رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الدولار: داوني بالتي كانت هي الداء؟

يهيمن الدولار على النظام المالي العالمي. وقد أظهرت الأزمة المالية العالمية مدى سطوة ونفوذ الدولار على الاقتصاد العالمي. ويرى البعض أن هذه السطوة في طريقها للانحدار، ولكن الأزمة المالية العالمية أخرت هذا الانحدار، فقد قامت البنوك المركزية والصناديق الاستثمارية الحكومية أو ما يسمى بالصناديق السيادية بتقليل موجوداتها من الدولارات خلال السنوات الخمس الماضية. لكن ارتفاع الدولار مع الأزمة أضاع مكاسب العملات الأخرى.
ظهرت خلال الأسابيع الماضية دعوات مسؤولي الصين إلى النظر في دور الدولار في النظام المالي العالمي. هم غير راضين عن الترتيبات الحالية، وقد أشار البنك المركزي للصين في تقريره لعام 2008، الصادر أواسط هذا العام إلى أن الحاجة قائمة إلى صناعة عملة احتياط دولية غير مرتبطة بعملة دولة بعينها.
في يونيو الماضي، زار جايتنر وزير خزانة أمريكا الصين، أكبر دولة دائنة للحكومة الأمريكية، وحاول طمأنة الحكومة الصينية بسلامة استثماراتها المالية في أمريكا، وتحدث عن خفض عجز الميزانية عندما يبدأ الاقتصاد (الأمريكي) في التعافي.
وكرر جايتنر حديثا مشابها خلال زيارته للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات أواسط يوليو 2009، وتركز كلامه على أن الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على الدولار قويا. وقد سئل كيف ستحققون ذلك في ظل العجز غير المسبوق في الميزانية الفيدرالية؟ وأجاب بما ملخصه أن السلطات تعمل على تحسين مرونة وقوة الاقتصاد الأمريكي. والمحافظة على ثقة (العالم) بقدرة أمريكا على خفض العجز في الميزانية، وإصلاح النظام المالي وأن يكون المصرف المركزي الأمريكي (الفد) ملتزما وقادرا على إبقاء الأسعار مستقرة على المدى البعيد.
يتوقع أن يبلغ عجز الموازنة الأمريكية العام القادم 2010 حدود 1.2 تريليون دولار، وهو أقل من قرابة تريليوني دولار عجز قياسي متوقع هذا العام.
ورغم أن مكتب الميزانية OMB يرى انخفاض العجز خلال السنوات العشر القادمة، بحيث لا يتجاوز نصف تريليون دولار سنويا في النهاية، إلا أن كثيرا من خبراء الميزانية والمالية العامة يشككون في وجود إرادة سياسية لرفع الضرائب أو خفض الإنفاق. وقد صرحت مايا ماكقينز رئيسة لجنة الميزانية فيدرالية مسؤولة CRFB، بأن معظم المحايدين يرون أن أمريكا وصلت حدا بالغ الخطورة في أوضاع ميزانيتها.
هناك نقاشات تدور حول أن هذا العجز التاريخي يخفض قيمة الدولار إزاء العملات الرئيسية الأخرى. وهذا الرأي هو الأكثر انتشارا كما يبدو لي. سينخفض سعـر صرف الدولار وسيصحب ذلك حركة صك نقدي للدين monetisation من جهة، وارتفاع أسعــار الفائدة على سندات الدين من جهة أخــرى. حقيقــة، ارتفــعت أسعـــار الفـــائدة على هــذه السندات، لكن البعض رآها عمليات تصحيحية لماض خرج عن المسار الطبيعي، وقد كتب عن هذا مارتن وولف كبير المعلقين الاقتصاديين في جريدة «فايننشال تايمز» في عدد 2 يونيو 2009.
لكن هناك الفريق الآخر، الذي يرى العكس، بل يرى أن عجز الميزانية يقوي الدولار بطريقة غير مباشرة، كيف؟
تمويل الميزانية الأمريكية يسهم في زيادة عجز الحساب الجاري، لمقابلة انكماش الادخار المحلي مقارنة بالاستثمارات التي تنمو مع نمو عجز الميزانية، بالنظر إلى توجيه نسبة كبرى من تمويل العجز للإنفاق على البنية التحتية.
ويمكن إضعاف عجز الحساب الجاري عبر دولار قوي. ذلك لأن الادخار المحلي لا يكفي، ولا بد من جذب مزيد من رأس المال من خارج أمريكا، وهذا يتطلب عجزا أكبر في الحساب الجاري. وارتفاع سعر صرف الدولار (مصحوبا بارتفاع أسعار الفائدة) ربما كان أهم أداة لتحقيق عجز أكبر في الحساب الجاري.
وهناك فريق يوافق على أن الدولار سيتعرض للانخفاض في وقت ليس بالبعيد، لكن السبب ليس عجز الميزانية بل العجز التجاري.
السبب؟ ينخفض الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى (كاليورو والجنيه والين) عندما يتجاوز المعروض من الدولار في الأسواق العالمية الطلب عليه. وهذه مسألة لا علاقة مباشرة لها بعجز الميزانية. وفقا لهذا الرأي، سيتعرض الدولار للانخفاض حتى لو لم يكن هناك عجز في الميزانية، نظرا لضخ كميات هائلة من الدولارات في أسواق أسعار الصرف جراء العجز التجاري.
يمكن سد عجز الميزانية بالاقتراض ويمكن بالصك النقدي monetization أو ما يسمى أحيانا فرض ضريبة بالتضخم (تسمية عامة، وقد لا تنطبق على الدولار بسبب كونه عملة الاحتياطي الدولية). وستكون أسعار الفائدة أقل نتيجة هذا الصك النقدي، ولكنه ليس من الضروري أن تخفض سعر صرف الدولار. أما في حالة الاقتراض من خلال الأسواق المالية، فالنتيجة كما سبق، ارتفاع الفائدة وارتفاع الدولار. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي