رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الدوائر العلمية .. لماذا لا ينتج البحث العلمي العربي؟ (2)

قضية أساسية في هذا النقاش تحتاج إلى حسم (ولو جزئي) تحتاج إلى أن نتفق لأن معظم التعليقات على الجزء الأول من هذه السلسلة المقالية قد أبدت خلافا حول مفهوم البحث العربي. لذلك أطرح تساؤلا مهما قبل أن نكمل مسيرة النقاش، ما البحث العربي؟ أو بعبارة أخرى ما البحث الذي يمكن أن نصنفه عربيا؟ هل لأن الباحث عربي الأصل والمنشأ أو لأنه يتكلم العربية؟ هل نقول إن البحث عربي إذا نُشِرَ وكُتِبَ بالعربية وفقا للقول المأثور «من تكلم بالعربية فهو عربي»؟ لكن السؤال بهذه الطريقة فيه لبس يمكن توضيحه بالسؤال الآتي: هل البحث العلمي قومي؟ بمعنى آخر هل يمكن تصنيف البحث العلمي وفقا لفكر القومية؟ بحث عربي - بحث ألماني – بحث صيني، أو حتى عنصري كأن نقول بحث أبيض – بحث أسود – بحث ملون؟ هل هناك فرق بين هذا التصنيف وقولنا باحث عربي، باحث صيني، باحث أبيض وآخر أسود؟ القضية ليست في كلمتي باحث وبحث لكن الأمر يتعلق بمدلولات هاتين الكلمتين.
بشكل عام البحث لا قومية له وكذلك العلم لا وطن له. مفهوم البحث في إطلاقه يشير إلى منهجية البحث METHODOLOGY وليست طرق البحث «فقط»METHODS . فالمنهجية تشمل الطرق البحثية وكذلك طرق التفكير المنطقية للاستدلال وإثبات النتائج. فلا وطنية للمنهج العلمي البحثي ولا قومية لطرق الاستدلال والتفكير المنطقي والشك المنهجي العلمي فهي جميعا نتاج نمو العقل الإنساني على مر العصور وهي حق مشروع لكل الأمم. نعم يمكن لأغراض الدراسة التاريخية وتتبع مراحل تطور المنهج العلمي أن نتحدث عن منهج أرسطو وابن سينا وتعليقات ابن رشد وشك ديكارت وتجريبية بيكون، لكن لا يمكن عزل فترة عن فترة مهما تباعدت السنون أو الأمصار. إنه نمو العقل الإنساني من طفولته حتى اليوم.
والآن كأني بسؤال هذه السلسلة يتململ فهل يصح قولنا لماذا لا يُنتِج البحث العلمي العربي؟ أم لابد لنا من تغيير السؤال لنقول لماذا لا يُنتِج الباحث العربي؟ لكن الباحث العربي موجود في الجامعات العربية والغربية أيضا، والسؤال الذي طرح في المقال السابق يربط بين الأمرين معا، لماذا لا يُنتِج الباحث العربي في الجامعات العربية؟ لذلك وَصَفت هذا السؤال وفقا لهذا النص بأنه جميل. لكن المشكلة هي أن الباحث العربي «مُنتِج» بدليل تعليق في المقال السابق لقارئة (باحثة في مستشفى الملك فيصل التخصصي) تقول إن هناك أبحاثا من المركز في زراعة الأعضاء تم نشرها عالميا» انتهى. أليس هذا إنتاجا وعالميا أيضا؟ بالطبع تبدو الإشكالية الآن أنه لا يمكن إنكار جهود مؤسسة مثل مستشفى الملك فيصل وكذلك مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وباحثون عرب كثر ليس في المملكة فقط بل في جميع الدول العربية ولديهم نشر علمي واسع وفي مجلات عملية مرموقة. هل يمكن بعد هذا الدليل القول إن الباحث العربي غير «مُنتِج»؟هل يجب عليّ الاعتراف بخطئي في بدء هذه السلسلة؟ لكن هذا السؤال بصيغته مثار في المجتمع بشكل واسع – بل حتى داخل الوسط العلمي بذاته - ونحن بطريقة أو بأخرى نتلمس ذلك. قبل التسرع في الحكم هناك كلمة رئيسة في السؤال (وهي يُنتِج). لقد ناقشت حتى الآن مفهوم البحث العربي والباحث العربي لكن لم نصل إلى الاتهام الحقيقي وهو عبارة «لا يُنتِج».
كما قلت البحث العلمي كمنهج لا قومية له وهو «مُنتِج» بطبعه بدليل الثورة الصناعية واللاسلكية وثورة التلفزيون والاتصالات والآن الإنترنت والتقدم الطبي المذهل، كل ذلك نِتَاج المنهج العلمي الحديث – بكل مشكلاته وإشكالياته. لكن هل كانت نِتَاج الباحث العربي؟ هل هذه هي الصيغة الجيدة للسؤال؟ لماذا لا يُنتِج الباحث العربي «ثورات» مثل التي أنتجها الباحث الغربي؟ لاحظ أن هناك كلمة خطيرة دخلت في النقاش وهي كلمة «ثورات» مفردها «ثورة». فمن المهم الآن استجلاء كلمة «ثورة» قبل أن نواصل النقاش.
في هذا تجيبنا فلسفة العلم، فكلمة «ثورة علمية» أوردها «كون» KUHN في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» The Structure of Scientific Revolutions، والذي تمت ترجمته للعربية من قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ضمن سلسلة عالم المعرفة. الحقيقية أن هذا الكتاب مذهل والمفاهيم التي طرحها لم تزل تشغل فلاسفة البحث العلمي حتى الآن ومن ضمنها مفهوم الثورات العلمية ومفهوم العلم العاديNormal Science . وفقا لتفسير «كُون» فإن العلم يمر بمراحل، فمن مرحلة العلم العادي Normal حتى الثورة العلمية ثم مرة أخرى إلى العادي. هذه المفاهيم ترتبط بمفهوم المجتمعات العلمية Scientific Communities والذي قدمْتُ له في المقال السابق. فالنظريات العلمية يجب أن تحظى بدعم مجتمع علمي كي تصبح مقبولة كعلم يفسر ويتنبأ ويُدَرّس في الجامعات ومن أجله تؤلف الكتب الجامعية Text Books. فالكتب الجامعية تتبنى وجهة نظر مجتمع علمي (مدرسة علمية). المجتمع العلمي يدافع عن العلم الذي يتبناه (نظرية) لأن بقائها بقاء له ومن خلال هذا التبني يمكن لمجموعة الباحثين والدارسين حول العالم نشر أبحاثهم العلمية والحصول على الترقي العلمي – إذا تم النشر والبحث وفقا لتفسيرات النظرية وجوهرها – فلا يقبل النشر إذا كانت نتائج البحث تخالف النظرية المستقرة. كما قلت سابقا النشر العلمي يتم في مجلات علمية يسيطر عليها المجتمع العلمي الذي يدافع عن النظرية المستقر وهذا المجتمع يقوم بتحكيم البحوث قبل نشرها بل وتحكيمها مرة أخرى قبل الترقية العلمية. عادة لا يوافق المجتمع (باعتبارهم حراس العلم) على النشر إذا كانت نتائج البحث تخالف النظرية المستقرة. أي أنه يجب على الباحثين الكتابة وفقا للعلم العادي – بلا ثورات – وأي نتائج بحث تخالف العلم المستقر فإن «الشك» يكون في الباحث ودوراته وتدريبه وليس في العلم المستقر ولذلك ترفض نتائجه ولن يجد وعاء للنشر.
عندما ينشر الباحث العربي إنتاجه العلمي يجب عليه أن يعمل وفقا للعلم المستقرNormal Science وإلا فلن يقبل إنتاجه ولن يجد من يقرأ له وبالتالي لن يجد ترقية علمية، لماذا؟ لأن مخالفة النظرية المستقرة تثير الشك في الباحث وفي تدريبه وأدواته. لذا لا يستطيع الباحث العربي إنتاج جديد يخالف العلم المستقر. ويبقى السؤال، لماذا؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي