رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مروة الشربيني.. دعواتنا لك من مكة المكرمة

أحدثت حادثة قتل الدكتورة مروة الشربيني في قاعة المحكمة في مدينة دريسين الألمانية وأمام القضاة والحراس والناس.. صدى واسعاً في كل المجتمعات الإسلامية التي اعتبرت الحادثة البشعة تحدياً عنصرياً صارخاً للعدالة الإنسانية، ونحن هنا لا نتحدث عن حادثة قتل فردية عابرة، وإنما نتحدث عن الأسباب الكامنة وراء جريمة نفذ فيها القاتل فعلته الشائنة تعبيراً عن عنصرية عميقة بدأت تتسع في كل أنحاء أوروبا وأمريكا، وتحمل شعارات تروج لها منظمات عنصرية هدفها ليس المسلمين فحسب، وإنما الإسلام بكل شرائعه ونظمه وأركانه.
حقيقة، كان وقع هذا الطعن المتعمد وبالصورة البشعة التي نفذت.. وقعاً مفجعاً ومقززاً ومستفزاً، ولذلك هَبّتْ كل الفعاليات الإسلامية بدءاً من بيت مروة الشربيني في الإسكندرية ومروراً بالقاهرة وأنقرة وطهران حتى مكة المكرمة.. هَبّتْ هذه الفعاليات تنادي بضرورة وضع حد للعدوان العنصري المتفاقم على المسلمين في بلاد الغرب.
ونحن من مكة المكرمة ومن أمام الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام احتسبنا مروة الشربيني إلى الله ودعونا الله سبحانه وتعالى أن يتولاها برعايته ويسكنها فسيح جنانه ويحشرها مع الشهداء والصديقين الأبرار وأن يلهم أهلها ويلهمنا جميعاً الصبر والسلوان.
دعونا نعود مرة أخرى إلى لب القضية ونتساءل : هل مقتل مروة الشربيني يأتي في إطار الحوادث الفردية العابرة، أم أنها حادثة تأتي في إطار الغل والحقد الذي أخذ يُؤَسّسْ في الأوساط الغربية ضد الإنسان المسلم المقيم في بلاد الغرب المتمسك بعقيدته الغراء وإسلامه الأقوم؟
إننا إذا استعرضنا ما يحدث للمسلمين في بلاد الغرب بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 نلاحظ أن المجتمع الغربى يتجه بفعل فاعل نحو ممارسة عدوانية شرسة ضد المسلمين الذين نزحوا إلى بلاد الغرب للدراسة أو بحثاً عن عمل.
وأمام المد الكبير لقوافل المسلمين في بلاد الغرب، فإن الفكر الغربي العنصري وضع للغربيين عديدا من التنظيرات العنصرية للعدوان على المسلمين المقيمين في الديار الأوروبية، وكانت أولى التنظيرات التي وجدت قبولاً واسعاً في المجتمعات الغربية هو تنظير صدام الحضارات لصامويل هانتنجتون، وانتهت حالياً بالعوروبا Eurabia أو أوروبا المستعربة، كما يسميها الغرب (وأنا أكتب المصطلح كما ورد في الأدبيات الغربية) ويعني المحاولات التي تبذلها الجاليات العربية الإسلامية لنشر الثقافة العربية الإسلامية في ربوع المجتمعات الأوروبية التي يسكنونها، ويظن الغرب أن سريان وجريان الثقافة الإسلامية في عروق المجتمعات الغربية يمهد لعودة الحكم العربي الإسلامي لأوروبا على قاعدة الأغلبية.
إن أكثر من روّج لهذا المصطلح في الأوساط الثقافية والسياسية في أوروبا هي الكاتبة بات يوور في كتابها المشهور عن المهاجرين العرب بعنوان «عوروبا»، وهذه الكاتبة تخصصت في الهجوم على العرب والمسلمين في المهجر الأوروبي، وأهم ما تهتم به في كتابها هو الهجوم العنيف على الإسلام، لأن الإسلام ـ كما ترى ـ يحارب بضراوة الشذوذ الجنسي ويسلب المرأة حقوقها المشروعة!
