«مجموعة الـ 195» بدلا من «مجموعة الـ 8»
أسئلة خفية أو هامسة.. وأخرى علنية، سادت قمة (الكبار) مجموعة الثماني في بلدة ''لاكويلا'' الإيطالية، بل طغت في بعض ساعات هذا الاجتماع - غير التاريخي - على القضايا الأساسية المريعة، في مقدمتها: الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها، وآثارها التي ارتسمت على الكبار والصغار ومن بينهم. تلك الأزمة التي جمعت كل القضايا في مصيبة عالمية مرعبة واحدة. الأسئلة الخفية والهامسة والعلنية ـ وما بينها أيضا ـ دارت على الشكل التالي: هل ينبغي الإبقاء على هذه المجموعة بدولها الثماني، والحفاظ على معاييرها وآلياتها؟ هل يجب تحويلها إلى ثمان (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا، اليابان، وروسيا) زائد خمس (الصين، الهند، البرازيل، المكسيك، وجنوب إفريقيا) زائد مصر.. لنصل إلى المجموع الكلي 14؟ أم يمكن تفعيل ''مجموعة العشرين''، التي هي نتيجة حاصل جمع، مجموعة مجموعتي الثماني والخمس مضافا إليها السعودية، الأرجنتين، أستراليا، إندونيسيا، كوريا الجنوبية، تركيا، والاتحاد الأوروبي؟ وإذا ما اتفقنا على التحول من ''مجموعة الثماني'' إلى ''الـ 14''، ماذا عن دول باقتصادات مهمة ومحورية أخرى في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.. والعالم العربي أيضا؟ بعضهم قال: لا.. لا، دعونا نفكر في الأمر أكثر. وقال البعض الآخر: بل ينبغي أن نحسم الأمر بسرعة. ولو كنت حاضرا هناك معهم في إيطاليا لاقترحت عليهم أن يستعيروا طريقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، الذي يجري القرعة، لاختيار المجموعات التي ستخوض المباريات النهائية في البطولات الدولية التي يقيمها!
لقد حوّل الكبار هذه القضية المحورية إلى ''بازار'' سوق الخضار، بهذه الفوضى، وبهذا الطرح، وبذلك الأسلوب. حولوها ـ وسط ركام الأزمة الاقتصادية ـ إلى ما يشبه عملية اختيار مجموعة من الصبية في الحارة لفريق يلعب كرة القدم في الأزقة، وغالبا ما يجري مبارياته من دون حكام! جعلوا من هذه القضية مشكلة متأصلة، وهم يجلسون على جبل من المشكلات، وكأن الأزمة الاقتصادية العالمية تجري في عالم يقع خلف الثقوب السوداء في هذا الكون. طرحوا هذه القضية المهمة ـ مرة أخرى ـ مستعينين بأدوات لجنة التحكيم في مسابقة ملكة جمال العالم، مع اختلاف كبير، هو أنهم أبقوا على نفس الملكة السابقة! يقول الكوميدي الأمريكي الشهير فريد آلين عن المؤتمر ـ بصفة عامة: ''إنه اجتماع لأشخاص مهمين، لا يستطيعون فعل أي شيء وحدهم.. ولكنهم - مجتمعين - يقررون أنه لا يوجد ما يمكنهم عمله''! ولو كان آلين على قيد الحياة، لألغى الصفة العامة للمؤتمر، واستبدله بمؤتمر ''لاكويلا''. لقد برهن الكبار مجددا، أن عظمتهم ليست على قدر سمعتهم، فالعظمة التي نعرفها يجب أن تتوازى حجما مع المسؤولية، كما أن الأمر برمته لا ينحصر بمن يمتلكون الإرادة ومن لا يمتلكونها، بل يرتبط بأولئك الذين يكونون على استعداد للتغيير.
على كل حال، شهد العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ظهور مجموعات للأقوياء انطلقت بخمس دول لتصل إلى ثمان. بدأت بفرنسا، ألمانيا، بريطانيا، الولايات المتحدة، واليابان، لتتحول عام 1975 إلى مجموعة الست بعدما أضيفت إيطاليا إليها، وبعد ذلك بعام واحد، أعيد تسمية المجموعة بسبع، في أعقاب انضمام كندا. ومع انفراط عقد الاتحاد السوفياتي، وفوز روسيا بوراثة ما تبقى من قوته (من بينها مقعده الدائم في مجلس الأمن الدولي)، انضمت إلى المجموعة، لكن السبع ''الكبار تقريبا''، فضلوا على مدى عشر سنوات تسمية المجموعة بـ ''7 زائد روسيا''، إلى أن اقتنعوا بأنها ـ أي روسيا ـ ليست هامشية لتوصف بـ ''زائدا''، بل أساسية لتكون ''ثامنا''. لقد أثبتت هذه التحولات في هيكليات ''مجموعات النخبة'' أو ''مجموعات الأقوياء'' أو ''مجموعات الكبار'' ـ لا يهم التوصيف ـ أن العالم خاضع لمتغيرات، تستوجب تطوير الآليات الموجودة على الساحة، بل وخلق آليات جديدة، إذا ما كان الأمر يتطلب ذلك. على هذا الأساس ازدادت المجموعات بأعدادها وبأعضائها أيضا، لكن هل كانت هذه المجموعات وآلياتها، بمستوى المتغيرات وضرباتها؟ وهل استطاعت هذه المجموعات أن تكون بقدر هاماتها؟ وهل شكل انتساب الأعضاء ـ على مراحل ـ لها، عاملا لفهم ما سيجري ـ قبل أن يجري- واستيعاب ما جرى ـ بعدما جرى ـ ومواجهة ما يجري على الساحة في الوقت الراهن؟
لقد أظهرت الأزمة الاقتصادية العالمية ـ من ضمن ما أظهرت ـ أن المجموعات بأعضائها (القدامى والمتجددين)، لم تكن على قدر سمعتها، وأن هذه المجموعات ـ التي يفترض أنها تقرر مصير العالم اقتصاديا ومعيشيا وسياسيا أيضا ـ لم تستطع الوصول حتى إلى تقرير مصيرها، في الزمن الذي تحتاج فيه إلى معرفة مستقبلها، وماهية ارتباطه بمستقبل بقية دول هذا العالم المصاب بوباء''الارتباك''. وفي الوقت الذي بدأ فيه العالم أجمع، يتجاوب مع ''مجموعة العشرين'' التي تشكلت عمليا قبل عشر سنوات، وتقبل حراك هذه المجموعة، ولا سيما في أعقاب الأزمة، شرع ''الكبار تقريبا'' في جدل لا ساحة له الآن، ودخلوا في ''فوضى الاختيار''، بينما يعيشون في فوضى اقتصادية، بدا فيها ''الكساد العظيم'' الذي ضرب العالم في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي كـ ''سحابة صيف''، وبدا فيها أيضا ''الكساد الطويل'' الذي انطلق عام 1873 ودام 65 شهرا كـ ''رحلة قصيرة''!
استطاعت ''مجموعة العشرين''، الإمساك بزمام الأمور ـ في أعقاب الأزمة ـ بعدما اعترف عدد قليل من المسؤولين الغربيين، من بينهم وزير المالية الألماني بيير شتاينبروك، بأنهم لا يسيطرون على الأمور! وحققت هذه المجموعة تقدما ـ ربما لا يكون كافيا ـ لكنه ضروري، على صعيد رسم الخريطة الاقتصادية العالمية، التي لم تستكمل بعد. وارتفع زخم فاعلية المجموعة، في أعقاب خروج إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن من البيت الأبيض إلى غير رجعة. لنا أن نقارن نتائج اجتماع ''مجموعة العشرين'' في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2008 في واشنطن تحت رعاية إدارة بوش، واجتماعها في لندن في نيسان (أبريل) الماضي في لندن، بإدارة أمريكية جديدة، فالأولى سادتها عجرفة سوداء من البيت الأبيض، والثانية لفها فهم الساكن الجديد في البيت الأبيض، لحتمية التعاون وعقم العجرفة. بعض المشاركين ـ ومن بينهم أمريكيون ـ في قمة ''مجموعة الثماني''، استوعبوا أهمية ''زميلتها'' العشرين، لكن البعض الآخر، لا يزال يفكر بالذهنية التي تشكلت مباشرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، التي صنفت العالم، بين منتصر ومهزوم، وبين فقير وثري، وبين قوي وضعيف. كان من الأجدى للمشاركين في قمة ''لاكويلا''، أن يعتبروها بمثابة اجتماع تحضيري لقمة ''مجموعة العشرين'' المزمع عقدها في الولايات المتحدة في أيلول (سبتمبر) من العام الجاري، وهو الشهر الذي اندلعت فيه الأزمة العالمية في العام الماضي. لقد أصبح العالم ـ ببعض كباره وكل صغاره ـ يعي أن المشكلات والمصائب التي يواجهها، يجب ألا تبقى في أيدي الكبار فقط، فقد ظلت في أيديهم عقودا من الزمن، عقدوا خلالها مئات القمم ''المكبرة والمصغرة'' وما بينها، وكانت النتيجة.. أزمة اقتصادية لم يشهد التاريخ مثيلا لها. إن العالم اليوم يحتاج إلى مجموعة تحمل اسمه، وترعى شؤونه في كل اتجاهاته، في الشمال كما في الجنوب، وفي الغرب كما الشرق. مجموعة لا تنال من الكبير، ولكن أيضا لا تستصغر الناشئ. وربما تفتح ''مجموعة العشرين''، في ظل وجود إدارة أمريكية فهمت أن هناك دولا - غير بلادها - في العالم، الطريق أمام تشكل أو تأسيس ''مجموعة الـ 195''، الرقم الذي يجمع كل دول العالم، بما في ذلك الثمانية الذين كانوا كبارا، أو الثمانية الكبار '' تقريبا''.