البحث عن المساكن في الصيف
ارتبط موسم الإجازة الصيفية للمدارس في ذهنية المجتمع السعودي ببعض المناسبات، وبتغيرات كبيرة في أنشطة الناس الحياتية، فهو موسم السياحة والسفر، وموسم السهر والنزهات العائلية في الكبائن والاستراحات، وموسم التسوق والبحث عن التنزيلات في الأسواق والمراكز التجارية، وموسم مناسبات الزواج وحفلاتها. ولم أتصور أن يكون أيضاً موسماً لنشاط أعمال مكاتب تسويق العقار وتأجيره، ولكن عند التفكير بعمق يظهر لنا أنه أمر طبيعي بسبب حمَّى بحث العرسان الجدد عن مسكن لبناء عش الزوجية، ولا سيما أن مناسبات الزواج واحتفالاتها تنطلق وتتزامن في الغالب مع موسم الإجازة المدرسية، ولا يمكن أن يتحقق لهم إكمال ذلك إلا بتوافر السكن المناسب.
ونظراً لكثافة الطلب على الوحدات السكنية المحققة لتطلعات الشباب، وكبر حجمه مقارنة بقلة المعروض؛ فإن أسعار المساكن وتكلفة إيجاراتها ترتفع بنسب تفوق إمكانات كثير من الباحثين عن عش لبداية حياة أسرية جديدة، وهو ما يرغم كثيرا من الأسر المتكونة حديثاً على دفع نسبة أكبر من دخلها للسكن، وتضطر لبداية حياتها وهي محملة بتكاليف تفوق مقدرتها المالية، وهو ما يدفع - من ثم - بالكثير من الأسر الشابة إلى الاقتراض من أجل الوفاء ببقية متطلبات الحياة المعيشية. ودخول هذه الشريحة في دائرة الاقتراض ودوامته المستمرة يدمر كل إحساس جميل لديها ويشوهه، ويجعلها تعيش الصراع المستمر مع الوفاء بديونها والتزاماتها. ومن هنا يتحتم على جميع قطاعات المجتمع المعنية بالإسكان العمل بجد لتوفير العدد الكافي من المساكن المناسبة لفئة الشباب من الناحية الوظيفية، التي تكون تكلفتها أيضاً متوافقة مع متوسط إمكاناتهم المالية؛ لتمكينهم من الزواج، وبناء الأسرة، خصوصاً أن غالبية المجتمع السعودي من فئة الشباب.
إن صعوبة الحصول على المسكن تؤدي إلى تأخر الشباب عن الزواج، الذي حث عليه الدين الحنيف، وأمر به؛ لإضافة لبنة في بناء مجتمع متماسك وقوي. لذا فإن توافر المسكن مهما كان صغيراً يؤدي إلى سرعة تكون الأسرة، وسهولة إنشائها، كما يضمن استقرارها النفسي، ويحقق متطلباتها الاجتماعية واحتياجاتها المعيشية. ويتعين علينا أن نتذكر أن الأسرة عماد المجتمع، والعمل على إيجادها بالشكل السليم يجنب المجتمع الوقوع في كثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، ويعمل - بعد ذلك - على رفاهية المجتمع ونموه.
إن سوق الإسكان يجب أن يوفر نماذج وبدائل ميسرة للمساكن التي تحقق المتطلبات الأساسية للأسر المتكونة حديثاً. ويلزم لتحقيق هذا الهدف العمل على ثلاثة محاور، يراعي المحور الأول توعية الشباب للقبول بمساكن صغيرة (نواة) قابلة للنمو مع نمو إمكانات الأسرة واحتياجاتها، أو الانتقال إلى مسكن أكبر عند توافر الإمكانات وظهور الحاجة. ويعمل المحور الثاني على تشجيع الادخار للإسكان من وقت مبكر، وليكن بعد التخرج مباشرة وعند الحصول على العمل، ضمن برامج مشجعة للجميع على المشاركة، واستخدام المبالغ المدخرة بوصفها دفعات أولية للحصول على المسكن مع تقديم تسهيلات التمويل وامتيازاته للمدخرين، ويتعين من خلال المحور الثالث تشجيع المطورين وتقديم التسهيلات التنظيمية والإجرائية التي تمكنهم من تقديم وحدات سكنية صغيرة وميسرة للأسر الشابة في جميع المشاريع الإسكانية.