ولقد سبق أن كتبت مقالاً أفند فيه هذه المزاعم وقلت إن هذه الاتهامات لا تخلو من الإغواء والتطرف والعنصرية والمبالغات المدسوسة على العرب والمسلمين، ولكن لا ننكر أن الكثير من الأوروبيين يقبلون على الإسلام بقلب مفتوح ويتقدم بعضهم إلى اعتناق الدين الإسلامي والتحلل من أي ديانة أخرى دون إكراه أو جبر من المسلمين، ويساعد على ذلك أن القاعدة الغربية تقول إن حرية العقيدة مكفولة للجميع والكل حر في الممارسات التي يراها وفي اعتناق الديانة التي تروق له، ولكن الأوروبيين حينما رأوا تدفق الأوروبيين على الدين الإسلامي بدأوا يتحفظون على حرية العقيدة، وطفقوا يرسلون التهم جزافاً ضد المسلمين المقيمين في أوروبا ويتهمونهم بممارسة العنف لاستقطاب المزيد من الأوروبيين إلى الدين الإسلامي الحنيف، وفي إحصائية رسمية نشرت أخيرا في أوروبا تقول إن نحو 45 في المائة من تعداد سكان أمستردام في عام 1999 كانوا من أصول أجنبية، وهي نسبة يتوقع ارتفاعها بحلول عام 2015 إلى 52 في المائة معظمهم من المسلمين، كما أن المهاجرين المسلمين يحافظون على معدلات أعلى في المواليد من السكان الأوروبيين، ووفقاً لأحد التقديرات فإن أكثر من 15 في المائة من الفرنسيين بين 16 و25 عاما هم من المسلمين.
ومع استمرار الهجرة والارتفاع النسبي في معدل المواليد واحتمال توسع الاتحاد الأوروبي نحو البلقان وتركيا، وتركيا التي تحاول باستماتة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن المزيد والمزيد من مواطني الاتحاد الأوروبي سيصبحون مسلمين، وتأسيساً على ذلك فإن المسلمين سيشكلون ما بين 20 إلى 90 في المائة من تعداد السكان في بعض أحياء المدن في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وستكون غالبيتهم من الشباب، ويقول الغرب إنه لا يخشى على نفسه من المسلمين الآن ولكن يخشى من الجيلين الثاني والثالث (شباب وفتيات) الذين ولدوا في أوروبا ويعيشون في ثقافتهم الإسلامية بعيدين عن ثقافة المجتمعات الغربية، وتشكل هذه الشريحة لب المشكلة الديموغرافية التي تواجه أوروبا اليوم، ولو استمرت الأوضاع كما هي عليه الآن، فإن تلك العزلة مع الاهتمام بتعميق الثقافة الإسلامية بين أبنائها.. ستمزق ـ في المستقبل القريب ـ النسيج المدني لأعرق الديمقراطيات الأوروبية، بل هم يقولون إن الذين قاموا بالهجوم على الولايات المتحدة في 11 أيلول (سبتمبر) من أمثال محمد عطا قد بدأوا يتطرفون حينما كانوا يعيشون في أوروبا، بل إنهم يقولون إن سلسلة الهجمات والاغتيالات التي تعرضت لها أوروبا وبالذات التفجيرات في مدريد ولندن إنما جاءت من المهاجرين المسلمين الشباب الذين كانوا يسكنون أوروبا. وبعيداً عن هذه المزاعم والهرطقة الأوروبية، فإننا نقول إن المجتمعات العربية ـ الإسلامية تحرص على العيش بين المجتمعات الأوروبية بثقافتها الإسلامية وانعزالها العرقي والديني، ولكن دون أن تجبر كائنا من كان على اعتناق الدين الإسلامي، وهو ما كفلته لهم مبادئ حقوق الإنسان التي يتغنى بها الغرب في ديار الإسلام ولكنه ينكرها على المسلمين في بلاد الغرب.
إن حادثة قتل الشهيدة مروة الشربيني ستكون بداية حقيقية للقضاء على العنصرية الغربية التي بدأت تترنح أمام وثبة المسلمين ووقوفهم صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
وإذا كان الغرب يخشى أن يعم الإسلام في كل دياره، فإننا نقول إذا وصل الغرب إلى هذه المرتبة السامية، فإنه سيترفع عن كثير من الدنايا والفساد والعنصرية، وسيبلغ مرتبة المجتمع النقي الفاضل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي