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية، بعدما فشلت كل المجموعات التقليدية - التاريخية الأخرى، في صد أمواج الأزمة. وهذه الدول بالمناسبة، ليست خارج نطاق حركة عدم الانحياز بل في صلبها، باستثناء البرازيل والمكسيك، اللتين تحملان «صفة المراقب» في هذه الحركة. ولا شك في أن هذا التنسيق - إن تم - سيحقق المزيد من العدالة المطلوبة على الساحة الدولية الاقتصادية. فإلى جانب مشاركة الدول المذكورة في صنع القرار الاقتصادي العالمي، هناك فهم إيجابي جديد لدى صناع القرار التقليديين - التاريخيين، بأهمية تطبيق ما أصبح يعرف بـ «سياسة الانخراط». أي أن الأدوات الموجودة على الأرض، ستساعد، الراغبين في الانخراط، على تحقيق أكبر قدر من الأهداف، ولكن ليس على طريقة الرئيس الكوبي أو رئيس زيمبابوي روبرت موغابي، أو الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.
ولنا أن تصور مستقبل حركة عدم الانحياز - إن بقي منه شيء - بعد ثلاث سنوات من الآن، عندما تتسلم إيران رئاستها في عام 2012. وقتها سيجد البعض أن الانحياز ضروري لتجنب الانغلاق القاتل والعزلة المميتة.