رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مطلوب مزيد من الجامعات الحكومية في الكويت

تفاجئنا الصحف من وقت لآخر بتقارير مذهلة عن طبيعة الجامعات الخارجية التي يسجل فيها بعض الطلبة الكويتيين الذين يدرسون في الخارج. ملف الجامعات الخارجية أصبح من الملفات الشائكة التي تحتاج بالفعل إلى عناية خاصة من وزارة التعليم العالي، لخطورة النتائج التي تترتب عليه. يوم الإثنين 15/6/2009 صدرت "القبس" بعنوانها الرئيس "طوفان الشهادات الوهمية"، وأشارت "القبس" ضمن الملف إلى أنه وفقا للأرقام الرسمية فإن هناك 13711 طالبا يدرسون في جامعات العالم خارج الكويت، بينما أوضحت الصحيفة أن الرقم الحقيقي 34707 طالبا وطالبة. إذا كانت هذه الأرقام صحيحة فإن ذلك يعني أن هناك نحو 21 ألف طالب وطالبة مسجلين في جامعات لا تعترف بها وزارة التعليم العالي في الكويت. هذا الرقم يساوي تقريبا عدد الطلبة المسجلين في جامعة الكويت، الشيء المؤكد أن هؤلاء سيعودون يوما ما بشهاداتهم التي لا نعلم كيف حصلوا عليها، ومن المؤكد أيضا أنهم وأولياء أمورهم ومن سيستعينون بهم سيشكلون جماعات ضغط للاعتراف بتلك الشهادات حماية لمستقبل هؤلاء الخريجين من الضياع بعد أن أضاعوا أحلى سنوات عمرهم في الحصول على تلك الشهادات. بغض النظر عن مدلولات هذا الرقم، فإن الإقبال الشديد على التعليم في الخارج يعني أن هناك مشكلة عرض حقيقية لخدمات التعليم العالي في الداخل، بصفة خاصة التعليم العالي الحكومي.
عدد سكان الكويت يقترب حاليا من 3.5 مليون نسمة تخدمهم جامعة حكومية واحدة هي جامعة الكويت. صحيح أن هناك عددا من الجامعات الخاصة الآن في الكويت، إلا أن تلك الجامعات لا يمكن أن تكون بديلا كاملا للجامعات الحكومية. فالجامعة الحكومية تتمتع بعديد من المزايا أهمها انخفاض تكلفة التعليم على الطالب الملتحق بها، ومن ثم فإنها تمثل البديل المثالي للطلبة ذوي الدخول المنخفضة، كما تخضع لقواعد محددة من حيث نسب القبول وأعداد المقبولين لضمان حد أدنى من المستوى التعليمي للطالب الذي يتم التحاقه بها، كما تخضع لمعايير محددة فيما يتعلق بنوعية أعضاء هيئة التدريس في الجامعة وبرامج تنمية مستوياتهم العلمية والمهنية، كما تخضع برامجها التعليمية لقواعد محددة من حيث التصميم وفقا للقواعد المتعارف عليها عالميا، فضلا عن سيطرة الدولة بشكل عام على مخرجاتها وتوجهاتها وخططها.. إلخ. من المؤكد أن جامعة حكومية واحدة لا تكفي دولة الكويت، ذلك أنه باستخدام المؤشرات المتعارف عليها عالميا بالنسبة لعدد الجامعات لكل مليون من السكان فإن الكويت تواجه نقصا واضحا في العرض من الجامعات الحكومية العامة.
مشكلة الجامعات الحكومية هي التكاليف الكبيرة المصاحبة لها، خاصة في ظل عدم استقلالية إدارات تلك الجامعات في تعبئة الموارد المالية التي يمكن أن تحصل عليها الجامعة من المجتمع، ولعل مشروع الجامعة الجديدة في منطقة الشدادية أكبر مثال على ذلك، فالميزانية المرصودة للجامعة الجديدة أقل ما توصف به أنها "ميزانية فلكية"، حيث إن المطلع على تكاليف إنشاء الجامعة الجديدة يصاب بصدمة شديدة. البنى التحتية الحالية لجامعة الكويت، من وجهة نظري، ليست بهذا القدر من السوء، حيث يتطلب الأمر إنشاء مقر بديل، لذلك أقترح، تعظيما لاستفادة الكويت من مواردها المالية، أن يتم إلغاء مشروع الجامعة الجديدة في الشدادية، والإبقاء على جامعة الكويت في مقرها الحالي، واستخدام الميزانية الكبيرة المخصصة للجامعة الجديدة في الشدادية في إنشاء عدد من الجامعات الجديدة صغيرة الحجم في المحافظات، وحبذا لو كانت تلك الجامعات جامعات تخصصية، وذلك لتخفيف الضغط على جامعة الكويت من ناحية ولتوفير فرص أكبر للتعليم الجامعي المجاني للعدد المتزايد من خريجي الثانوية العامة الآن وفي المستقبل من ناحية أخرى، ومحاربة الاتجاه نحو التعليم التجاري داخل الكويت وخارجها من ناحية ثالثة.
ولأن جامعة الكويت هي الجامعة الحكومية الوحيدة، ونظرا لضيق الطاقة الاستيعابية للجامعة بسبب قيود المكان والموارد، فإن الحد الأدنى لنسب الالتحاق بالجامعة الحكومية الوحيدة من خريجي الثانوية العامة يعد كبيرا جدا بالمقاييس العالمية، لذا لا يجد طالب الثانوية العامة الذي يرغب في استكمال تعليمه الجامعي خيارا آخر سوى اللجوء إلى الالتحاق بالجامعات الخاصة في الكويت، أو الخروج للالتحاق بجامعة أو مؤسسة تعليمية خارج الكويت، وهنا تقع الكارثة. الجامعات الخاصة في الكويت تخضع لعملية تقييم دوري من قبل مجلس الجامعات الخاصة، وإن كنت أرى أن الأمر يتطلب جهدا أكبر في عملية التدقيق من خلال مجلس وطني للاعتماد الأكاديمي تخضع له جميع المؤسسات التعليمية في الكويت والخارج سواء أكانت تلك المؤسسات عامة أو خاصة، عندما بدأت مشكلة جودة الجامعات الخارجية التي يلتحق بها الطلبة الكويتيون في الخارج تتفاقم، أرسلت وزارة التعليم العالي لجانا للوقوف على مستويات جودة التعليم في الجامعات الأجنبية. لجان التقييم التي أرسلتها وزارة التعليم العالي من أساتذة جامعة الكويت لتقييم الجامعات الخارجية وقفت على حقائق مذهلة عن تلك الجامعات، لدرجة أن بعضهم وصف الجامعات التي يلتحق بها الطلبة الكويتيون في الخارج "بالدكاكين التي تبيع الدرجات الجامعية الوهمية لمن يدفع". منذ فترة أيضا فوجئنا بتقرير نشرته "القبس" حول عمليات تزوير لشهادات الدراسات العليا بصفة خاصة الدكتوراه من قبل مقاولين متخصصين في الدراسات العليا لتأمين الشهادة المعترف بها لمن يدفع. إنها أيضا شبكة خبيثة وظاهرة خطيرة تحتاج إلى وقفة جادة من قبل وزارة التعليم العالي.
قوة العمل المتعلمة جيدا والمدربة فنيا على أعلى مستوى هي أساس أي اقتصاد تنافسي في عالم اليوم. ونوعية المؤسسات التعليمية التي ننشئها والخريجون الذي يتخرجون فيها هي سلاحنا الذي سنواجه به المستقبل بكل ما يحمله لنا من تحديات. ومما لا شك فيه أن جودة العملية التعليمية هي أخطر القضايا التي تهتم بها المجتمعات المتقدمة على الإطلاق، ربما أخطر من أي قضية أخرى، فعلى أساسها تتحدد فرص تلك المجتمعات للنهوض والرقي في المستقبل. عندما اختلت العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان لصالح الأخيرة أرسلت الولايات المتحدة فرقا لدراسة النظام التعليمي الياباني، لأنها تؤمن أن الاقتصاد التنافسي في اليابان لا بد أن يرتكز أساسا على نظام تعليمي مرتفع الجودة. ليس هناك إذن أدنى شك في أن التعليم هو عماد الاقتصاد.
موضوع الشهادات الوهمية موضوع في غاية الخطورة والأهمية في الوقت ذاته، فكل شهادة وهمية يحصل عليها خريج كويتي هي أيضا مشروع وظيفة حكومية في المستقبل، لأنه من المؤكد أن حملة الشهادات الوهمية سيصعب عليهم أن يجدوا سبيلا سهلا لهم في القطاع الخاص، حيث تلعب معايير الكفاءة والإنتاجية الدور الأساسي في عملية التوظيف والبقاء في الوظيفة، وبما أن الوظيفة الحكومية شبه حق تقريبا لكل من يحمل الشهادة التعليمية، فإن أروقة الحكومة والقطاع العام إن آجلا أو عاجلا ستستقبل هؤلاء كموظفين جدد فيها، لتبدأ معهم معاناة الجميع. وبتدقيق النظر سنجد أن كل شهادة وهمية هي أيضا مشروع موظف غير كفء أو غير منتج أو خامل أو ربما موظف فاسد، ببساطة شديدة كل شهادة وهمية حاليا هي مشروع قنبلة موقوتة في الجهاز الحكومي مستقبلا. ومن الممكن أن تحدث الطامة الكبرى عندما يتحول صاحب الشهادة الوهمية إلى مسؤول كبير في الدولة، وذلك إذا استطاع، بالواسطة أو بأي وسائل أخرى، أن يتحول إلى مدير على رأس العمل أو ربما مسؤول رفيع، فتضيع لديه الأولويات، ويهدر موارد الدولة بسبب عدم كفاءته أو نقص قدراته. أو ربما قد يفكر صاحب الشهادة الوهمية، بصفة خاصة حملة شهادات الدراسات العليا، في الترشيح إلى مجلس الأمة ويضمن مقعده من خلال إحدى الفرعيات ليترأس بذلك لجان تقييم برامج الدولة وخططها وتوجهاتها المستقبلية، ويشترك في القرارات المصيرية للدولة، ويمثل الدولة من خلال اللجان البرلمانية المختلفة بل يقترح مشاريع للقوانين... إلخ، الأمر جدا خطير.
لا يمكن أن يوصف ما يحدث في الجامعات الأجنبية غير المعترف بها التي يلتحق بها الطلبة والتي تمنح شهادات وهمية بأقل من أنه جريمة بشعة ترتكب في حق هؤلاء الطلبة أولا وفي حق هذا البلد ومستقبله ثانيا. ولا يمكن التهاون أو السكوت عما يحدث تحت أي ظرف من الظروف أو بأي ذريعة من الذرائع، فالموضوع في غاية الخطورة، ويحمل تهديدات مدمرة بصفة خاصة للقطاع الحكومي في الدولة.
منذ سنتين اشتركت في لجنة مشكلة من وزير التعليم السابق الدكتور عادل الطبطبائي ومكونة من الدكتور فؤاد العصفور والدكتور عبد الله العويهان والدكتور محمد الفارس، لوضع الخطوط العامة لمشروع هيئة وطنية للاعتماد الأكاديمي في الكويت لتكون صمام الأمان لضمان جودة مخرجات التعليم ما بعد الثانوي سواء في الكويت أو في الخارج، وقد كان التوجه لدى اللجنة هو أن تتولى الهيئة الوطنية المقترح إنشاؤها مهمة اعتماد جميع المؤسسات التعليمية سواء في الداخل أو الخارج، حيث ستخضع تلك الهيئة الوطنية الجامعات الوطنية والأجنبية لمعايير الجودة التي تضعها الهيئة كشرط لاعتماد المؤسسات التعليمية بجميع أنواعها واعتماد الشهادات التي تصدرها الجامعات التي تستوفي معاييرها فقط، الأمر الذي يمكن الدولة من السيطرة على نوعية مخرجات العملية التعليمية وجودة المؤسسات التي تقدمها وطبيعة الخريجين الذين يتخرجون في تلك المؤسسات سواء داخليا أو خارجيا، وبالفعل أتممنا التقرير، وتوقعنا أن تبدأ على الفور أعمال إنشاء الهيئة الوطنية للاعتماد الأكاديمي، غير أن التقرير مثل غيره، ظل حبيس الأدراج في وزارة التعليم العالي. ملف الشهادات الوهمية يؤكد ضرورة إنشاء الهيئة الوطنية للاعتماد الأكاديمي، فلا يمكن أن تضمن وزارة التعليم العالي جودة خدمات التعليم العالي المقدمة محليا أو خارجيا إلا من خلال هيئة وطنية للاعتماد الأكاديمي، حيث تخضع الهيئة جميع مؤسسات التعليم العالي لمعايير صارمة للجودة. وبالمناسبة فإن بعض دول مجلس التعاون لديها هيئات وطنية للاعتماد الأكاديمي، مثل السعودية والإمارات وعمان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي