تحقيق جودة التعليم الجامعي عبر المنافسة
تتكرر مشكلة القبول في الجامعات كل عام وهي مشكلة تؤرق الجميع طلاب وأولياء أمور ومسؤولين. وعلى أن هناك مساعي حثيثة لتوفير التعليم الجامعي بزيادة عدد الجامعات في مناطق السعودية إلا أن ذلك لا يعني تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع فبعض الجامعات الحكومية التي أنشئت حديثا ما زالت تعاني قصورا واضحا في الأساسيات وبالتالي فإن الزيادة العددية قد تعطي انطباعا غير حقيقي عن وضع التعليم الجامعي، دون التحقق من القدرة الاستيعابية ونوعية التخصصات المقدمة فإن عدد الجامعات ليس معيارا للتوسع الكمي والتطور النوعي للتعليم الجامعي. كما أن معدل تزايد أعداد خريجي الثانوية يفوق معدل توسع الأقسام والكليات في الجامعات السعودية. ولذا فإن قضية القبول يجب تناولها بجدية أكبر ونظرة واقعية وموازنة بين الجانبين الكمي والنوعي. الهدف ليس بعدد الجامعات وإنما تخريج أكبر عدد من الطلاب بالتخصصات والمستوى المطلوب. أخشى أن سيطرة فكرة القبول دون ربطها باحتياجات التنمية الوطنية ينقل المشكلة من شح القبول إلى شح وظائف العمل ومن ثم ارتفاع في نسبة البطالة وما تفرزه من تأثيرات سلبية على المجتمع. ولذا فإن مسألة القبول مسألة تتعلق بالنمو الاقتصادي والاستتباب الأمني وليست مسألة فنية بحتة. ولذا يلزم ألا يناقش التعليم الجامعي بمعزل عن المؤثرين والمتأثرين به، فالتعليم الجامعي ضمن منظومة متكاملة في العمل التنموي الوطني ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق تطور ونمو اقتصادي - الهدف الأساس من التعليم الجامعي - دون المشاركة الفاعلة وترابط وتنسيق بين جميع الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص. وقد تكون الكراسي العلمية التي استحدثت أخيرا في بعض الجامعات أكبر دليل على تفاعل المجتمع متى ما هيأت الفرصة ووضحت الرؤى والأهداف. وعلى أن هناك مأخذا على وزارة التعليم العالي إلا أنه يجب ألا تُحمل مسؤولية إشكالية قبول الطلاب والطالبات فهناك أجهزة حكومية تؤثر تأثيرا كبيرا في سياسات الوزارة والجامعات يأتي في مقدمتها وزارة المالية الجهة المسؤولة عن تحديد الأولويات الوطنية!! فتقرر نيابة عن الأجهزة الأخرى ما هو مهم وما هو غير مهم! هذا إضافة إلى النظام المالي العقيم المتصف بالجمود العقبة الكؤود أمام التطوير والإبداع. أما فيما يتعلق بالجودة فمعيارها ملائمتها لسوق العمل، لكن سوق العمل ليس بالمستوى المطلوب فما زال القطاع الصناعي هش يعتمد على صناعات التعبئة والتجميع لمواد استهلاكية ووظائف ضعيفة الدخل وبالتالي لا تتناسب مع المؤهلات والمهارات التي يحملها خريجو الجامعات. ولذا فإن مقولة الصناع والتجار مواءمة خريجي الجامعات لسوق العمل مقولة غير صحيحة وهي في واقع الحال تهرب من المسؤولية الاجتماعية وإلقاء اللائمة على القطاع الحكومي والجامعات. ولذا كان من الأولى أن يكون التوجه نحو الصناعات التحويلية مولدات الدخل العالي.
