رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مجاملة الصين

مهما قيل عن تبني الصين لسياسات اقتصاد السوق فلا يزال اقتصادها بصورة أساسية موجهاً من قبل الحكومة، ومع ذلك حققت نجاحا اقتصاديا باهرا خلال العقود المنصرمة. واحتفظت الصين بنظرة التجاريين الساعين لتعظيم الصادرات والحد من الواردات. وساعدت سيطرة الحكومة على الاقتصاد على زيادة قدرتها على تبني سياسات تمييزية ضد الواردات. واعتمدت خطط التنمية الاقتصادية بقوة على التصدير للعالم الخارجي لجذب الموارد والاستثمار ونقل التقنية وتوظيف العمالة. واستفادت الصين كثيراً من حرية التجارة العالمية في رفع قيم صادراتها إلى مستويات فلكية. وفي المقابل عمدت الصين إلى وضع العراقيل في وجه الواردات وذلك لحماية وتشجيع صناعاتها وخصوصاً مع تغاضي العالم وتدليعه للصين والسماح لها بممارسة سياسات تمييزية ضد الواردات، طمعاً في نيل جزء من الكيكة الصينية الضخمة. وتعد الصين من أكبر الدول وضعاً للعراقيل في وجه حرية التجارة. وتستخدم وسائل كثيرة للحد من الواردات وتحفيز الصادرات ولعل أهمها تثبيت سعر العملة الصينية ''اليوان'' عند مستويات منخفضة. وتقدم الحكومة الصينية والجهات التابعة لها دعومات مباشرة وغير مباشرة لعدد كبير من السلع المصدرة. كما تقدم المصارف الصينية المملوكة من الحكومة الصينية قروضاً مدعومة للشركات الصينية وفي بعض الأحيان تتغاضى هذه البنوك عن القروض المقدمة للشركات مما يمثل دعماً مباشراً لهذه الشركات. وتحظى الشركات الصينية بحوافز ضريبية تمييزية مقارنةً بالشركات الأجنبية العاملة في الصين. وتشترط الصين أيضاً حداً أدنى للمحتويات الصينية في عدد كبير من الصناعات بما يمثل تمييزاً واضحاً ضد الواردات. وتميز قنوات توزيع المنتجات في السوق المحلية التي تسيطر عليها الشركات شبه الحكومية ضد الواردات. ويتم تقديم الدعم المباشر من الميزانية الحكومية لأنشطة البحث والتطوير. وتقدم أيضا الحكومة الصينية الأراضي بتكاليف زهيدة للصناعات الصينية. كما تتساهل الحكومة الصينية في تطبيق الأنظمة البيئية على الصناعات الملوثة للبيئة. وتتساهل الحكومة الصينية في تطبيق حقوق الملكية الفكرية. وتسمح بصناعة السلع المقلدة بل وتعد المصدر الأول للسلع المقلدة والمزيفة. وهناك تساهل كبير في تطبيق أنظمة الصحة والسلامة على السلع والأغذية المصنعة في الصين وجميع السلع المصنعة. كما أن هناك تساهلاً واضحاً في تطبيق الحقوق العمالية. وتستخدم الصين الأنظمة التجارية بقوة للحد من الواردات بما في ذلك استخدام أنظمة مكافحة الاحتكار والأنظمة الأخرى. كما أن لدى الصين الكثير من الأنظمة التي تتعارض مع حرية التجارة والتي منها معدلات التعرفة الجمركية المرتفعة على كثير من السلع وكذلك القيود الكمية على عدد آخر من السلع. كما تمنع الصين الصناعات الأجنبية من المشاركة في كثير من القطاعات الإنتاجية وخصوصاً السلع الأولية.
