بحثا عن انفراج العلاقات مرة أخرى

بحثا عن انفراج العلاقات مرة أخرى

في عام 1988، حين كانت الحقبة السوفياتية تقترب من نهايتها، سجلت فرقة روك روسية، هي Nautilus Pompilius، "رسالة وداع" تمثل علاقة الحب بين روسيا وأمريكا:

وداعا أمريكا، آه! المكان الذي لم أذهب إليه قط
وداعا للأبد.. لقد تخليت عن الجينز
لقد علّمونا أن نحب فاكهتك المحرّمة
وداعا أمريكا، المكان الذي لن أذهب إليه أبدا.

وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا تنفتح على العالم، كانت تودع أمريكا باعتبارها الحلم والمدينة الفاضلة. وبعد مضي 20 عاما، يحمل معظم سكان روسيا مشاعر سلبية تجاه أمريكا. فهم يعدونها ثاني أكبر عدو لبلادهم بعد جورجيا، التي تعد، منذ حرب آب (أغسطس) الماضي، وكيلة للولايات المتحدة. وفي اليوم التالي لانتخاب باراك أوباما رئيسا، اتهم نظيره الروسي، ديميتري ميدفيديف، أمريكا باستغلال النزاع في جورجيا كذريعة لتحريك سفن الناتو الحربية إلى البحر الأسود وتسريع فرض نظام دفاع الصواريخ في أوروبا الشرقية. وقال إن التوجه الأحادي لأمريكا هو المسؤول أيضا عن مشكلات العالم الاقتصادية. ولمواجهة خطط الدفاع الصاروخي الأمريكية، هدد ميدفيديف بوضع صواريخ في كالينينغراد، الجيب الروسي بين بولندا وليتوانيا.
ولم تعد الدولة التي سيزورها أوباما في السادس من تموز (يوليو) من أجل "الضغط على زر إعادة الضبط"، على حد تعبيره، تسعى للتكامل مع الغرب. فالمشاعر المعادية لأمريكا تجتاح الآن الجميع حتى الشباب والمثقفين، الذين لم يتأثروا بالدعاية السوفياتية. والغريب أن أمريكا العدو غامضة بقدر أمريكا الحلم. فهي ليست دولة بقدر ما هي قوة أخضعت روسيا في التسعينيات وفعلت كل ما بوسعها منذ ذلك الحين لمنعها من النهوض مرة أخرى.
ويعلّم المنهاج المدرسي الجديد المراهقين الروس أن الغرب يعادي روسيا منذ الأزل؛ وأن ميخائيل غورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي، كان مخطئا حين اعتبر الشركاء الغربيين حلفاء؛ وأن توسع الناتو في أوروبا الشرقية شجع الدول الغربية على التدخل في الشؤون الروسية. ومن وجهة النظر الروسية، فإن كل شيء تفعله أمريكا في العالم يستهدف روسيا وكل شيء يستهدف روسيا موجه من قبل أمريكا. وتقيّم روسيا نفسها وفقا لقدرتها على الوقوف في وجه أمريكا. إلا أن أمريكا تعد أيضا نموذجا للقوة تريد روسيا تقليده. فالتقليد والاستياء يسيران جنبا إلى جنب.
وإحساس روسيا بالنهضة ممزوج بعقدة نقص لها جذور عميقة. ويوضح تعليق حديث أدلى به سيرجي إيفانوف، نائب رئيس الوزراء وجنرال سابق في الاستخبارات السوفياتية، هذا الغموض. فقد قال تعليقا على نقل شحنات عسكرية إلى أفغانستان إن روسيا تريد السيطرة على ما يمر عبر أراضيها لأنها "ليست من جمهوريات الموز" (دول صغيرة غير مستقرة سياسيا ذات حكم ديكتاتوري واقتصاد بدائي).

وبدأ ينتشر الشعور بالهزيمة والإذلال الذي يعزوه الكرملين إلى أوائل التسعينيات بعد عدة سنوات من انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي أواخر عام 1991، بدلا من الشعور بالهزيمة، كان معظم الروس (57 في المائة على الأقل من الذين صوتوا لبوريس يلتسين قبل ذلك بعدة أشهر) يعدون أنفسهم منتصرين. وكانت مشاعر نحو 80 في المائة من الروس إيجابية تجاه أمريكا. إلا أن الحزب الشيوعي الذي حظر لفترة قصيرة والاستخبارات السوفياتية شعرا بأنهما تعرضا إلى الخيانة والإذلال. وبعد ذلك بعقد ونصف، تمكنا من عكس مشاعرهما على الدولة بأكملها.
وبالتالي، فإن مشاعر العداء الحالية لأمريكا التي تنتشر في روسيا ليست رد فعل على تصرفات أمريكا بقدر ما هي انعكاس لحالتها الذهنية. والسؤال هو: إلى أي مدى أسهمت تصرفات أمريكا في ذلك.

تفويت الفرصة

أسهمت نهاية الحرب الباردة عام 1989 في إحساس أمريكا بالارتياح والرضا. وكما وصف Jack Matlock، السفير الأمريكي في موسكو، في مذكراته، فإن "الطريقة التي كنا في ذلك الحين ننظر إليها، والطريقة التي كان غورباتشوف ينظر إليها، هي أننا انتصرنا جميعا في الحرب الباردة، فقد أنهيناها". وحين انهار الاتحاد السوفياتي بعد ذلك بعامين، فوجئت أمريكا حيث لم تكن مستعدة وسعت جاهدة لوضع سياسة للتعامل مع الوضع. وكان أكبر مصدر للقلق هو إزالة الصواريخ النووية من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة. ويقول Yegor Gaidar، رئيس الوزراء الروسي السابق المسؤول عن الإصلاح الاقتصادي، إن هذه كانت من أنجح العمليات التي شنتها روسيا وأمريكا معا.
ولم تكن سياسة أمريكا تجاه روسيا تسعى لتحقيق السيادة والتفوق، ولكن الغرب لم يقدم أيضا لروسيا مساعدات اقتصادية للحيلولة دون انخفاض مستويات المعيشة بشكل كارثي. فقد كان، كما يقول Gaidar، أكثر اهتماما باستعادة ديون الاتحاد السوفياتي التي ورثتها روسيا من اهتمامه بتحقيق استقرار نظامها المالي. وتم شطب ديون بولندا، ولكن لم يتم شطب ديون روسيا. وبحلول عام 1993، حين تولى بيل كلينتون الرئاسة وتعامل بإيجابية مع بوريس يلتسين، تم إغلاق نافذة الفرص الحاسمة. وكانت الأموال التي تمكن كلينتون من جمعها لروسيا قليلة جدا ومتأخرة للغاية.

وفي معظم أوقات التسعينيات، كان فحوى علاقات روسيا مع الغرب يتعلق بتحول روسيا إلى دولة طبيعية ومتحضرة. إلا أن هذا كان يتناقض مع توسيع الناتو، الذي كان يفترض أن روسيا مصدر خطر. وبالنسبة للغرب، كانت التوسعة تعني تعزيز الأمن في أوروبا. ولكنها كانت تعد في موسكو دلالة على انعدام الثقة وتجاهل طموحات روسيا. وكان من الممكن أن يتم بناء هيكل أمني جديد بحيث يشمل روسيا الديمقراطية، إلا أن هذا لم يحدث. وبدلا من ذلك، تم تغليف توسعة الناتو بلهجة لطيفة بشأن تعاون روسيا مع التحالف داخل مجلس الناتو - روسيا.

تستطيع روسيا الانتظار
لم يعد ذلك يبدو مقنعا حين بدأ "الناتو" بقصف الصرب، حلفاء روسيا في عام 1999. وكان هذا الحدث نقطة تحول في موقف روسيا تجاه أمريكا. وشعرت فجأة أن مقعدها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي حصلت عليه بصعوبة، تحول إلى مهزلة، وكانت توسعة "الناتو" تبدو كأنها تطويق لروسيا. وأصبحت روسيا حساسة بصورة خاصة بسبب حربها الوحشية في الشيشان. وكانت وسائل الإعلام الروسية، التي لم تكن بعد خاضعة لسيطرة الكرملين، تؤجج المشاعر القومية.
واتضح الموقف الجديد تجاه أمريكا عام 2000 في الفيلم القومي المتطرف Brother 2. ويحكي الفيلم قصة شاب روسي يسافر إلى أمريكا لتنفيذ بعض العمليات الانتقامية. وفي النهاية، بعد أن يطلق النار على بعض أفراد العصابات الأوكرانية، يذهب إلى المطار مع صديقته. وفي المطار، يخبر أحد ضباط الجمارك صديقته بأن صلاحية تأشيرتها قد انتهت وقد لا تعود إلى أمريكا أبدا، فتقوم هي برفع أصبعها الأوسط في وجهه دلالة على الازدراء وينتهي الفيلم بأغنية "وداعا أمريكا".
وانتهج جورج بوش الابن سياسة مماثلة رافضة. وبعد الأزمة المالية عام 1998، كان يبدو أن روسيا دولة فاشلة. ففي وزارة الداخلية، تم تقليص روسيا إلى مكتب الشؤون الأوروبية والأوروبية - الآسيوية مع 53 دولة أخرى. ويقول Thomas Graham، وهو مستشار سابق لبوش: "لم تكن أمريكا مستعدة للنظر إلى منطقة الاتحاد السوفياتي السابق من خلال عيون موسكو".
وتعامل فلاديمير بوتين، رئيس وزراء روسيا حاليا ورئيسها في ذلك الوقت، مع هذا الأمر بهدوء. وفي الواقع، كان أكثر تقبلا لأمريكا في العامين الأولين من رئاسته مما يريد الكرملين أن يعتقد الروس اليوم. فهو لم يعترض على المرحلة الثانية من توسعة "الناتو" التي تم فيها ضم دول البلطيق، وأغلق المنشآت العسكرية للحقبة السوفياتية في كوبا وفيتنام، وتكيف مع التغييرات الجديدة حين قررت أمريكا الانسحاب من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية، التي تعد رمزا لانفراج الحرب الباردة. ويقول إيغور إيفانوف، وزير الخارجية الروسي السابق: "قالوا لنا إنه إذا لم تكن أمريكا بحاجة إليها، فنحن أيضا لسنا بحاجة إليها. وكان كل شيء قائما على أساس الافتراض أنهم انتصروا في الحرب الباردة وأنهم سيبنون نموذج أمن خاص بهم". وسرعان ما أدرك أن الاحتجاجات لن تحقق له شيئا.

ويقول Andrei Illarionov، المستشار الاقتصادي لبوتين الذي استقال احتجاجا على تصاعد الحكم الاستبدادي، إن بوتين كان مدركا تماما أن روسيا تواجه تهديدات من الجنوب والشرق، لا من الغرب. وقد كان بوتين أول زعيم عالمي يتصل ببوش بعد الهجمات الإرهابية عام 2001. ويقول Illarionov: "كان يعد الـ 11 من أيلول (سبتمبر) فرصة روسيا الفريدة للدخول تحت مظلة الناتو".
وتطوع بوتين بالاستخبارات الروسية في أفغانستان، وألغى المناورات العسكرية في المحيط الهادئ، وساعد أمريكا على الوصول إلى دول آسيا الوسطى. وللوقوف إلى جانب أمريكا بهذه الطريقة الواضحة، كان على بوتين التغلب على المعارضة العنيفة من كبار العسكريين في روسيا. وكان هذا يتطلب إرادة سياسية. فمساعدة أمريكا حين كانت تشعر بالضعف لا يجعل روسيا تبدو قوية فحسب، بل يعد أيضا أفضل طريقة لاكتساب القبول الكامل في النادي الغربي. إلا أن بوش لم يرد بالمثل. فقد كان يقابل بوتين ولكنه لم يشعر أنه يدين له بأي شيء. ولم تكلف أمريكا نفسها حتى عناء إزالة تعديل جاكسون - فانيك، الذي يعاقب الدول التي لا تتصرف وفق سلوكيات السوق والتي تفرض قيودا على الهجرة. ولم يبال بوش بمخاوف روسيا المشروعة، ولكنه كان متساهلا فيما يتعلق بسوء استغلال الكرملين السلطة.
ويقول Alexander Vershbow، السفير السابق للناتو ولروسيا: "كان موقف رجال بوش في العامين الأولين يتمثل في كون روسيا غير مهمة وإن على أمريكا الاستفادة من أي دعم تقدمه في أفغانستان دون منحها أي شيء في المقابل. فهي تفعل كل ما تفعله لمصلحتها". وخلافا ليلتسين، الذي كانت صداقته مع كلينتون قائمة على القيم المشتركة، كان بوتين يؤمن بالمصالح العملية، لذا شعر بخيبة الأمل.

من بين أهم 15 قضية
إلا أن نقطة التحول الحقيقية في العلاقات الروسية - الأمريكية حدثت بعد عام 2003. فقد تزامن الغزو الأمريكي للعراق وهجوم الكرملين على شركة يوكوس على خلفية ارتفاع أسعار النفط مع تغيير الاتجاه الروسي وبعد ذلك تغيير علاقتها مع الغرب.
فقد قرر بوتين، الذي كان مولعا بنظريات المؤامرة، أن هدف أمريكا هو إضعاف روسيا بأي ثمن. وحمّل "القوى الخارجية" مسؤولية الحصار المأساوي لإحدى المدارس في بيسلان، وكان يعتقد أيضا أن لأمريكا يدا في الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004. وكان يعد هذا بروفة تمهد الطريق أمام إثارة ثورة في روسيا. ومن جهة أخرى، كان يرى أن الحرب في العراق، الدولة الخاضعة منذ زمن طويل لقوة روسيا في الشؤون الدولية، تعديا صارخا لا يمكن السكوت عليه على المصالح القومية، إن لم يكن إعلان للحرب. وشبّه بوتين الغرب "بالعم الصارم الذي يرتدي قبعة ناعمة" ويملي على الجميع كيف يجب أن يعيشوا حياتهم. إلا أن بوش المنشغل في العراق لم يعر ذلك اهتماما كبيرا.
ويقول Strobe Talbott، كبير مستشاري كلينتون في شؤون روسيا: "كانت روسيا إحدى القضايا الاستراتيجية الأكثر أهمية بالنسبة لعشر رؤساء أمريكيين من ترومان إلى كلينتون. ولكن إذا سألت جورج بوش عن أهم عشر أو خمسة عشرة قضية لديه، لن تجد روسيا أحدها إلا بعد آب (أغسطس) 2008 {حين غزت روسيا جورجيا}".
وحين حذّر بوتين أمريكا وحلفاءها من ضم جورجيا وأوكرانيا إلى "الناتو"، عد الغرب هذا اتخاذ مواقف. وفي النهاية، لم يحقق شيئا يذكر على كلتا الجبهتين. فقد وعدا جورجيا وأوكرانيا بالحصول على العضوية في نهاية المطاف دون أن يقدم لهما أي طريقة لتحقيق ذلك، وفي الوقت نفسه أغضب روسيا دون أن يقدم وعد بالدفاع عن جورجيا. ويقول Joseph Wood، أحد كبار مستشاري ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق: "لقد جمعنا بين اللهجة الخطابية القوية وسياسات التهدئة".
وفي آب (أغسطس) 2008، تحدث بوش وبوتين في بكين عن الوضع المتدهور في القوقاز. وحين أدرك بوتين أن بوش لا يريد أو لا يستطيع كبح جماح ميخائيل ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي، قرر القضاء عليه بنفسه. وحين غزا جورجيا، كان بوتين يشعر بأنه يجسد تصرفات "الناتو" ضد الصرب وتصرفات أمريكا في العراق. إلا أن روسيا كانت تعد الحرب في جورجيا أيضا صراعا بالوكالة مع أمريكا و"الناتو". وفي مرحلة ما، كانت الدولتان على وشك لمس سلك الكهرباء.

عقليات الحرب الباردة
سيذهب أوباما إلى موسكو في وقت محفوف بالمخاطر. فخطر شن حرب أخرى في جورجيا لم ينته بعد، كما أن الأزمة الاقتصادية لم تجعل روسيا أكثر ودية تجاه الغرب. وكطريقة للترحيب بأوباما، نظمت روسيا أكبر مناورة عسكرية في شمال القوقاز منذ نهاية الحرب الباردة. وستنتهي في يوم وصوله إلى موسكو.
ولدى الإدارة الأمريكية الجديدة، التي حشدت بعض أفضل الخبراء في شؤون روسيا، بعض الأوهام بشأن طبيعة نظام الكرملين: ضعيف مؤسسيا، وقومي، وفاسد، وخطر على جيرانه وعلى شعبه. ولكنها تدرك أيضا أنه من غير المجدي إلقاء المحاضرات على الكرملين عن سلوكياته في الوطن وفي الخارج. ويقول أحد كبار المسؤولين في الإدارة: "ليس لدينا القدرة أو حتى الرغبة باستخدام القوة القسرية لتغيير سلوك روسيا".
وبدلا من ذلك، سيتحدث أوباما عن مصالح أمريكا القومية، على أمل أن يتداخل بعضها مع المصالح الروسية. والمفارقة هي أنه في الوقت الذي تعهد فيه أوباما وميدفيديف "بتجاوز عقليات الحرب الباردة ورسم بداية جديدة"، فإن موضوع المحادثات الرئيسي (والأكثر أمنا) هو مراقبة الأسلحة النووية، تماما كما كان في الثمانينيات. ويهدف الاثنان إلى تخفيض ترساناتهما التي تم نشرها إلى أقل من 1.700- 2.000 بحلول عام 2012 كما تم الاتفاق في معاهدة موسكو لعام 2002. ويظهر استطلاع للرأي تم إجراؤه أخيرا أن أكثر من نصف الروس لا يؤيدون التخفيضات. ويقول Vyacheslav Nikonov، أحد المعلقين المتشددين: "روسيا محاطة بقواعد أمريكا العسكرية ومطاراتها ووحداتها البحرية".
ولكن من نواح كثيرة تحتاج روسيا إلى معاهدة جديدة أكثر من أمريكا. فهي لا تستطيع تحمل تكلفة البدء بسباق تسلح آخر. ويقول Talbott: "الأمر أشبه بالعودة إلى المستقبل: في أيام الحرب الباردة الكئيبة، كان الشيء الحقيقي الوحيد الذي يمكن للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أن يفعلاه معا هو عدم تفجير العالم. وقد لا يكون ذلك الخيار الوحيد المتاح، ولكن يبدو أنه الخيار الذي سيخرج الجميع فيه منتصرا".
وتأمل أمريكا، عن طريق إشراك روسيا في المسائل النووية ومنحها المكانة التي تتوق إليها، أي بوصفها شبه قوة عظمى، أن تحل قضايا أخرى، مثل إيران ومنع الانتشار النووي. وإذا كانت روسيا تملك كثيرا لتخاف عليه في علاقتها مع أمريكا، قد تقرر أن ثمن شن حرب أخرى في جورجيا أو زعزعة استقرار القرم مرتفع جدا.
وقد لاحظت روسيا تغيير اللهجة هذا. ويقول Sergei Prikhodko، كبير مستشاري الكرملين حول السياسة الخارجية، إن أسلوبها لم يصبح أكثر لينا، ولكننا "نشعر بأنهم لا يستمعون إلينا فقط، بل يسمعوننا أيضا". ويقول إن موسكو تتقبل طلب أمريكا بالحد من أي تسرب محتمل للتكنولوجيات والمواد النووية خارج روسيا. ويقول Prikhodko ونظراؤه الأمريكيون إن روسيا أكثر تعاونا في قضية إيران مما يبدو عليه الأمر. فقد قال أحد كبار المسؤولين في الإدارة: "لا شك أنها لا تفعل بعض الأشياء السلبية التي يمكن لها أن تفعلها هناك".
ويستند جزء كبير من سياسة أوباما على الافتراض القائل إن روسيا لا تزال تريد الجلوس على المائدة نفسها التي تجلس عليها أمريكا وأنها تريد أن يتم إدماجها في الهياكل العالمية. ولكن قد لا يكون الأمر كذلك الآن. فروسيا لا تعد الغرب نموذجا للحوكمة أو سيادة القانون، بل مصدر للخدمات، بما في ذلك الخدمات المالية، للنخبة الحاكمة. ويقول Dimitri Trenin، رئيس مركز كارنيغي في موسكو، إن روسيا تخلت عن الغرب وتحاول بناء نفوذها الخاص في الفضاء السوفياتي السابق. وما يوضح هذه النقطة هو قرار بوتين بالانسحاب من مفاوضات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، قائلا إن روسيا على استعداد للدخول فقط في إطار اتحاد جمركي مع بيلاروس وكازاخستان. وحدث ذلك على الرغم من تعهد أوباما وميدفيديف بالشروع في انضمام روسيا.
ولكن لا تزال أصعب قضية هي مصير جورجيا وأوكرانيا. ولعل روسيا لا تحاول إعادة بناء إمبراطورية - فهي لا تملك الطاقة أو الموارد البشرية أو الأيدولوجية لفعل ذلك - ولكنها تحاول منع الغرب من دخول دائرة نفوذها. ويقول Trenin إن ما تريده روسيا هو منطقة عازلة، لا توجد فيها قواعد عسكرية أمريكية أو وجود للناتو. فقد كانت أول الأهداف في جورجيا في آب (أغسطس) الماضي هو المنشآت العسكرية المبنية وفقا لمعايير الناتو.
وتريد روسيا احتكار استخدام القوة في الاتحاد السوفيتي السابق. وتريد أيضا ضمان عدم حل أي نزاع دون مشاركتها. وحين تدافع روسيا عن قيام عالم متعدد الأقطاب، ترى نفسها أحد الأقطاب، حيث ترى نفسها مسيطرة على منطقتها.
وسيشدد فريق أوباما على أن أمريكا لا تنوي التخلي عن أوكرانيا وجورجيا. ولكنها لن تقاتل من أجل جورجيا عسكريا أو تفرض قضية عضوية الناتو، خاصة لأن الدولتين ليستا مستعدتين لذلك. ويقول Illarionov إن الخطر يتمثل في تفسير روسيا لأي تردد باعتباره دلالة على أن أمريكا تخلت عن جورجيا وأوكرانيا، مما قد يؤدي حينها إلى اشتباك عسكري آخر.
وعلى حد تعبير أحد مستشاري أوباما، فإن أوباما ليس رجلا عاطفيا. فهو سيبذل قصارى جهده فيما يخص العلاقة مع روسيا، ولكن إذا لم يؤت استثماره نتائج، فهناك احتمالية كبيرة أن يجعل روسيا في آخر قائمة أولوياته الطويلة. ويقول Prikhodko: "ندرك أن هذه فرصة بالغة الأهمية ولا ينبغي لأحد أن يشك في رغبتنا استغلالها. ولكن علينا أيضا أن نحصل على إجابات عن أسئلة تراكمت لدينا على مر السنين. ويمكننا ’إعادة ضبط‘ الكمبيوتر- ولكن ماذا سنفعل بالذكريات؟".

الأكثر قراءة