الجامعات الحكومية تعمل في إطار التنظيم البيروقراطي ومعلوم أن هذا التنظيم بطيء الاستجابة للمتغيرات والمستجدات في البيئة وهذا يفسر لماذا هناك ترهل في الجامعات وسوء استخدام للموارد. ولا نستطيع أن نتوقع من الجامعات الحكومية أن تنفض عنها هذا التراخي والجمود دون أن يكون هناك إعادة هيكلة ونظم أكثر حيوية تجعلها أكثر اتصالا بمحيطها الاجتماعي المحلي. ولذا كان من الأجدر العمل على تحويل الجامعات الحكومية إلى مؤسسات غير ربحية بمجالس أمناء يتكون أعضاؤها من النخب في المجتمع إضافة إلى أكاديميين من داخل السعودية وخارجها. بهذا تستطيع الجامعات أن تنهض وأن تكون أكثر حيوية واستجابة لمتطلبات التنمية. هناك محاولات جيدة في كسب الاعتماد الأكاديمي من مؤسسات عالمية إلا أن ذلك غير كاف أو على الأقل لا يكفي لضمان استمرارية التميز والحفاظ على مستوى من الجودة لأن هناك حاجة إلى تنظيمات إدارية ترعى وتسعى إلى التطوير من خلال ثقافة تنظيمية ترتكز على الجودة والإبداع والبحث دائما عن الأفضل ليس في الجوانب التدريسية وحسب ولكن أيضا في الاستشارات والدراسات والبحوث الميدانية. وهذا ما تفتقده الجامعات في الوقت الراهن فليس هناك ربط بين التدريس والاستشارات والبحوث من جهة ومكان العمل من جهة أخرى ولذلك لا نجد أن هناك بحوثا واستشارات جادة تقدم قيمة مضافة وتطوير أصيل للاقتصاد الوطني وتسهم في عملية التنمية الحقيقية. العمل في الجامعات ما زال يؤدى بشكل سطحي فهناك مراكز بحثية ودراسات ميدانية وبرامج تعليمية ولكنها في حقيقتها لا تقوم بأدوار ووظائف مهمة تصنع الفرق مثلما فعلت كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وغيرها من الدول.
إن النجاح والتقدم والتطور تصنعه المنافسة وهي تعني تسابق المؤسسات في تحقيق الأفضل وكسب الآخرين. ويلزم في هذا السياق أن ننوه أن المنافسة على مستويات وكلما كان هناك تمايز بين المتسابقين كانت المنافسة على أشدها. وقد تكون المنافسة في دائرة ضيقة تؤدي إلى تحسن حدي وبسيط وهنا تظهر أهمية زيادة عدد الجامعات الخاصة لتكون محفزا ومعرفا بمستوى الجامعات الحكومية. فأنت لا تستطيع أن تعرف أنك طويل أو قصير إلا إذا وقفت بجوار شخص آخر. ولقد أثبتت كثير من الجامعات الخاصة قدرتها على تقديم برامج متميزة خلال سنوات قليلة من عمرها أصبحت تنافس في بعض الأحيان بعض الجامعات العريقة. وعلى سبيل المثال تحتل الجامعات الخاصة في الولايات المتحدة كجامعة هارفادر وستانفورد وغيرها مراتب عليا من بين الجامعات الأمريكية. وعلى أن الدراسة في الجامعات الخاصة تكون مقابل رسوم ما يشكل عائقا للبعض إلا أن ما تفعله وزارة التعليم العالي من تقديم بعثات داخلية للمتميزين من الطلاب والطالبات أمر يستحق الإشادة والثناء. بهذه الطريقة نكون قد خلقنا جوا من التنافس بين المؤسسات الأكاديمية والأقسام وبين الطلاب ما سيقود في نهاية المطاف إلى تحسين العملية التعليمية والاستشارات والبحوث والدراسات ومن ثم التنمية الاقتصادية والصناعية. هذا إضافة إلى تقليل ضغوط القبول على الجامعات الحكومية. ولكن بطبيعة الحال يجب أن يكون إنشاء الجامعات الخاصة على أسس ومعايير تربوية وأكاديمية ومراقبة للأداء والتحقق من الجودة والحصول على اعتماد أكاديمي من مؤسسات دولية معترف بها. الجامعات الخاصة قد تكون فروعا لجامعات عالمية ما يسهم في نقل التقنية وتقديم أفكار وأساليب جديدة ورفع مستوى التنافس الأكاديمي.