الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي «الجزء الخامس»

في الجزء الخامس والأخير ضمن سلسلة المقالات الخاصة بالاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي سنتعرف على المحور الثالث والأخير: خيارات الاستثمار خلال دورة الازدهار والكساد الاقتصادية Boom Bust Cycle.
إن الاستثمارات في مجال الطاقة تحت أي ظرف لا يمكن أن تتوقف تماما, لكن في فترات الانكماش الاقتصادي، على قطاع صناعة الطاقة تحديد خياراته وأولوياته حول كيفية الاستثمار في مشاريع جديدة لتلبية الطلب في المستقبل. هذه الخيارات وقرارات الاستثمار تتم في ظل ظروف كساد اقتصادي عالمي، زيادة دور الحكومات في اتخاذ القرارات، واحتمال أن يكون الطلب المتوقع بعد الانتعاش مختلفا عما كان عليه قبل الكساد، كأن يكون أدنى مستوى مما كان متوقعا قبل سنة مثلا.
خلال المرحلة الراهنة على المستثمرين في مجال الطاقة في جميع أنحاء العالم إعادة النظر في استراتيجياتهم في الاستثمار في هذا المجال، على الرغم من أن الركود الاقتصادي العالمي لا يبدو أنه يتجه على نحو أسوأ، إلا أن توقيت وقوة الانتعاش الاقتصادي غير مؤكدة بعد, حيث إن حتى أكثر التحليلات الاقتصادية تفاؤلا، ترى أن عام 2011 من المحتمل أن يكون السنة الأولى للانتعاش القوي، بينما خلال عام 2010 فقط شكل وقوة الانتعاش الاقتصادي العالمي سيكونان أكثر وضوحا.
في ظل الظروف الراهنة هناك ثلاثة عوامل رئيسية تهيمن على استراتيجيات قرارات الاستثمار العالمي في مجال الطاقة.
تأثير الحكومات المتزايد في قرارات الاستثمار في قطاع الطاقة في الوقت الحاضر2. إن هذا العامل سيأخذ بعض الوقت قبل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها. حيث إن إحدى نتائج الأزمة الاقتصادية الحالية هو فقدان الثقة بآلية عمل الأسواق. ويتضح هذا بصورة خاصة في قطاع الطاقة، حيث يجري العمل حاليا في إعادة النظر في آليات تنظيم عمل الأسواق العالمية للطاقة وللنفط بصورة خاص، كما ازدادت مشاركة الحكومات في تشجيع أو تمويل المشاريع كما أشرنا سابقا. في الصين مثلا الحكومة تقوم حاليا بتمويل مشاريع محطات الطاقة الكهربائية ومشاريع خطوط النقل والتوزيع، وحيثما توجد حاجة إلى ذلك. في حين تدرس الحكومة الأمريكية حاليا تنظيم التجارة الإلكترونية غير المتسمة بالشافية وغير الخاضعة لأنظمة دولة معينة، وذلك للحد من المضاربة في أسواق الطاقة العالمية، على الرغم من أن هذا الموضوع لن يكون سهلا. في الوقت نفسه ومع قرب انتهاء المدة المقررة لبروتوكول كيوتو، والتي تنتهي عام 2012، الحكومات تشعر بضغط كبير للمضي قدما للتوصل لمعاهدات دولية بديلة بخصوص سياسات تغير المناخ في كوبنهاجن في كانون الأول (ديسمبر) من هذا العام, ففي هذا الصدد تسعى الحكومات إلى إثبات قدرتها على وضع برامج محلية والمضي قدما لتحقيقها، وذلك لتعزيز مواقفها التفاوضية في تلك المعاهدات. هذه الظروف يؤثر بعضها في بعض، حيث إن الحكومات التي حررت الأسواق من قبل تسعى حاليا وبشتى السبل إلى التأثير في الأسواق أو توجيه استهلاك الطاقة نحو أنواع من وقود ذات انبعاثات من الكربون منخفضة.
الطاقات الإنتاجية غير المستغلة في النفط والغاز والطاقة الكهربائية من المتوقع أن تستمر لعدة سنوات مقبلة. حيث إنه من غير المتوقع حاليا أن يتعافى الطلب على الطاقة بما يكفي للعمل على خفض الطاقات الإنتاجية غير المستغلة في وقت قريب من العقد المقبل، إلا إذا كان الانتعاش الاقتصادي حادا وعلى شكل V. إن إمدادات النفط في الأسواق العالمية في الوقت الحاضر كبيرة جدا، في الوقت نفسه تتجه صناعة السيارات العالمية نحو رفع كفاءة استخدام وقود السيارات لخفض الطلب على الوقود، إما عن طريق ضغط الحكومات، وإما من خلال قيام الحكومات بتقديم بعض الدعم المالي لأنواع معينة من السيارات أو من خلال اختيار المستهلك نفسه. غير أنه خلال الأشهر الثلاثة الماضية مبيعات السيارات الجديدة في الصين تجاوزت تلك التي في الولايات المتحدة، ما يجعل حدوث مفاجآت في الطلب على النفط ممكنة أيضا. أما في مجال الغاز الطبيعي الطاقات الإنتاجية غير المستغلة هي أكثر وضوحا في أسوق الغاز الطبيعي المسال، على الرغم من أن الولايات المتحدة تعاني فائضا في إمدادات الغاز المحلية أيضا. أما بخصوص الطاقة الكهربائية، فإن بعض التغييرات في سلوكيات استهلاك الطاقة في القطاعات التجارية والسكنية باتت واضحة في الولايات المتحدة. هذا إلى حد كبير نتيجة تضافر الركود الاقتصادي مع قواعد ونظم حكومية أكثر صرامة في مجال استهلاك الطاقة، ما قد يؤثر سلبا في تقليل الطاقات الإنتاجية غير المستغلة. أهم ثلاثة متغيرات هي: وضع متطلبات لمعايير الكفاءة أكثر صرامة وتحديد أهداف لخفض الطلب على الطاقة على مستوى جميع الدول الصناعية الكبرى، معدل أبطأ للنمو السكاني، وتوقع ارتفاع أسعار الطاقة بعد الانتعاش الاقتصادي. هذه العوامل التي أدت إلى الحد من الطلب واستهلاك الطاقة يمكن أن تطغى على العوامل التي أدت إلى زيادة الطلب على الطاقة في السنوات الأخيرة، مثل المنازل الكبيرة، ارتفاع مستويات الدخل، اعتماد أنواع جديدة من المعدات التي تستخدم الطاقة الكهربائية وغيرها.
على الرغم من أن مشاريع الطاقات الجديدة والمتجددة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، لكن العمل على تطويرها سيتواصل. تحسين كفاءة إنتاج واستخدام الطاقة أصبح هدفا عالميا وخصوصا للدول الصناعية الكبرى، يتضح هذا من الدعم المالي الذي تم تخصيصه لهذا الهدف في جميع برامج التحفيز المالية الحكومية. يأتي بعد الكفاءة في استخدام الطاقة جهود الحكومات، على وجه الخصوص في الولايات المتحدة وأوروبا، التي تشجع زيادة مشاريع الطاقات الجديدة والمتجددة، وذلك لمواجهة تحديات تغير المناخ وأمن الطاقة. كما أن تلك البلدان ترى أن الطاقات الجديدة والمتجددة يمكن أن توفر مصدرا لخلق فرص عمل جديدة وفي الوقت نفسه تقلل الاعتماد على الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقات التقليدية باتجاه صناعات أحدث منخفضة الكربون. لكن هذه المبادرة في الوقت الحالي تعثرت, وذلك لصعوبة توفير الائتمان المالي الكافي لمشاريع الطاقات الجديدة والمتجددة، كذلك عدم قدرتها على التنافس مع مشاريع الوقود الأحفوري منخفضة التكلفة. الاستثمارات المتحققة في تلك المشاريع كانت في الربع الأول من عام 2009 نحو 50 في المائة أقل عن المستوى المحقق في الفترة نفسها قبل عام, حيث إن كثيرا من الشركات العاملة في هذا المجال قامت بتقليص أنشطتهم وإلغاء أو تأجيل بعض المشاريع.
إن جميع هذه العوامل وسياسات الطاقة والاقتصاد وتغير المناخ للدول الصناعية الكبرى ستشكل تحديا كبيرا لقرارات الاستثمار لدول منظمة الأقطار المصدرة للنفط OPEC، في الاستثمار لإضافة طاقات إنتاجية جديدة. حيث تتزامن جميع هذه العوامل والسياسات مع أزمة اقتصادية خانقة وزيادة كبيرة في الطاقات الإنتاجية غير المستغلة لدى دول المنظمة تقدر بأكثر من ستة ملايين برميل في اليوم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي