إلى دولة طالبان

إلى دولة طالبان

تحت جنح الظلام، اندفع مشاة البحرية الأمريكية، بالسيارات عبر الصحراء أو بالهبوط من المروحيات، بصورة ''كبيرة وقوية وسريعة'' إلى معاقل طالبان في مقاطعة Helmand. ووصل أكثر من أربعة آلاف من مشاة البحرية ونحو 650 جنديا أفغانيا إلى أهدافهم في غضون سبع ساعات فقط.
وتعتبر عملية الخنجر، التي بدأت في الـ 2 من تموز (يوليو)، أكبر حملة يشنها مشاة البحرية الأمريكية منذ أن استعادوا السيطرة على مدينة الفلوجة العراقية عام 2004. ولكن خلافا لزملائهم في تلك المعركة الدامية في المناطق الحضرية، يغرز مشاة البحرية الموجودون في أفغانستان الآن سيوفهم في الهواء. فمع ذوبان طالبان في عدة أماكن، فإن أكبر عدو لمشاة البحرية هو غالبا الجو الحار ''حرارة النار'' على حد تعبير قائدهم، الجنرال لاري نيكلسون. ويشتكي البعض من عدم إطلاق النار بصورة كافية لتخفيف عبواتهم الثقيلة.
إلا أن الجنرال نيكلسون لا يشعر بالإحباط. فهدفه ليس قتل جنود طالبان، بل حماية السكان. وقد تم إبلاغ قائد كل فرقة أن مهمته الأولى هي تنظيم مجلس، أو شورى، مع الشيوخ المحليين لتوصيل رسالة مفادها أن مشاة البحرية جاءوا ليبقوا ويوسعوا نفوذ الحكومة المركزية في كابول. وهناك عملية موازية هي Panchai Palang (أي مخلب النمر)، وهي عملية شجاعة ودموية تقاتل فيها القوات البريطانية طالبان للسيطرة على منطقة Nad Ali. وفقد البريطانيون سبعة جنود، بمن فيهم قائد كتيبة في حرس ويلز، المقدم Rupert Thorneloe، في هذا الشهر فقط.
وهناك هدفان رئيسيان لهذه العمليات: توسيع ودمج مساحات الأراضي التي يسيطر عليها حلف شمال الأطلسي على طول ''المنطقة الخضراء'' (شريط الأراضي المروية إلى جانب نهر Helmand وروافده) واعتراض سبيل تدفق مقاتلي وأسلحة طالبان عبر الصحراء من باكستان. ويتقدم مشاة البحرية إلى مناطق خاضعة للمتمردين في مقاطعتي Nawa وGarmser. كما تعمقوا في الجنوب لبناء قاعدة جديدة في مدينة Khanishin، التي سيحاول منها مشاة البحرية عرقلة طرق الإمداد لطالبان. وفي الـ 8 من تموز (يوليو)، تم رفع العلم الأفغاني على حصن المدينة الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ 18.
وقال الجنرال Stanley McChrystal، القائد الأمريكي العام، إن قواته قد تهاجم قريبا معقل Marja، وهو معقل حصين لطالبان ومهربي المخدرات. وقال طالبان إن ردهم على ذلك هو عملية Foladi Jal (أي الشبكة الحديدية) التي سيتم فيها تجنب المعارك المباشرة ولكنها ستلقن مشاة البحرية ''درسا'' عن طريق استخدام قنابل الطريق والكمائن. وتعتبر عملية الخنجر أول تحرك كبير منذ قرار الرئيس باراك أوباما بنقل القوات من العراق إلى أفغانستان. ولعل المستغرب هو أنه تم الشروع في الهجوم قبل أن تصل البحرية إلى كامل قوتها في Helmand، وقبل أن يستكمل الجنرال McChrystal الذي تم تعيينه أخيرا استعراضه للعمليات.
ويقول واضعو نظريات مكافحة التمرد إن مكافحة المقاتلين تتطلب الوقت والصبر (بل والمزيد من الجنود الأجانب والمحليين من أولئك الموجودين حاليا في أفغانستان). إلا أن الجنرال McChrystal على عجلة من أمره. وعليه تمكين أكبر عدد ممكن من الناس للتصويت في الانتخابات الرئاسية في أفغانستان الشهر المقبل، وعليه أن يثبت أنه عكس مجرى الحرب قبل انتخابات منتصف المدة الرئاسية في أمريكا العام المقبل. ولهذا السبب، يستخدم في الوقت الحاضر الخطة التي وضعها سلفه الذي تمت إقالته بصورة فجائية، الجنرال David McKiernan، الذي تم انتقاده في وزارة الدفاع لأنه كان، من بين صفات أخرى، حذرا للغاية وغير مبدع.
