رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل شارفت أمريكا على الإفلاس؟ (2-1)

الولايات المتحدة دولة تعيش حاليا خارج حدود إمكاناتها ومواردها، فعلى الرغم من أن عدد سكان الولايات المتحدة يمثل تقريبا نحو 4.5 في المائة من سكان العالم، فإن هذه الدولة تستهلك نحو 25 في المائة من موارد العالم، أي خمسة أضعاف نسبة سكانها، ويتم تبرير ذلك بارتفاع مستويات الدخل الفردي الذي بلغ 47 ألف دولار في 2008. الولايات المتحدة أيضا تستهلك أكثر مما تنتج، وتمول هذا الفرق من خلال استخدام مدخرات الدول الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد مديونية هذه الدولة قبل الدول الأخرى في العالم.
لا يمكن لدولة ما أن تعيش خارج حدود إمكاناتها لفترة طويلة من الزمن، إذ لا بد أن يأتي يوم ما تتراكم فيها التزاماتها بصورة تعجز معها عن سداد تلك الالتزامات، وحاليا أخذ الدين الفيدرالي في الولايات المتحدة في الانفجار حتى بلغ مستويات تاريخية، فقد بلغ الدين العام الأمريكي حتى كتابة هذا المقال 11.370 تريليون دولار، وبما أن عدد سكان الولايات المتحدة يبلغ 306.4 مليون نسمة، فإن نصيب الفرد الأمريكي من الدين العام يساوي 37105 دولارات أمريكية، وهو ما يضع الفرد الأمريكي في مقدمة أكثر الأفراد المدينين في العالم. من ناحية أخرى فإن الدين الفيدرالي بهذا الشكل يشكل نحو 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا ما استمر الدين الفيدرالي في التصاعد بهذا الشكل في المستقبل، وهو أمر مؤكد بسبب العجز المالي الكبير الذي تعانيه الولايات المتحدة، فإن الدين الفيدرالي سيقترب من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس المقبلة، ومنذ نشوء الأزمة المالية العالمية في العام الماضي والدين العام الأمريكي يزيد بنحو 3.7 مليار دولار يوميا. ويتوقع أن يشهد عام 2009 فقط إضافة نحو تريليوني دولار إلى الدين الفيدرالي.
مع تضخم الدين الفيدرالي أخذت مدفوعات الفائدة على هذا الدين في التزايد تبعا لذلك، ففي عام 2008 بلغت مدفوعات الفائدة على الدين الفيدرالي 412 مليار دولار، وعلى الرغم من أن معدلات الفائدة على السندات الأمريكية في الولايات المتحدة تنخفض بشكل واضح حاليا وتقترب من الصفر، إلا أن تآكل القوة الشرائية للدولار سيدفع بمعدلات الفائدة نحو الارتفاع لاحقا، وهو ما يؤدي، مع تصاعد حجم الدين المحلي، إلى زيادة نسبة مدفوعات الفائدة على الدين إلى إجمالي الإنفاق العام في الولايات المتحدة، وهناك بعض التوقعات التي تشير إلى أنه من المحتمل أن تتجاوز مدفوعات الفائدة على الدين الأمريكي في المستقبل تريليون دولار سنويا.
مع نشوء الأزمة المالية اضطرت الولايات المتحدة إلى تحمل عجز كبير في ميزانيتها لدفع تكاليف عملية الإنقاذ الاقتصادي من تبعات أخطر الأزمات التي تعرض لها الاقتصاد الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية، وبلغ عجز الميزانية في العام الماضي أكثر من 1.3 تريليون دولار، أما العجز المتوقع في عام 2009 فيقدر بنحو 1.75 تريليون دولار، ويتوقع أن ينخفض العجز إلى نحو 1.1 تريليون في 2010، وهذا العجز لا يشمل خطط الرئيس أوباما بخفض الضرائب أو بزيادة الإنفاق العام. مع الأسف تتخذ الولايات المتحدة حاليا خطوات لمعالجة الانكماش يمكن أن تؤدي إلى تضخم جامح. فسياسات التيسير الكمي (طبع الدولار) التي يتبعها الاحتياطي الفيدرالي حاليا تؤدي إلى ضخ تريليونات الدولارات الورقية إلى عرض النقود، تحت دعوى أن أسواق الائتمان المجمدة حاليا تحتاج إلى توسع كبير في عرض النقود، وذلك من أجل تنشيط شرايين التجارة للعمل مرة أخرى.
