لا أزمة في السيولة والتمويل.. وإنما أزمة من نوع آخر
أعلم أن حديث اليوم هو حديث الجميع، ولكنه حديث يغلب عليه طابع حديث المجالس وليس ذاك المبني على أرقام وإحصائيات، رغم ما قد يقال إنه لا توجد معلومات. المعلومات متوافرة ومنشورة تتحدث عن الوضع الحقيقي للتمويل في المملكة حتى نهاية شهر أيار (مايو) حيث بلغ إجمالي التمويل الممنوح للقطاع الخاص نحو 724.9 مليار ريال وبنسبة تراجع طبيعية بنحو 0.35 في المائة. أما معدلات الودائع فقد ارتفعت بنسبة أكبر من النمو في التمويل وبنحو 0.89 في المائة. أما المقارنة السنوية فنجد أن التمويل سجل نمواً سنوياً بلغ 7.6 في المائة. وكذلك الحال بالنسبة لنمو الودائع السنوي حيث بلغت 17.2 في المائة. وهذه الأرقام متوافرة في التقارير الشهرية التي تصدرها مؤسسة النقد في موقعها الرسمي لمن أراد مزيدا منها. وهي مشكلة كبيرة أن يخرج خبير أو خبراء ويقول أو يقولون عبر وكالات: إن الأرقام غير موجودة ولا توجد شفافية بهذا الخصوص. أعتقد أنه لا يوجد من يقرأ ويحلل الأرقام، أو لا يريد أن يحللها لأنها ستفضي إلى نتائج عكس تيار هواه. وإلا كيف يخرج علينا من يقول أن حجم الديون المتعثرة للشركات وقطاع الأعمال قد يصل إلى 150 مليار ريال!؟ أزمة قراءة ، أم تحليل، أم جهل أم تجاهل! لا أدري! وأترك الحكم لكم!
أعتقد أن أرقام القطاع المصرفي التي تخرج بشكل دوري تمثل أفضل شفافية لدينا مقارنة بكل القطاعات الأخرى التي تسمع أصواتها بين الحين والآخر تريد وتريد وهي لا تفعل ما يجعلها تستحق مطالباتها. حتى أن بعض القطاعات طلبت إنشاء صندوق تمويل حكومي بعشرة مليارات ريال لتمويل قطاعه! لا أدري لماذا عشرة مليارات وليس 20 مليارا أو خمسة مليارات!؟ لا أعترض على الأرقام، لكن أقرع جرسها وعلى من طلبها تبريرها!
كذلك يأتي من يطالب برفع الحصار عن المواطن والشركات ومنح التمويل لها دون أي قيد أو شرط، ويريد أن يكون حال البنوك وشركات التمويل كحال صندوق التنمية العقاري. فأين ثقافة (إبراء الذمم)؟ أين حقوق الغير؟ أم أن الطرح هدفه توسيع رقعة (الشعبية)! قد يكون ذاك! وأخيرا من يعترض عن عدم توظيف من لدية ديون قائمة ولم يلتزم بحقوق الآخرين. أي ثقافة نريدها للمجتمع؟! ثقافة الالتزام بالنظام وإعطاء الحقوق لأصحابها أم ثقافة أنا ومن بعدي الطوفان!؟ ثقافة (الإيفاء) بالعقود والمواثيق التي جاءت بها نواميس الشريعة السمحة، أم ممارسات (طنش) ونشر الفوضى الائتمانية ومن ثم التباكي على أطلال التشدد ووجوب عدم فتح المجال!
نعم هناك تراجع في التمويل وعلى وجه الخصوص بالنسبة لقطاع الأعمال، ولكن أسباب ذلك لا تعود لفقدان السيولة كما يتردد أو خسارة الممولين لمبالغ كبيرة!
تكمن أبرز مشكلات الاقتصاد السعودي في هيكلية قطاع الأعمال وبالذات القطاع الخاص 100 في المائة، خصوصاً بعد أن قامت الدولة ومنذ العام 2005م بإصلاحات هيكلية على المستوى الرسمي وتطورات كبيرة من ضمنها وليس كلها، التشريعات المتعددة، وذلك بحكم انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية WTO. زد على ذلك، إدراك واضح من قبل الحكومة بأن الوقت حان لإعادة هيكلة قطاعاتها بما يتناسب مع التحديات الجديدة وإن كان متأخراً بعض الشيء! أما القطاع الخاص فإنه قاوم وما زال يقاوم الإصلاح الهيكلي بكل الوسائل. حتى أن الانطباع الذي تكون لدي شريحة عريضة أن لا أمل في إصلاح القطاع الخاص الحالي، بحكم طبيعة النشأة ونمط تفكيره الذي اعتاد أسلوبا معينا و(رعاية) أبوية تصل إلى حد (الدلال). وبالتالي عليهم إما أن يصلحوا أنفسهم وإما أن يجدوا أنفسهم تائهين في قطاع خاص جديد منافس آت من العدم. وهذا ليس كلام نظري ولكن بدا اليوم واقعا معاشا من خلال الشركات التي تؤسس بشكل جديد وعلى أسس من الشفافية الجديدة سواء من رجال أعمال جدد أو بالتعاون مع شركات عالمية من كل دول العالم. وما يجب أن يدركه قطاع الأعمال أن عام 2010م بالذات سيشهد أو القطاعات التي أصبحت مفتوحة بالكامل للمستثمر الأجنبي بناء على التزام المملكة بشروط انضمامها لمنظمة التجارة العالمية. أي أن مسألة الحمائية ستكون تاريخا وإن كان هناك بسبب الأزمة كلام كثير في هذا الموضوع.
المهم أن عدم جاهزية القطاع الخاص ومعرفة أوضاعه المالية والحقيقة جعلا من طريقة التعامل معه من قبل الجهات الممولة قبل الأزمة المالية، التي تحولت إلى أزمة اقتصادية من منح تمويل على الاسم أو من خلال العلاقة الطويلة بين جهات التمويل والقطاع الخاص، أمرا غير ممكن الحدوث اليوم بسبب فقدان الحد الأدنى من المعلومات المالية حول القطاع الخاص كشركات أو أفراد بحيث لم تعد هناك أسماء كبيرة أو صغيرة أمام رياح التغيير التي بدأت وستستمر لفترة قد لا تكون قصيرة وغير ملاحظة! لأنه تغير جذري وليس تغيرا وقتيا وليس لدينا فقط ولكن في بلاد العالم أجمع. هناك أسماء رنانة، شركات وأفراد ستختفي، وأسماء كانت نكرة ستبدأ في البروز أو بدأت فعلا لدى المختصين.
وحسب المؤشرات الرسمية، فإن التمويل نما فيما يخص بعض قطاع الأعمال الذي لديه الحد الأدنى من الملاءة المالية وبشكل واضح وشفاف، ولكنة شبةه توقف لمن لا يتعرف له ملاءة مالية من عدمها، حتى وإن كان اسما قوياً. إذن على القطاع الخاص إدراك أن الحصول على الأموال لم يعد رخيصاً، إلا إذا كان لديه مستويات معينة من الشفافية والقدرة على إظهار نقاط القوة لديه، رجل أعمال أو شركات تمارس أعمالها الحقيقية، وليس الاستثمارية تحت مسميات مختلفة. كذلك طريقة تنفيذ الأعمال بدأت تتغير، فالمنافسة ستكون قوية ولن يستطيع البقاء إلا من لديه فكر إداري ناجح وقدرة على إدارة الأعمال على أسس علمية ومنهجية.
أتمنى من كل قلبي للقطاع الخاص وقطاع الأعمال عموماً النجاح وأن يصبح منافسا قويا محلياً وعالمياً، ولكن هذا يتطلب عملا كبيرا من قبل الجميع وليس فقط من قبل الآباء تجاه الأولاد. فقد كبر الأبناء وعليهم تحمل المسؤولية اليوم. والله من وراء القصد.