وأكبر تغيير تحت قيادة الجنرال McChrystal هو التعليمات الجديدة بالحد من الضحايا المدنيين. وجاء في ''الدليل التكتيكي''، الذي تم إصداره عند بدء عملية الخنجر، أن كسب دعم الأفغانيين أهم من أي شيء آخر. وهو يقول: ''علينا تفادي الوقوع في فخ تحقيق انتصارات تكتيكية - والتعرض لهزائم استراتيجية - عن طريق التسبب في وقوع ضحايا من المدنيين أو أضرار هائلة، وبالتالي تنفير الناس منا''. وقد يزيد هذا المخاطر التي يتعرض لها الجنود، إلا أن الخطر الأكبر هو دفع الأفغانيين في أحضان طالبان.
وهناك فقرة سرية تحدد كيفية تقليل الغارات الجوية. ولكن يقول المسؤولون إنه على أرض الواقع، انخفضت نسبة المعارك التي تتضمن دعما جويا عن قرب من 35 في المائة إلى 17 في المائة خلال الشهر الماضي. وفي صيف عام 2007، كان يتم إسقاط ما معدله 22 طنا من المتفجرات على Helmand كل شهر.
ومنذ عام 2006، اضطلعت قوة بريطانية غير متمكنة بمسؤولية Helmand، ويبلغ قوامها الآن 8.000 جندي، مع مساهمة أقل من الدنمارك وأستونيا وغيرهما. وأصبح أحد أخطر أجزاء أفغانستان، حيث ينتج أكثر من نصف الخشخاش في العالم. وبحلول الـ 7 من تموز (يوليو)، توفي 176 جنديا بريطانيا في أفغانستان، نفس عدد الجنود تقريبا الذين قتلوا في العراق (فقدت أمريكا 726 جنديا في أفغانستان، و4321 جنديا في العراق).
ولم يساعد وصول أول تعزيزات أمريكية في Helmand العام الماضي، على شكل وحدة قوات بحرية أمريكية قوامها 2400، على تحقيق شيء يذكر. وسينشر الأمريكيون هذا العام كتيبة كاملة من مشاة البحرية، نحو 10.000 جندي، إضافة إلى كتيبة طيران مقاتلة من الفرقة 82 المحمولة جوا، وذلك في محاولة للسيطرة على زمام الأمور.
وقد تم بالفعل التسبب في كثير من الأضرار بسبب العمليات غير الحاسمة. فقد كانت القوات البريطانية تشن الهجمات للدخول إلى مناطق المتمردين ولكنها سرعان ما تنسحب مما يسمح لطالبان بالعودة، وهذا يعرض السكان لعمليات انتقامية. ويعتقد القادة البريطانيون الآن أن هذا أسوأ من السماح لطالبان بالحفاظ على السيطرة. ويقول الحاج محبوب خان، وهو عضو في مجلس الشيوخ عن مقاطعة Garmser: ''قبل أن يأتي البريطانيون، كان الجميع سعداء لأنهم سيأتون ويقيمون الأمن ويعيدون بناء المنطقة. ولكن كل ما جلبه البريطانيون هو الفوضى''.
ويتضح من Nad Ali الكثير من الأخطاء التي تم ارتكابها. فقد كانت هذه المنطقة إحدى المناطق القليلة الموالية للحكومة. إلا أن الشرطة الأفغانية هناك فاسدة، كما هي في مناطق أخرى، وجشعة غالبا وتوجهها المصالح القبلية المحلية. وتسيطر قبيلة Noorzai على قوة الشرطة، وهذه القبيلة تسيطر على تجارة المخدرات المربحة. ولم تنجح محاولات إصلاح هذه القوة عن طريق تقديم دورة تدريبية مكثفة في المراقبة وفرض القوانين وعن طريق تعيين موجهين غربيين. والأسوأ من ذلك هو أن القضاء على حقول الخشخاش في Nad Ali دفع السكان إلى دعم طالبان. وتفسر هذه الأخطاء سبب رغبة أمريكا في تغيير التركيز في مجال مكافحة المخدرات من القضاء على حقول المزارعين إلى استهداف الوسطاء.
ويقول الجنرال نيكلسون إن حلف شمال الأطلسي سيغير وسائله: ''حيثما نذهب سنبقى، وحيثما سنبقى سنتولى زمام الأمور ونبني ونعمل نحو نقل جميع المسؤوليات الأمنية إلى القوات الأفغانية''. ومشكلة مشاة البحرية الأمريكية، ومشكلة قوات حلف شمال الأطلسي الأخرى، هي عدم وجود عدد كاف من الأفغان. فهناك 650 جنديا أفغانيا مشاركين في عملية الخنجر، إلى جانب 4.000 جندي من البحرية الأمريكية. ويريد الجنرال نيكلسون أن يكون عدد الأفغان مساويا للأمريكيين.
علاوة على ذلك، لا تحتاج أمريكا فقط إلى جنود أفغان بل أيضا إلى حكومة أفغانية - وليس في أفغانستان كثير من المؤسسات الحكومية الفعالة. وبدون هذه المؤسسات، يعمل مشاة البحرية الأمريكية دون اتصال فعال. ويقول الحاج محبوب خان: ''لا يريد شعب Helmand سوى السلام؛ هم حتى لا يريدون الإعمار، بل السلام فقط. ولكن إذا أرسل حلف شمال الأطلسي 100.000 جندي إضافي إلى Helmand، فلن يتمكنوا من تحقيق الأمن دون وجود حكومة جيدة خالية من كل هؤلاء اللصوص''

الأكثر قراءة