الأئمة ومقدمات الشاي

الأئمة ومقدمات الشاي

قاتل من نوع جديد يطارد إحدى أكثر الدول التي مزقتها النزاعات في إفريقيا

يعيش الشاب السوداني نجم الدين أحمد مع فيروس نقص المناعة البشرية منذ ست سنوات. ولكنه رجل غير عادي. ففي منطقة شمال السودان الإسلامية المحافظة الورعة، لا يعترف بالمرض فقط، بل ينظم حملات نشطة لزيادة الوعي بالفيروس. وقد جمع 42 من زملائه المصابين في بورتسودان، على البحر الأحمر، لتشكيل إحدى أنشط جماعات دعم المصابين بالإيدز في الدولة. ويعترف أحمد عن طيب خاطر أن جماعته لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، الفيروس الذي يسبب الإيدز، في مدينة يسكنها نحو نصف مليون شخص.
وإضافة إلى مشكلات السودان الأخرى التي لا تعد ولا تحصى، مثل الحرب الدموية في دارفور، يجب على الدولة أيضا التعامل مع وباء شامل لفيروس نقص المناعة البشرية. ومن الصعب الحصول على أرقام موثوقة حول أي موضوع في السودان، ناهيك عن موضوع حساس كهذا. ومع ذلك، تم إجراء عدد كاف من الأبحاث لتأكيد بعض أسوأ المخاوف المتعلقة بانتشار فيروس نقص المناعة البشرية في الدولة. وكشفت آخر دراسة كبيرة عام 2003 عن أن نسبه انتشاره تبلغ 1.6 في المائة، إلا أن الخبراء يقولون إن النسبة ربما تقترب الآن من 3 في المائة. وفي المقابل، تبلغ النسبة في مصر المجاورة 0.1 في المائة؛ وتصنف منظمة الصحة العالمية أي نسبة فوق 1 في المائة على اعتبارها وباء.
وفي عام 2007، توفي 31.600 شخص جراء الإصابة بالإيدز في المنطقة العربية؛ ومن هؤلاء، توفي 80 في المائة في السودان. وفي الوقت الحالي، نسبة الإصابة في السودان أدنى منها في عدة دول أخرى في إفريقيا جنوب الصحراء، ولكن إذا توافرت لفيروس نقص المناعة البشرية الظروف المناسبة، يمكن أن ينتشر فجأة بصورة تخرج عن نطاق السيطرة. ويخشى الأطباء أن مثل هذه الظروف متوافرة في السودان بكثرة: فيها نسبة عالية من الأمراض التي تنتقل جنسيا بسبب الفقر والهجرة الداخلية، وكذلك النزوح بسبب الحرب.
إلا أن الجهل يسهم بصورة كبيرة في انتشار فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز. ففي دراسة لرجال الشرطة في ولاية الخرطوم عام 2005، كان 1.9 في المائة من أولئك الذين تمت مقابلتهم يعرفون أن الواقي الذكري قد يحميهم من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. وفي استطلاع شمل أئمة الدولة، كان 27.5 في المائة يعتقدون أن البعوض قد ينقل فيروس نقص المناعة البشرية. وفي حين أن الكثير منهم يعرف عن الواقيات الذكرية، إلا أن 8.5 في المائة منهم فقط "أشاروا إليها بوصفها وسيلة للوقاية".
ولكن على الرغم من الرغبة العامة واسعة النطاق في تجاهل أو التقليل من أهمية الوباء، إلا أن الحكومة الإسلامية للرئيس عمر البشير التزمت بمكافحة الإيدز، حيث أنشأت البرنامج الوطني السوداني لمكافحة الإيدز. ومع ذلك، لم تقدم الحكومة أية أموال تقريبا لدعم هذا الجهد، ولكنها أنفقت أكثر من 70 في المائة من الميزانية الوطنية على الجنود والأسلحة فقط.
وبدلا من ذلك، تعتمد الحكومة على الوكالات الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العالمي، اللذين يقومان معا بأعمال مبتكرة في الشمال المسلم للدولة، حيث يطلبون مساعدة الأئمة بل وحتى الزعيمات المتدينات من النساء. ويكمن الأمل في أن يتمكنوا من إقناع المسلمين ذوي العقلية المحافظة بتغيير أسلوب حياتهم ومواقفهم.

خذ مثلا ولاية كسلا على الحدود مع إثيوبيا وإرتيريا. فهذه الولاية تعاني أحد أكبر مشكلات فيروس نقص المناعة البشرية في الدولة، وأحد أسباب ذلك كونها نقطة للشحن العابر بين هاتين الدولتين والسودان. لذا وظفت وزارة الصحة 13 من الزعيمات المتدينات لتثقيف النساء عن سبب وانتشار الإيدز خلال صلاة الجمعة في مصلى النساء. وتعترف إحدى هؤلاء الزعيمات، وهي علوية لبيب عثمان، أن الإيدز يعني "وصمة عار" هائلة، ولكنها تقول إن وظيفتها هي "جعل الناس يتقبلون فكرة أنه لا يجب نبذ الأشخاص المصابين بالإيدز وأن المصابين بالإيدز لديهم حقوق متساوية". وتستشهد بآية من القرآن الكريم تقول: "لا تقنطوا من رحمة الله".
ويصدر عدة أئمة في كسلا رسائل عن فيروس نقص المناعة البشرية في خطب يوم الجمعة، مشيرين إلى أن الفيروس لا ينتشر فقط عن طريق السلوك الجنسي غير الأخلاقي ولكن أيضا عن طريق الدم الملوث. وسيناقشون بجرأة أيضا قضايا مثل الدعارة - خاصة "مقدمات الشاي" اللواتي يبعن المشروبات (وغيرها من الخدمات) لسائقي الشاحنات - والشذوذ الجنسي. ولكن لهذا التسامح الظاهر، الناتج عن الصوفية في السودان، حدوده. فالأئمة لا يشجعون على سهولة الحصول على الواقيات الذكرية خوفا من التشجيع على الإباحية الجنسية.
وعلى الرغم من حملة مكافحة الإيدز، إلا أن الجهل لا يزال كبيرا جدا. ففي دورة تدريبية للأئمة، اعترف أحدهم أنه افترض أن هناك حالة أو اثنتين فقط من الإصابة بالمرض في السودان وأنه ليس مميتا. وقد يستغرق الأمر جيلا كاملا، والكثير من أموال الحكومة، لتغيير هذه التصورات. ولكن دون بذل المزيد من الجهود المنسقة، قد يهدد فيروس نقص المناعة البشرية ومرض الإيدز بقتل أشخاص أكثر من أولئك الذين قتلوا في حروب الدولة المأساوية.

الأكثر قراءة