رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الملك عبد الله.. وتجديد صورة الوطن

التحديات الجسام التي واجهت السعودية خلال العقدين الماضيين كانت كفيلة بأن تسلب أي دولة توازنها وتفقدها الرؤية الصحيحة وأن تزعزع أمنها واستقرارها، إلا أن السعودية بقيادة الملك عبد الله التزمت منهج الحكمة في النظر للأمور من منطلق المصلحة الوطنية العليا وعدم الانسياق وراء الأحداث بردود أفعال انفعالية وحماس عاطفي لا يتعدى أن يكون فقاعة لا تغني ولا تسمن من جوع بل تجر الشر والويلات وتمنح الفرصة لأولئك الذين يتربصون بالبلاد للعبث باجتماعنا وأمننا، تارة باسم الوطنية الزائفة وتارة باسم الديمقراطية المنفلتة فضلا عن الأعداء الذين أعلنوا عداءهم الصارخ ونواياهم الخبيثة السيئة واضمروا الشر وإشعال فتيلة الفتنة. لقد سعى أولئك الأشرار المتطرفون إلى خلق وضع عالمي اختلط فيه الحابل بالنابل وتداخلت فيه المفاهيم واستحكمت فيه الكراهية والصراع الأيدلوجي، إلا أن السعودية نجحت في أن تنأى بنفسها عن هذا المناخ الملوث بسموم الإرهاب بجميع أنواعه سواء كان إرهاب دول أو جماعات وأفراد. هذا أمر يجب أن نقف عنده كثيرا بتأمل وتدبر ليعزز من موقفنا الوطني ووعينا بهويتنا وتماسكنا وإدراك أهمية اللحمة الفطرية بين الحاكم والمحكوم والعمل على تطويرها. لا شك هناك أخطاء فمجتمعنا ليس ملائكيا يعتريه ما يعتري المجتمعات الأخرى من حالات القصور، لكن العبرة في أن تكون الأخطاء ضمن السيطرة وأن يكون هناك سعي جاد نحو التصحيح والتطوير.
لقد سعدت وأنا أستمع لأحاديث بعض المواطنين سواء من السياح أو المبتعثين الذين وجدوا في الآونة الأخيرة تحسنا كبيرا في معاملتهم من قبل السلطات المحلية في دول شتى من العالم ويروون كيف أن المواطن السعودي أصبح مرة أخرى يلقى الاحترام والتقدير الجدير به. هذا التحول في الحقيقة يعود بالفضل ـ بعد الله ـ إلى سياسة الملك عبد الله وجهوده المباركة في إعادة بناء صورة السعودية كداعية للسلام العالمي والتقارب بين الحضارات والتعاون بين الشعوب. لقد بدأ برنامجا مخططا اعتمد على التقريب بين الثقافات وقيادة العالم نحو قيم التسامح وقبول الآخر والبحث عن المشترك. فكان أن بادر برعاية مؤتمر عالمي لتقارب الحضارات يضع حدا للإطار الفكري العدائي الذي كان يبثه البعض ويروج لصراع بين الحضارات بوضع سيناريوهات تدفع نحو التصادم والنزاع وتغليب منظور فكري وعقائدي بعينه على الآخر. بل إن هناك من أعلنها صراحة بأن الإسلام دين إرهاب وأنه الوحيد الذي يقف ندا للحضارة الغربية وتصوير صعوبة التعايش بين الإسلام والحضارة الغربية. هكذا إذا تصدى الملك عبد الله بدهاء سياسي وعقلية منفتحة وقلب كبير لهذه الحرب الشعواء على السعودية وأهلها والإسلام ومبادئه. حرب إعلامية شريرة مبنية على أكاذيب وأباطيل ومعلومات مغلوطة وأبواق إعلامية حاقدة مسترزقة تبث أنصاف الحقائق. لقد كانت مبادرة حكيمة جاءت لتغير الصورة الذهنية المشوهة ومخاطبة عقول وضمائر الشعوب وعدم الركون للقنوات الرسمية التي لا يتعدى تأثيرها جدران غرف الاجتماعات.
لم يكتف الملك عبد الله بالتأسيس لإطار عام ونقاشات فكرية تدفع نحو التعايش بين شعوب الأرض بل قام بمشاريع عملية من أهمها إنشاء جامعة عالمية بمستوى رفيع تكون تواصلا حضاريا وملتقى للعلماء والمفكرين في بلد الإسلام والسلام. هذه المبادرة تعكس حرصه على العمل المؤسسي والنجاح المشترك فمن جهة هي وسيلة فاعلة لنقل تقنية وثقافات الآخرين ومن جهة أخرى يتم التعريف بالسعودية وثقافتها باستجلاب العلماء والمفكرين والطلاب المميزين، الذين يمثلون النخب والمؤثرين والقيادات الواعدة في مجتمعاتهم للعيش والعمل والدراسة والبحث في السعودية . هكذا إذا يتم التأسيس لعلاقات متينة بين شعوب العالم في إطار علمي ثقافي يفيض بالنفع على الجميع ليكون مثالا نموذجيا للتعاون الإنساني وتحقيق المنفعة المشتركة. إنه التفكير الإيجابي الخير والقيادة التي ترى المستقبل وتسعى لتحسينه. قد لا يرى البعض هذه المنافع وقد تبدو في المدى القصير تكاليف غير مجدية ولكن ستثبت الأيام صحة رؤية الملك عبد الله لأن القياديين من أمثاله الذين يتمتعون بصفاء السريرة وهدوء النفس يرون الأبعد ويتطلعون للأفضل ويبنون للمستقبل والتأثير الأطول أمدا. جامعة الملك عبد الله ستكون ـ بإذن الله ـ انطلاقة لتواصل عالمي ومركز دولي يلتقي فيه الباحثون والمختصون وستضيف إلى إنجازات السعودية وتميزها.
وليكتمل عقد التغيير الثقافي وتطوير عملية التقارب مع الآخرين انتهج التوسع في ابتعاث أعداد كبيرة من الطلاب السعوديين للدراسة في جامعات دول العالم في الشرق والغرب فالفكرة هنا الاحتكاك بالثقافات الأخرى والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم وفي الوقت ذاته التعريف بثقافتنا المرتكزة على الكرم والمحبة والسلام ليدرك الآخرون أننا ليس كما يُدعى علينا أننا إرهابيون وإلصاق هذه التهمة فقط لأن هناك ثلة قليلة منا تاهت الطريق وخرجت عن الصف ولو كان كذلك فكل دول العالم إرهابية لأنه لا تكاد تخلو دولة من هؤلاء المتطرفين الشواذ، بل إن هناك حكومات ديمقراطية مارست الإرهاب بأبشع صورة باسم نشر الحرية واحترام حقوق الإنسان! كما فعل اليمين المتطرف وأحزابه السياسية في دول كثيرة، ومع هذا لا يمكن التعميم بالقول إن جميع الأحزاب والجماعات والأفراد الآخرين في تلك الدول ينادون ويقرون بهذه السياسات العدوانية بل إن الشعوب في الغالب تتحول بعد موجة التطرف العاتية إلى الوسطية السياسية أو حتى سياسات أكثر تحررا. قد يكون لدى البعض تحفظ على إرسال أعداد كبيرة من الطلاب خاصة لتلك الدول التي لم يكن تعاملها يرتقي للاحترام المتبادل على المستوى الرسمي، إلا أن وجود الطلاب المبتعثين وبما جبل عليه أغلب السعوديين من خلق وعادات وتقاليد كريمة أسهم في تغيير الصورة الذهنية السلبية التي زرعها الإعلام المغرض في أذهان الناس وإتاحة الفرصة لإطلاعهم على إرثنا الثقافي وطباعنا السليمة.
إن ما حققه الملك عبد الله منذ توليه مقاليد الحكم قبل أربعة أعوام يعد إنجازا بكل المقاييس إذ كان العمل برؤية واضحة والتزام بالتطوير وتحقيق مشاريع ملموسة ومؤثرة طالت جميع القضايا الداخلية والخارجية. ما يميز سياسة الملك عبد الله هو الموازنة بين الأصالة والمعاصرة، فمن جهة هناك حرص على الحفاظ على الثوابت الوطنية ومن جهة أخرى تطلع للتحديث والتفكير خارج المعتاد والبحث عن فرص جديدة وخلق أوضاع تعزز من مكانة السعودية بين الأمم كدولة تسعى لتحقيق السلم العالمي والتواصل الإنساني. إن ما قام به الملك عبد الله في سبيل تبيان الصورة الحقيقية للسعودية هو في واقع الحال توضيح لصورة الإسلام والعرب ولذا لم يكن مستغربا أن يقود الملك عبد الله الجهود العربية في تحقيق جهود السلام في المنطقة من منطلق الحل العادل والدائم. إن إرجاع الحق الفلسطيني يكون من خلال بناء تحالفات دولية مبنية على علاقات متينة لها جذور مؤسسية ورصيد سياسي وهذا ما فعله ويفعله الملك عبد الله بحكمة ورؤية ثاقبة وسيكون هذا ـ بمشيئة الله ـ نقطة التحول في جلب الدعم والتأييد لقضايا العرب والمسلمين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي