الدوائر العلمية.. لماذا لا ينتج البحث العلمي العربي؟ (1)
طالما قيل إن الجمال دليل على الحقيقة، لقد خلق الله - جل علاه - هذا الكون ليكون جميلا فالله جل شأنه جميل يحب الجمال. هذا «أحد» أهم شروطي لقبول الإجابة عن أي تساؤل سواء أجبت عنه أم أجاب عنه غيري, أن تتسق الإجابة وفي عبارتها ومفاهيمها بطريقة جميلة, والبساطة جزء من الجمال ولطالما كانت الإجابات العظيمة التي غيرت مسارات العلم بسيطة. في هذه الأيام، وكما هو الحال في جميع الأوقات هناك تشكيك كبير في مخرجات البحث العلمي وقدرته على حل المشكلات القائمة. وإذا كان هذا السؤال قد أثير سابقا في دوائر العالم الغربية ومن أجله وللإجابة عنه ظهر فلسفة العلم، إلا أنه في عالمنا العربي يتسع حتى التشكيك في قدراتنا العلمية والبحثية. إذا كان هذا التشكيك مبرر له إذا صدر من خارج دوائر البحث العلمي ومراكزه ولكن أن يمتد حتى يصل إلى الوسط البحثي والعلمي فإن الأمر يحتاج إلى نقاش ووقفة.
قال أحد الأصدقاء في نقاش جانبي عن الأزمة المالية إن هناك أبحاثا عربية كثيرة ولكنها لا تثمر شيئا، إنها مجرد أوراق تتناقلها أيد. متى تتحول هذه الأوراق إلى منتج حقيقي يلمسه الناس ويؤثر في المجتمعات؟ لقد أثارني هذا السؤال ليس فقط لأنني أنتمي إلى تلك الفئة التي تهتم بالبحث العلمي وتؤمن به وليس لأنه اتهام خطير بعدم قدرتنا على إنتاج شيء يفيد المجتمع, ولكن لأنه صدر من أشخاص ينتمون إلى الحركة العلمية والثقافية نفسها. مثل هذا السؤال أثير كثيرا، وأتذكر سؤالا مقاربا له وهو لماذا يبدع المثقف العربي في غير الجامعات العربية بينما يفقد ذلك الإبداع والتوهج في الجامعات العربية؟ هذا السؤال جميل لأنه يطرح مفاهيمه في سياق يتحدى الفكر وتشعر أن الإجابات في المتناول لكن عندما تبدأ ترتيب الأفكار لصياغتها فإنك تفقد بريق جمالها وتشعر أن جمال السؤال طغى على جمال إجاباتك فتسحب إجابتك. لا بد أن يتفوق جمال الإجابة على جمال الأسئلة لأنها تعكس الوجود الجميل بذاته.
للإجابة عن السؤال الأول أقول إن البحث العملي «تنافسي» وهناك علماء من أقصى الدنيا إلى أقصاها يقدمون تفسيرات للظواهر سواء كانت طبيعية أم إنسانية وهناك محاولات جادة لفهم آلية عمل هذا الكون وسلوك الإنسان فيه. بالطبع الجميع يقدم تفسيراته في أشكال نظرية ويجب أن تتسم هذه النظريات بالجمال المنطقي وأجمل المنطق هو الرياضيات لكن المنطق الرياضي لا يكفي وحده ليعكس الوجود فهناك التجريب. المنطق والتجريب يشكلان معا قوة البحث العلمي وقدرته على التفسير الناجح للظواهر والتنبؤ بها، وهناك أمر ثالث وهو تدريب الباحث ومصدر ذلك التدريب. منبع المنطق هو عقل الإنسان المحدود بخبرته. والتجربة أيضا محدودة بأدواتها، وتدريب الباحث بمدرسته. لذلك يظل الإنتاج المعرفي الإنساني بشموليته محدود بهذه الحدود الثلاثة وإن كان الحدان الأولان أخطر وأعظم تأثيرا، حد العقل وحد الأدوات.
مع تطور العقل الإنساني وتجاربه تتطور النظريات وتتغير ومع تطور الأدوات تتغير النظريات أيضا، فهل يتسم العلم بالثبات؟ السؤال الأكثر قسوة هو الذي أثاره توماس كون Thomas Kohn أحد فلاسفة العلم وتاريخه في القرن العشرين وهو يسأل هل هناك علم ابتداء، أم أننا ننتقل من تفسير إلى تفسير في دائرة مغلقة نسميها العلم؟ في مسيرته للإجابة عن هذا التساؤل طرح كون فلسفة المجتمعات العلمية. النظريات العلمية تتنافس للحصول على القبول العلمي والنظرية التي تجد مجتمعا علميا لقبولها والدفاع عنها لديها فرصة أكبر لتصبح المرجع العلمي للتفسير والتنبؤ. بعد ذلك لا يمكن للبحث العلمي أن يقبل وتقبل نتائجه ما لم يكن في اتساق مع النظرية المقبولة. نعم يمكن أن يضاف إليها لكنه لا يستطيع أن يعمل بعكس تفسيراتها الأساسية ومفاهيمها المحيطة. إذا فقبول إنتاج البحث العلمي مرتبط بقبول المدارس العلمية له (مجموعة من الأساتذة والعلماء المؤيدون لنظرية علمية ما). هذه المدارس تعتبر نفسها حراس العلم، فلا يمكن التشكيك في العلم (النظرية التي تؤيدها المدرسة) أو نتائجه أو العمل عكسها ما لم يتم إقناع هذه المجموعة العلمية بالتخلي عن جوهر المدرسة والنظرية التي يدافعون عنها. لكن دون ذلك خرط القتاد، لماذا؟ الإجابة عن هذا السؤال تجيب عن السؤال الثاني الذي أثرناه سابقا.
العالم يخبر العالم عن الإنتاج البحثي بواسطة النشر العلمي. ما هو النشر العلمي؟ إنه الوعاء الذي من خلاله تعلن مراكز البحث العلمية إنتاجها العلمي وتخبر بأن لديها جديدا. فأي المراكز العلمية سيهتم به العالم ويتابع إنتاجه؟ نعود لفكرة المدارس العلمية. كل نظرية علمية مستقرة لها مدرسة علمية وكل مدرسة علمية لديها وعاء للنشر – مجلة علمية ومؤتمرات سنوية وحوارات مستمرة. الإنتاج العلمي المؤثر يعتمد على قبول المدرسة العلمية له في المقام الأول. قبول المدرسة العلمية للإنتاج العلمي يعتمد أولا على مدى تناسق نتائجه مع نظرية المدرسة – وهنا يصعب تقديم جديد جوهري. ثانيا على ثقة المدرسة في الباحث وفي أدواته، فالمدرسة العلمية تعتبر نفسها حارسة للعلم ولا تقبل بإنتاج عملي (جوهري أو غير جوهري) ما لم تثق في الباحث وفي قدراته (تعليمه وتدريبه). بالطبع إذا تم إعداد البحث العلمي في جامعة غربية مصنفة عالميا فإن الشك في الباحث وأدواته يضعف، أما إذا تم إعداده في جامعات عربية غير مصنفة فإن الشك يتزايد ويصعب قبول البحث ونتائجه. السؤال الآن لماذا ترفض المدارس العلمية العالمية نشر البحث المعد في جامعات عربية غير مصنفة وتشك في باحثيها وفي أدواتهم؟ سأعمل في المقال المقبل على الإجابة عن هذا السؤال - إن شاء الله.