ولكن كيف تسمح الولايات المتحدة للدين الفيدرالي بأن يصل إلى تلك المستويات الحرجة؟ الإجابة هي أن ذلك يتم في ظل التوقع بأنه حالما تتعدل الأوضاع وترتفع معدلات النمو الاقتصادي فإن العجز سينخفض كنسبة من الناتج المحلي، ومن ثم ترتفع قدرة الولايات المتحدة على سداد التزاماتها يساعدها على ذلك الوضع الفريد للدولار كعملة احتياط عالمية. غير أن اتباع الحكومة سياسات التيسير الكمي مع الاحتفاظ بعجز مالي ضخم يمثل المزيج المناسب لنشوء التضخم الجامح. في ظل هذه الحقائق فإن هناك بعض الشواهد التي تشير إلى تزايد الشك في قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار كدولة ذات ملاءة مالية على الأمد الطويل لدى المقرضين الخارجيين الأساسيين للولايات المتحدة، ويبدو أن الصين تحاول تنويع استثمارات صندوق ثروتها السيادي شيئا فشيئا بعيدا عن أدوات الدين الأمريكي كتعبير عن قلقها المتصاعد حيال مستويات المديونية المرتفعة للولايات المتحدة، أكثر من ذلك فقد بدأت الصين بالفعل في تحري البدائل الممكنة للدولار كعملة احتياط دولية. ومثل هذه المخاوف الصينية ناشئة أساسا عن المنظور المحتمل للتضخم الجامح الذي يمكن أن يقضي على جانب كبير من القيمة الحقيقية لاستثماراتها الدولارية، ويرجع ذلك إلى إيمان الصين بأن الولايات المتحدة لا يمكنها الاستمرار في خدمة عبء دينها العام المتصاعد دون اللجوء إلى التضخم كسبيل لتجنب إعلان الإفلاس الوطني، وهو ما يؤدي إلى تدهور القوة الشرائية للدولار، ومن ثم تراجع استثمارات الصين الدولارية. وفي أول حزيران (يونيو) 2009 صرح يو يوندينج المستشار السابق لبنك الصين المركزي بأن العالم يشهد أزمة مالية أخرى أساسها تراجع الثقة بالدولار إذا لم تحاول الولايات المتحدة زيادة مستويات ادخارها والسيطرة على العجز في ميزانها الجاري.
صورة الدين الفيدرالي على الرغم من قتامتها قد تبدو وردية إذا ما قارناها بالعجز المتوقع في برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والمرشحة لأن تواجه عجزا مرعبا في المستقبل. ففي خطابه أمام نادي الكومونوليث في كاليفورنيا أشار ريتشارد فيشر رئيس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن القيمة الحالية لتوقعات التزامات الضمان الاجتماعي غير الممولة في الولايات المتحدة تبلغ نحو 13 تريليون دولار. غير أن هذا المبلغ الضخم يعد معقولا جدا بالنسبة للقيمة الحالية لتوقعات عجز برنامج الرعاية الصحية الذي يتكون من ثلاثة أجزاء هي الجزء (أ) الذي يشمل الإقامة في المستشفيات، والجزء (ب) الذي يغطي الزيارات للأطباء، والجزء (د) الذي يغطي دعم الدواء. ووفقا للسيناريوهات التي عرضها فيشر فإن القيمة الحالية للالتزامات غير الممولة للجزء (أ) تبلغ 34.4 تريليون دولار، والجزء (ب) نحو 34 تريليون دولار، أما العجز في الجزء (د) فيصل إلى نحو 17.2 تريليون دولار، أي أن العجز المتوقع في برامج الرعاية الصحية في الولايات المتحدة يبلغ 85.6 تريليون دولار، أي أكثر من ستة أضعاف العجز في الضمان الاجتماعي، وهو أيضا أكثر من ثمانية أضعاف الدين الفيدرالي وأكثر من خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. وإذا ما تمت إضافة العجز المتوقع في الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية في الولايات المتحدة، فإن إجمالي العجز المستقبلي المتوقع في البرنامجين يصل إلى نحو 100 تريليون دولار، وهو رقم مرعب حقا. إذ يعني هذا العجز أن التزامات الخزانة العامة تصل إلى نحو 330 ألف دولار للفرد الأمريكي الواحد، أو نحو 1.3 مليون دولار لكل أسرة مكونة من أربعة أفراد، هذا العجز يساوي 25 ضعف متوسط نصيب الفرد من الدخل، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: كيف للولايات المتحدة أن تواجه هذه الأعباء الضخمة؟ ولذلك لم يكن مستغربا أن يعلن الرئيس أوباما أمام الاجتماع السنوي للجمعية الطبية الأمريكية أن (الولايات المتحدة قد تسير على طريق «جنرال موتورز»)، أي نحو الإفلاس «إذا لم يتم إصلاح نظام الرعاية الصحية»، ذلك أن أحد أسباب اضطراب «جنرال موتورز» و»كرايزلر» هي التكاليف الضخمة التي تكلفتها في سبيل توفير الرعاية الصحية لعمالها كافة، وهو ما جعل الشركتين أقل ربحية ومن ثم أقل تنافسية في مقابل باقي مصنعي السيارات عبر العالم. الولايات المتحدة تسير إذن حاليا على الطريق نفسه ما لم تتخذ إصلاحات هيكلية في برامج رعايتها الصحية. وقد كان إصلاح نظام الرعاية الصحية أحد وعود أوباما الانتخابية، وحاليا يوجد نحو 50 مليون أمريكي دون تأمين صحي، وقد اقترح أوباما خطة من عشر سنوات تتكلف نحو 1.6 تريليون دولار لكي تصبح الرعاية الصحية متاحة لكل الأمريكيين. وتشمل خطط أوباما الإصلاحية تشجيع المنافسة بين شركات التأمين الصحي لجعل تكاليف التأمين الصحي معقولة للمواطنين كافة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي