العدالة.. وراء الحكم ببراءة السعوديين!
في الأسبوع الماضي نشرت وكالات الأنباء العالمية الحكم الصادر من المحكمة العليا الأمريكية الذي قضى بعدم تحميل المملكة وعدد من الشخصيات والكيانات السعودية مسؤولية خطف الطائرات وتنفيذ العمليات الإرهابية التي حدثت في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودمرت مركز التجارة العالمي وبعض المواقع في الولايات المتحدة، من جهتها أيدت محكمة الاستئناف حكم محكمة الدرجة الأدنى برفض الدعوى القضائية التي تدعي أن السعودية وأربع من الشخصيات وهيئة سعودية ومصرفياً قدموا دعماً مادياً لتنظيم القاعدة قبل هجمات 11 أيلول (سبتمبر).
وللأسف تعامل الإعلام السعودي مع هذا الخبر المهم جداً وكأنه خبر عادي لا يستحق إلاّ أن ينشر ضمن مجموعة من الأخبار التي لا تستحق الإبراز، ولا أدري أين سينشر الإعلام السعودي هذا الخبر لو أن هذا الحكم القضائي قد صدر بإدانة السعوديين!
إن الحكم ـ من وجهة نظري ـ يعتبر من أهم الأخبار التي كان يجب أن يحتفي بها الإعلام السعودي، وكان يجب على الإعلام السعودي أن يشيع مناخاً مواتياً ويطالب كل الفعاليات السياسية في الدولتين بالعمل على تجديد وتوطيد العلاقات على المستويات كافة، لأن هذا الحكم لو صدر بالإدانة ـ لا سمح الله ـ كان يمكن أن يلحق أضراراً بالغة بجدار العلاقات التاريخية بين البلدين ويلحق أضراراً أكبر بالاقتصاد السعودي الذي كان سيدفع الثمن غالياً جداً.
إن التهمة الموجهة إلى السعوديين من التهم الكبيرة التي تقول إن السعوديين هم َمنْ قاموا بهجمات 11 أيلول (سبتمبر) ، وإن أسر الضحايا ـ بناء على ذلك ـ دفعوا آلاف المحامين إلى المحاكم للمطالبة بتعويضات لقتلى تجاوز عددهم الأربعة آلاف قتيل، ومصابين تجاوز عددهم العشرة آلاف مصاب، ناهيك عن سقوط مركز التجارة العالمي بما فيه على من فيه، إضافة إلى تقويض النظام الأمني الأمريكي، ونشر الفوضى في ربوع البلاد وترويع الناس في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بل في جميع أنحاء العالم.
إن إدارة الرئيس باراك حسين أوباما لعبت دوراً كبيراً ومهما في صدور حكم البراءة ، حيث إن إدارة الرئيس أوباما حثت المحكمة العليا على رفض الدعوى ، ولو تصادف أن القضية ـ وهي في مراحلها النهائية ـ قد ُنظرت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش لأخذت القضية مساراً مغايراً للمسار الذي صدر بالبراءة ، وكان من غير المستبعد أن تهيئ إدارة الرئيس بوش المناخ لصدور حكم بإدانة عدد كبير من السعوديين، ولا سيما أن بعض المسؤولين في إدارة الرئيس بوش كانوا يتشدقون ـ في كل المناسبات ـ بأن 14 سعودياً من أصل 19 إرهابياً هم َمنْ قاموا بأحداث 11 أيلول (سبتمبر) .
والحقيقة التي تعرفها المخابرات الأمريكية هو أن القاعدة نجحت في التغرير بحفنة من الشباب الذين وقعوا في فخ المخابرات الأمريكية، فدفعتهم للقيام بمثل هذه الأعمال الإرهابية المدمرة.
ومنذ اللحظات الأولى للعملية الهمجية أثبتت المملكة أن ليس لديها أي تدبيرـ لا من قريب ولا من بعيد ـ فيما حدث، بل إن المملكة أصابها ما أصاب الولايات المتحدة من الأعمال الإرهابية التي لا تقل ضراوة وبشاعة عن الأعمال الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة.
والآن، طالما أن الرئيس أوباما قد هيأ مناخ العلاقات بين البلدين لإعادة البناء، فإننا نستطيع القول إن مستقبل العلاقات السعودية ـ الأمريكية يتقدم نحو مزيد من التعزيز ومزيد من القوة، بل نلاحظ أن الأجندة الأمريكية في عهد أوباما تلتقي ـ في كثير من النقاط ـ مع الأجندة السعودية ولا سيما أن الرئيس الأمريكي قد اتخذ خطوة مهمة نحو تطبيع العلاقات مع العالم الإسلامي، وناشد العالم الإسلامي في خطابه الشهير الذي وجهه من القاهرة إلى العالم الإسلامي بأنه ساع إلى تحقيق مصافحة ودية وسلام شامل مع جميع الدول الإسلامية، ولعل أهم ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي هو إشادته بالمشروع الذي أطلقه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز من مقر الأمم المتحدة في نيويورك ودعا فيه كل مثقفي ومنظري العالم إلى حوار الأديان ونشر ثقافة السلام في جميع ربوع الدنيا، واحترام الخصوصيات بين جميع الملل والنحل، وإضافة إلى ذلك فإن الرئيس الأمريكي أعطى ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي أولوية وأهمية غير مسبوقة، وقال بضرورة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي على أساس الدولتين الفلسطينية وعاصمتها القدس والإسرائيلية وعاصمتها تل أبيب، ونعرف جميعاً أن هذا الملف من الملفات التي تحتل الصدارة في الأجندة السعودية ولا سيما أن السعودية وبالذات الملك عبد الله بن عبد العزيز هو مصمم المبادرة العربية التي تهدف إلى إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي وتحقيق السلام العادل والشامل والكامل على أساس الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام.
وفي هذا المناخ الدافئ فإن أمام الجانب السعودي مساحات واسعة للعب دور مهم من أجل تصميم اتفاقيات تعاون ومشاركة مع الولايات المتحدة باتجاه تطوير مجالات البحث العلمي وتقنية المعلومات وتنويع مصادر الطاقة وأهمها تطوير موارد الطاقة الشمسية والطاقة النووية للأغراض السلمية، والعمل على إعادة تحديث تكنولوجيا المرافق الصحية والزراعية وإعادة تجبير اتفاقيات التعليم وتنمية الموارد البشرية التي شهدت ـ للأسف ـ نكسة غير مسبوقة في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش.
ولكن قبل ذلك يجب أن نكون صرحاء مع الجانب الأمريكي فيما يتعلق بحرمة ديننا الإسلامي الحنيف، ونتمنى منه أن يفهم أننا لا نقبل من أي كائن من كان أن يقترب من هذا الدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل يجب أن يتأكد الجانب الأمريكي أو غير الأمريكي أن كل السعوديين ـ قيادة وشعباً ـ مستعدون أن يفدوا دينهم الأقوم بأرواحهم ونفوسهم وما ملكت أيديهم.
إن دور العديد من الفعاليات الاقتصادية بات متاحاً الآن أكثر من أي وقت مضى، فالعلاقات السياسية الدافئة تفتح المجال أمام اللجنة السعودية ـ الأمريكية لوضع الكثير من البرامج رهن البحث والتنفيذ، كما أن أمام مجلس الأعمال السعودي ـ الأمريكي الكثير من الفرص لإعادة طرح المشاريع المؤجلة على بساط البحث لتحقيق تطور في العلاقات الاقتصادية المتاحة بين البلدين في هذه المرحلة التاريخية، ولا ننكر جميعاً أن مجالات التعاون تتسع لتشمل جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والرياضية.