رسالة من السويد (3) ما يجمع السعودية والسويد وما يفرقهما

قلت في الرسالة السابقة مما يميز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية أو حتى الإيديولوجيات السياسية أو المادية أو الروحية عند التعامل مع البشر هو المنطق الذي يستند إلى الحوار والجدل الذي يؤوي ويقبل الآخر.
والآيات التي تشهد على ذلك كثيرة وقد لا يستوعب الحيز المخصص لهذا العمود ذكرها، فالمسلم الحقيقي «يؤوي» اليتيم والمسكين والمستضعف والغريب ولا «يولي» ظهره أو «يعبس» في وجه الضعيف، ولا يقول «أف» لوالديه إذا بلغ منهما الكبر.
والقرآن نزل والإسلام ثبت أقدامه، قبل انطلاقته الكبرى لتغير مسار البشرية، في الأرض التي تعرف اليوم بالسعودية.
وإذا نظرنا إلى التاريخ من الناحية الإنسانية نرى أن العرب المسلمين هم قادة الدنيا ونبراسها عندما يتقربون ويطبقون النظرة القرآنية لإيواء وقبول الآخر ويضمحل دورهم الإنساني عند الابتعاد عنها.
وقد يقول القارئ ما شأن هذه المسألة بموضوع ما يجمع السعودية والسويد وما يفرقهما؟
أقول الخيط بينهما من السمك، حيث يمكن للعين المجردة رؤيته دون الاعتماد على الحواس الأخرى. وأسوق للقارئ العزيز هذه المقارنة البسيطة.
الغرب «المسيحي» يعتمد، بصورة عامة، في علاقته مع الآخر على «الاحتواء» والشرق المسلم يعتمد على «الإيواء»، وشتان بين المفهومين.
«الاحتواء» ينظر إلى الآخر ويتعامل معه كتابع. «الإيواء» ينظر إلى الآخر ويتعامل معه على أنه مساو له في القيمة الإنسانية. قد يسأل القارئ كيف يكون ذلك؟ الجواب: التاريخ الإنساني مملوء بالأمثلة.
بعد أن استقوى الغرب «المسيحي» وبدأ في التوسع، طبق سياسة «الاحتواء» بحذافيرها. في أمريكا مثلا رفضوا المساواة الإنسانية بينهم وبين سكان الأرض الأصليين، الهنود الحمر. وكم كان الهنود الحمر سذجا عندما اعتقدوا أنهم إذا اعتنقوا المسيحية فسينجون بجلدهم. دخلوا المسيحية أفواجا، ولكن «الاحتواء» ازداد قسوة.
ضع الشرق المسلم مكان الغرب «المسيحي» في أمريكا. إنني لعلى يقين أن الهنود الحمر لكانوا أسياد بلدهم الآن.
«الاحتواء» سياسة سلبية إن لم تكن بغيضة، طبقت على السود في أمريكا وجنوب إفريقيا وروديسيا (حاليا زمباوي) وعلى السكان الأصليين في أستراليا.. وتطبق حاليا على الفلسطينيين من قبل إسرائيل.
ويحز في قلبنا، نحن المتشبعون بالحضارة العربية الإسلامية، أن نرى معظم الدول الإسلامية تنأى بنفسها عن «الإيواء» وتطبق «الاحتواء» حتى مع مواطنيها، رغم أن الإسلام ينهر عنه.
والسويد، مرة أخرى، من حيث تدري أو لا تدري، تنتهج أسلوب الإيواء الإسلامي في نظرتها إلى الآخر وكيفية التعامل معه. وهذه نماذج على سبيل المثال لا الحصر:
- في السويد ينظر إلى المتخصصين والمتشبعين بالحضارة العربية الإسلامية من أمثالي على أنهم ثروة قومية، لهم من المكانة والاحترام والتقدير ما قد لا يحلم به أقرانهم في الاختصاصات الأخرى.
- الإسلام حاليا الديانة الرسمية الثانية في السويد بعد المسيحية، وقانون حرية الأديان في السويد يضمن للمسلمين حرية العبادة وأداء الشعائر، وما إلى ذلك دون تقييد أو خوف.
- السويديون الذين يتخذون الإسلام دينا ـ وبينهم شخصيات مرموقة وكتاب بارزون سنأتي على ذكرهم في رسالة قادمة ـ لم يحدث، على حد علمي، أن تعرضوا لأي مضايقات من أي جهة كانت.
- في السويد، وكنتيجة مباشرة لسياسة الإيواء التي تتبعها، لا خوف أبدا على مستقبل المسلمين فيه. بين الحين والآخر يحاول مسؤولون سويديون كبار طمأنة المسلمين على مستقبلهم في البلد عبر وسائل الإعلام المختلفة.
- وكي تؤوي المسلمين تحت خيمتها وكي تبرهن لهم أنها تهتم بشأنهم ودينهم أيما اهتمام، وأن دينهم دين التسامح والمحبة والتعايش والإيواء، وأن وجودهم بمثابة كنز وتاج في سياسة الانفتاح والتعدد والتنوع التي تتبعها، قامت الحكومة السويدية بمبادرة فريدة لتعريف شعبها بالدين الإسلامي. ولا يتوقع أن تقوم أي دولة أخرى في العالم الغربي بهذه الخطوة ما لم تكن متشبعة بمنهج الإيواء القرآني.
والمبادرة السويدية، وما أدراك ما المبادرة السويدية عزيزي القارئ.. وإلى الرسالة المقبلة.
أستاذ اللغة والإعلام
جامعة يونشوبنك ـ السويد

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي