رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالطوب!

إن أي متخصص في مجال التجارة الدولية يستطيع أن يتوقع قيام دول العالم كافة برفع دعاوى إغراق باستثناء دولة واحدة وهي الصين! لأن الصين دائماً وأبداً تقف في موقف الجاني لا المجني عليه. فما من دولة حول العالم إلا واكتوت بنار الإغراق الصيني لأسواقها، ومن ثم قتل الشركات المحلية في مهدها، وما يترتب على ذلك من تصاعد لمشكلات البطالة وغيرها من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
فالصين (مصنع العالم) تعامل دائماً كمتهم، بل إن المتابع للتصريحات منذ وقوع الأزمة العالمية سيدرك أن الرئيس باراك أوباما تحدث صراحة عن أن الانهيار الأمريكي تقف وراءه الصين نتيجة إغراقها السوق الأمريكي بمنتجات رخيصة، أضعفت قطاع التصنيع الأمريكي، وعجلت بتفاقم العجز التجاري، الذي بلغ مع الصين وحدها بنهاية 2008 نحو 500 مليار دولار!
فقط أدعو القارئ العزيز للدخول على صفحة منظمة التجارة العالمية، وتحديداً رابط تسوية منازعات التجارة الدولية، سيلاحظ دون عناء أن جل قضايا الإغراق مرفوعة من جل دول منظمة التجارة العالمية على دولة واحدة وهي الصين. وهنا كانت الصدمة بالنسبة لي عندما طالعت خبر قيام الصين برفع دعاوى إغراق ضد المملكة بشأن صادراتها من البتروكيماويات. هنا تذكرت المثل الشعبي "من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالطوب".
ولكن علينا أن نتوقف عند هذا الأمر ونحاول تحليله، لماذا تجرأت الصين واتخذت هذه الخطوة؟ أضف إلى ذلك، ألم تعان السوق السعودية الأمرين على مدى العقود الماضية من إغراق المنتجات الصينية لأسواقها وما ترتب على ذلك من مشكلات اقتصادية يصعب حصرها؟ ولماذا لم تبادر المملكة باتخاذ موقف أو خطوة مماثلة تذكر الصينيين بالمثل الذي أشرنا إليه، حتى يوضع كل شيء في نصابه الصحيح.
من المعروف أن للإغراق صور متعددة، كما حدد نظام منظمة التجارة العالمية بدقة ماهية الإغراق وصوره وطرق إثباته. فالإغراق قد يكون إغراقا عرضيا أو إغراقا مؤقتا أو إغراقا دائما، وأخطر صور الإغراق هو الإغراق الدائم، وذلك عندما تتبنى الدولة المصدرة سياسة دائمة للبيع بسعر أقل من الأسعار التي يتم البيع بها في سوق بلد الإنتاج أو المنشأ. إذاً المسألة هنا ليست مسألة تحمل خسائر مؤقتة وإنما هي سياسة طويلة المدى، هدفها الاستمرار في البيع بهذا السعر. وتقوم فكرة الإغراق الدائم على أساس مرونة الطلب بالنسبة للثمن في كل من السوق الأجنبية وسوق المنشأ أو الإنتاج.
أما فيما يختص بمسألة التعامل مع الإغراق، فلنفترض أن المنتَج الوطني السعودي يعاني مشكلة عدم قدرته على مجاراة المنتج الأجنبي الوارد من الصين مثلاً. فيجوز رفع دعوى مكافحة الإغراق على المستورد للمنتج الصيني بحجة:
1. أن المنتج الصيني يباع في السوق السعودية بأقل من سعر بيعه في السوق الصينية، كأن تباع اللعبة في الصين بما يعادل خمسة ريالات في الوقت الذي تباع فيه اللعبة ذاتها في السوق السعودية بريال أو ريالين.
2. أو أن المنتج الصيني يباع في السوق السعودية بأقل من سعر التكلفة، بأن يكون قد تكلف في إنتاجه في الصين ما يعادل عشرة ريالات ويباع في السوق السعودية بسبعة ريالات.
3. أو أن شروط المنافسة بين كل من المنتج السعودي والأجنبي في السوق السعودية تعد غير عادلة لأن أحدهما يملك أحدث وسائل التقنية والآخر لا يملك.
4. كما قد تحتج المملكة بأن مجرد قيام دولة أخرى كالصين بخفض سعر عملتها فإنها تمارس إغراقاً لأنها ستشجع صادراتها وتخفض من وارداتها.
المهم في الأمر هنا أيضاً أن قواعد منظمة التجارة لم تقصر حق الدولة المضارة في اتخاذ إجراء لمكافحة الإغراق على حالة وقوع ضرر مادي، بل أعطت لها الحق في اتخاذ إجراء لمكافحة الإغراق على مجرد التهديد بوقوع ضرر. إلا أنه يجب أن يتم التحقق منه على أساس البحث الموضوعي لمعدل الزيادة في الواردات المغرقة، وطاقة المصدرين، والتأثيرات المحتملة في أسعار الواردات المغرقة، والمخزون، بشرط أن يتم تحديد هذا التهديد على أساس من الحقائق، وليس مجرد ادعاءات أو احتمالات بعيدة، كما يجب أن يكون تغير الأحوال – بسبب الواردات المغرقة – متوقعاً بجلاء ووشيك الوقوع.
لكن متى يكون هناك إغراق ومتى لا يكون. وقد جرى العمل على حساب الفرق بين سعر التصدير والسعر الذي يباع به المنتج نفسه أو منتج مشابه في البلد المصدر والفارق بين السعرين يسمى هامش الإغراق Dumping Margin. وقد نظمت اتفاقات منظمة التجارة العالمية تلك المسألة ويمكن الاسترشاد بالنقاط الأربع المشار إليها مسبقاً كما أنه أصبح لدى كل دولة من الدول الأعضاء في المنظمة جهازاً يسمى جهاز مكافحة الإغراق. حيث ترفع دعوى الإغراق ويجوز مقاضاة الدولة المغرقة أمام أجهزة منظمة التجارة العالمية. وأغلب القضايا المثارة أمام منظمة التجارة العالمية حالياً هي قضايا الدعم والإغراق وخاصة قضايا مكافحة الإغراق المرفوعة من الدول المتقدمة على الصين، التي تجتاح الأسواق العالمية حالياً بمنتجاتها الرخيصة.
إذاً، ماذا نستفيد من العرض أعلاه؟ إن السوق السعودي – شأنها في ذلك شأن أغلب الأسواق العالمية - وكما هو واضح للعيان تغرقها المنتجات الصينية ولكننا لم نسمع عن دعوى إغراق ضد الصين!
وبناءً عليه، وحتى تدرك الصين أن هناك نداً قوياً قادر على إسكاتها، ينبغي تفعيل جهاز مكافحة الإغراق الوطني، وفتح مكاتب له في مختلف المدن السعودية بحيث يكون أكثر قرباً من المستثمرين والمستهلكين، مع إمداد تلك المكاتب بالكفاءات القانونية والتجارية والتسويقية ليمكنها البت في الطلبات في أسرع وقت ممكن، وفي حالة ثبوت حدوث إغراق يتم تصعيد الأمر إلى جهاز منظمة التجارة العالمية من خلال ممثل المملكة الدائم لدى المنظمة. وفي الحقيقة، يتطلب رفع هذه النوعية من الدعاوى توافر كفاءات عالية التأهيل تجمع بين الخبرات القانونية والخبرات الاقتصادية، ولهذا أرجو أن يتم تعميم دراسة تخصص الاقتصاد والتجارة الدولية على طلاب القانون في الجامعات السعودية.
كما ينبغي أن ينزل جهاز مكافحة الإغراق للسوق - بشكل مستمر - من خلال موظفيه للتحقق من أسعار السلع المستوردة ومقارنة تلك الأسعار بالأسعار السائدة في بلد المنشأ حتى نضمن المنافسة العادلة للمنتج الوطني، لأن أمر التحقق والتثبت يخرج عن قدرات المنتِج الوطني، ولا يقدر عليه سوى جهاز مكافحة الإغراق. كما ينبغي ضمان أن يكون سعر تصدير المنتجات السعودية للخارج لا يقل عن سعر البيع في السوق المحلية السعودية أو ألا يكون أقل من سعر التكلفة وإلا ستتعرض المنتجات السعودية لدعاوى إغراق في أسواق الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية.
وحتى نتمكن من بناء قاعدة من الكفاءات في هذا المجال، ينبغي تمكين المكاتب الاستشارية والفنية الدولية من العمل على أرض المملكة لتكون عوناً للمنتج والمصدر السعودي في دعاوى الإغراق التي يرفعونها أو التي ترفع عليهم بدلاً من قيام كبار المستثمرين بالاستعانة بتلك المكاتب في خارج المملكة، وهو ما سينعكس في النهاية بالإيجاب على ثقافة التعامل مع هذه المشكلات داخل المملكة.
وأخيراً، ينبغي بث مزيد من البرامج والنشرات التعريفية للعامة والمنتجين في السوق السعودية لتعريفهم بماهية الإغراق وصوره وطرق التعامل معه، وأهم القنوات التي يمكن اللجوء إليها في حالة التشكك في حدوث إغراق للسوق السعودية من قبل منتَج أجنبي والعكس، وبالتالي نضمن المنافسة العادلة التي تمكن الصناعة السعودية (وخاصة المتوسطة والصغيرة) من الصمود والمنافسة في السوقين المحلية والعالمية. والله الموفق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي