يستعد الفارس لاستضافة العالم

يستعد الفارس لاستضافة العالم
يستعد الفارس لاستضافة العالم

يواجه مضيف قمة مجموعة الثماني، سيلفيو بيرلسكوني، عديدا من الفضائح في الوطن. إلا أن أكبرها هو رفضه تقبل المشكلات الاقتصادية لإيطاليا.
#2#

حين يلتقي قادة أكبر اقتصادات العالم في الثامن من تموز (يوليو) بالقرب من مدينة L'Aquila الإيطالية لحضور قمة مجموعة الثماني هذا العام، سيجدون أنفسهم في بيئة مناسبة. فقبل ثلاثة أشهر ضرب زلزال مدينة L'Aquila أسفر عن 300 قتيل وتدمير واسع في وسط المدينة. ولا تزال هذه المنطقة تعاني توابع قوية للزلزال، وقد حدث أحدها في الثاني والعشرين من حزيران (يونيو).
وربما من المتصور أن أحدا من القادة المجتمعين لن ينكر أن اقتصاداتهم اهتزت أيضا من أساساتها. إلا أن أحدهم ينكر ذلك، وهو المضيف. فرئيس الوزراء الإيطالي، سيلفيو بيرلسكوني، يصر منذ البداية على أن الركود في إيطاليا لن يكون حادا ولا مطولا كما هو في مناطق أخرى.
وفي البداية، كان لهذا الرأي بعض المصداقية. فالنظام المصرفي في إيطاليا حذر من المشتقات ومعزول نسبيا عن بقية العالم، لذا لم تعان إيطاليا كارثة كتلك التي تسببت في انهيار المؤسسات المالية في أمريكا وبريطانيا. إلا أن المحللين يعطون أهمية أكبر شيئا فشيئا لاعتبارات أخرى. فالاقتصاد الإيطالي يعتمد اعتمادا كبيرا على الصادرات (يعزى ذلك جزئيا إلى ضعف الطلب المحلي) وبالتالي فهو معرض لانخفاض التجارة العالمية. والأكثر من ذلك هو أن الدين العام ضخم جدا (تزيد قيمته على 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وبالتالي لا تملك الحكومة مجالا كبيرا لتقليد دول أخرى والاقتراض لتقديم حوافز مكلفة. وكانت رزمة "مكافحة الأزمة" التي كشف بيرلسكوني النقاب عنها في السادس والعشرين من حزيران (يونيو) متواضعة للغاية: الجزء الرئيسي فيها تخفيض ضريبي بنسبة 50 في المائة لمدة 12 شهرا على الأرباح التي أعيد استثمارها.
وفي الأسابيع الأخيرة، خفضت المؤسسات المحترمة داخل إيطاليا وخارجها توقعاتها للاقتصاد، حيث لم تتنبأ فقط بحدوث ركود قاس، بل أيضا بانتعاش ضعيف في أفضل الأحوال في عام 2010. وتشير تقديرات المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي الآن إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا سيتقلص عام 2009 بنسبة 4.4 في المائة. وخفض بنك إيطاليا ورابطة أرباب العمل Confindustria، توقعاتهم إلى 4.9 في المائة. وفي أحدث تحليل وأكثرها كآبة، قدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الرابع والعشرين من حزيران (يونيو) أن تبلغ نسبة تقلص الاقتصاد هذا العام 5.5 في المائة. وصحيح أن أداء ثلاث دول أخرى في مجموعة الثماني أسوأ من إيطاليا، إلا أن الفكرة القائلة إن إيطاليا، التي تقدم أداء سيئا منذ 20 عاما، لن تعاني من التأثير الكامل للركود فكرة خيالية.
ومن الواضح أن مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على وجه الخصوص أحرج بيرلسكوني. فقد استجاب بغضب قائلا إن الوقت قد حان "لإخراس" أولئك الذين تحدثوا عن وجود "أزمة هنا وأزمة هناك". وأشار أيضا إلى أن على الشركات أن تسحب إعلاناتها في الصحف التي تنشر الكآبة (مع أن وزارة المالية الإيطالية غيرت سرا تقديراتها في أيار (مايو) لانخفاض الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.2 في المائة).

ونادرا ما تتطابق المظاهر مع الواقع في إيطاليا. فكثير من الاقتصاديين ورجال الأعمال يفترضون أن تصريحات بيرلسكوني الاستفزازية تخفي، كما هو الحال غالبا، هدفا أكبر. ويقول Michele Tronconi، رئيس الهيئة التجارية لقطاع الأزياء، Sistema Moda Italia: "أعتقد أن بيرلسكوني ووزير المالية، Giulio Tremonti يخشيان من انخفاض الاستهلاك الداخلي، ويحاولان زيادته". وقد اعترف بيرلسكوني تقريبا بهذا القدر، حيث صرّح أخيرا: "علينا أن نحاول إنعاش الاستهلاك. ويجب أن يعود الناس إلى أسلوب حياتهم السابق".
ولكن إذا كانت خطته هي بالفعل التعويض عن خسارة الصادرات عن طريق تضليل المستهلك الإيطالي لكي يزيد إنفاقه، فهي خطة محفوفة بالمخاطر، سواء بالنسبة للحكومة الإيطالية أو بالنسبة للدولة. فبيرلسكوني يعاني بالفعل مشكلة مصداقية في الداخل بسبب حياته الخاصة، بعد أن رفض الوفاء بتعهده بتقديم تفسير للبرلمان حول علاقته مع الفتاة البالغة من العمر 18 عاما التي تطمح أن تكون عارضة أزياء. وعليه الآن تحمّل مجموعة من القصص حول استقبال وترفيه المومسات اللواتي يتم استئجارهن عن طريق الهاتف في منزله في روما. ولا يسعه أن تتناقض مزاعمه بشأن صحة الاقتصاد مع الأدلة التي يراها ويسمعها الناخبون.
ويعترف Tronconi، الذي يؤيد حملة الحكومة المتفائلة، بالقول "أنا أعرف من تجربتي أن هناك أزمة عنيفة". فهو يترأس شركة منسوجات صغيرة مملوكة للعائلة، وقد انخفض الناتج في قطاعه "نحو 30 في المائة" مقارنة بالاثني عشر شهرا الماضية.

ويشير Fabio Pammolli من CERM، وهي مؤسسة اقتصادية فكرية، إلى أنه "بالنظر إلى كونها دولة ذات اقتصاد منقسم ومكون من شركات صغيرة، يتأخر الوقت الذي يصبح فيه الركود واضحا. فانهيار آلاف المشاريع الصغيرة لا يحتل الصفحات الأولى بالطريقة نفسها التي يحتلها خبر إفلاس كرايسلر أو جنرال موتورز". ولكن ذلك يظهر في الأرقام. ويقول Istat، مكتب الإحصاء الحكومي، أنه تم فقدان 204.000 وظيفة في الربع الأول من عام 2009. وفي نيسان (أبريل)، انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 22 في المائة وانخفضت طلبات الشراء بنسبة 32 في المائة مقارنة بالعام السابق.
وعن طريق الإصرار على أن كل شيء على ما يرام، يضيع بيرلسكوني وTremonti أيضا فرصة للشروع في إصلاحات لن تسهم فقط في تسريع انتعاش الاقتصاد بل أيضا في تحسين إنتاجية إيطاليا وماليتها العامة. وتضغط Confindustria على الحكومة لتنفيذ المزيد من الإصلاحات لنظام المعاشات التقاعدية غير المستدام (تنفق إيطاليا 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على المسنين، أي أكثر بنحو أربع نقاط مئوية من المتوسط في الاقتصادات الأكثر ثراء في الاتحاد الأوروبي 15). وتريد أيضا برنامجا للتحرير والخصخصة لتشجيع المنافسة، وزيادة الإنتاجية، وتخفيض تضخم الأسعار الاستهلاكية. وقد خلصت دراسة حديثة لبنك إيطاليا إلى أن مثل هذا البرنامج سيزيد خلال ثلاث سنوات الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا بنسبة 5 في المائة.

ولكن منذ عودتها إلى منصبها العام الماضي، أصبحت حكومة بيرلسكوني أكثر حذرا من أفكار السوق الحرة. وبتوجيه من Tremonti، مؤلف الكتاب الذي تنبأ بالأزمة الائتمانية، تبنت الحكومة سياسة الغموض الساركوزي. فليس لديها برنامج لإزالة القيود التنظيمية أو مبيعات الأصول. وهي ليست مستعدة لرفع سن التقاعد للنساء. وقد لمّح الوزراء من أنهم يخافون أن يتسبب ذلك بانخفاض الشعبية في مرحلة تحول حساسة جدا.
وقد يكون من الممكن تنفيذ إصلاحات المعاشات التقاعدية والقضاء على المصالح الخاصة المعارضة للتحرير والخصخصة إذا تم فعل ذلك باسم التقشف الوطني. فقد استجاب الإيطاليون بشكل بطولي في منتصف التسعينيات حين دعا رئيس الوزراء آنذاك، رومانو برودي، لتقديم التضحيات من أجل تنظيف الحسابات الوطنية استعدادا لعضوية اليورو.
ولكن على الرغم من أن بيرلسكوني قد ينجو من الفضائح التي عصفت به، إلا أنه لا يمكن أن يناشد الناخبين لتقديم دمائهم وعرقهم ودموعهم ما دام يصر على أن إيطاليا لم تتأثر تقريبا بالانهيار الاقتصادي العالمي - تماما مثلما نجت الثكنات التي يتم فيها عقد قمة مجموعة الثمانية من الزلزال.

الأكثر قراءة