إن التجاوزات التجارية المسموح بها والمطبقة في الصين واسعة وكثيرة ويصعب حصرها. ولهذا فمن الغريب أن تفرض الصين رسوماً مضادة للإغراق على الصادرات البتروكيماوية السعودية للصين وهي التي تمارس طيفا واسعا من سياسات الإغراق التي تستفيد منه سلعها المصدرة للعالم. ومن السهل ملاحظة انخفاض أسعار السلع الصينية التي تغرق العالم بنوعيات رديئة من السلع والمنتجات وتسبب في أضرار واسعة للصناعات في المملكة وفي كثير من دول العالم. وتعاني السلع الصينية من تدني مستويات جودتها وخصوصاً الأغذية، حيث تعتبر كثير من دول العالم المنتجات الصينية الغذائية ذات مخاطر مرتفعة. وقد فرضت العديد من دول العالم قيوداً على واردات الدجاج الصيني نظراً لاعتباره غير آمن للاستهلاك الآدمي. وسترفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شكوى لدى منظمة التجارة العالمية بسبب وضعها قيود على صادرات المواد الأولية والتي من بينها الزنك وفحم الكوك وذلك لدعم الصناعات الصينية المحلية مما يعد ممارسة غير عادلة ضد حرية التجارة. وتدل تجارب دول العالم على أن القيادات الصينية ترى في عروض التعاون والمجاملة من الدول الأجنبية ظاهرة ضعف من هذه الدول ولهذا ينبغي التعامل بحزم مع التجاوزات الصينية التجارية. ويبدو في الفترة الأخيرة أن هناك تغيراً في مواقف دول العالم التجارية مع الصين، فقد كانت تحظى بغض الطرف عن ممارساتها التجارية غير العادلة، ولكن الدول الرئيسة الكبرى بدأت تراقب في الآونة الأخيرة تحركات الصين التجارية وتتوجه للتصدي لقضايا عرقلة التجارة الصينية. إن تراجع مستويات التجارة العالمية يدفع بالدول للتحرك لفرض عراقيل في وجه الاستيراد. وما لم تحظ هذه العراقيل التي تضعها الدول في وجه الصادرات السعودية برد قوي عليها، فإن هذه الدول بما فيها الصين ستزيد من مستوى العراقيل في وجه الصادرات السعودية غير النفطية. ولهذا ينبغي على المملكة وضع آلية تعمل بصورة آنية للرد على العراقيل الموضوعة في وجه تجارتها الخارجية من أي دولة كانت. وهناك أنباء عن فرض الهند لبعض القيود على بعض صادرات المملكة البتروكيماوية، وهذا ناتج من تقاعسنا بالرد على ضريبة الصادرات التي فرضتها الهند على الأرز المصدر للمملكة، والتي كانت مثلاً صارخاً من أمثلة العراقيل المصطنعة في وجه تصدير المواد الأولية للمملكة.
وتتجنب المملكة اصطناع أي نزاع تجاري أو غيره مع أي دولة، ولكن هذا المبدأ لن يمنعها من الدفاع عن مصالحها التجارية. وفرض الصين لرسوم إغراق على بعض الواردات من المملكة يضر بمصالح المملكة ويشكل بداية لنزاع تجاري ما لم تتراجع الصين عن هذا الإجراء. ومن مصلحة الصين تجنب البدء بأي نزاع تجاري مع المملكة لأنها ستكون الطرف الخاسر فيه. فمعظم صادرات المملكة من النفط الخام والذي يجب أن تكون الصين ممتنةً للمملكة التي تلبي جزءا كبيراً من احتياجات الصين النفطية الضرورية لاستمرار النشاط الاقتصادي. وفي المقابل تصدر الصين منتجات صناعية الكثير منها يخالف أنظمة مواصفات السلامة والصحة لعدد كثير من دول العالم. ومن السهل بل ينبغي تعديل مواصفات العديد من السلع أو تطبيق أنظمة مواصفات جديدة للسلع مما سيوفر المزيد من الحماية للمستهلك السعودي ويحد كثيراً من تدفق السلع الرديئة إلى المملكة والتي تشكل السلع الصينية جزءا كبيراً منها.
إن غض النظر عن الممارسات التجارية الصينية يعد مجاملةً لدولة لا تلتزم بأصول ومبادئ حرية التجارة بل تستغلها لأقصى حدودها للحصول على أكبر المكاسب دون منح الأطراف الأخرى الفرص التي تتمتع بها في أسواقهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي