المطلوب تطوير الصحافيين اليدويين.. إلى صحافيين رقميين
على الرغم من أن البعض ما زال يقلل من خطورة الصحافة الإلكترونية على الصحافة الورقية.. إلاّ أنني ما زلت أحذر أصحاب المؤسسات الصحافية السعودية من خطورة إهمال التطورات التي تحدث في الصحافة الإلكترونية على الصحافة الورقية، لأنها تطورات لا يستهان بها، ولقد بدأت آثارها السلبية تظهر على مؤسساتنا الصحافية، إمّا في انخفاض معدلات التوزيع وإما في تراجع في حجم كيكة الإعلانات وإما الاثنين معاً.
واضح لكل المهتمين والمراقبين أن الصحافة الورقية تواجه صعوبات كثيرة في ظل عصر المعلومات الذي يقوم على كم هائل من التقنيات الحديثة التي تتنافس على إيصال المعلومات إلى المتلقي، وهذا بدوره أثر كثيراً في معدلات توزيع الصحف، وسيؤثر أكثر في حجم الإعلانات في الصحف الورقية.
ومن ناحية أخرى فإن الصحافة الورقية وهي تخوض معركة المنافسة والوجود، فإنها تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، إذ إن المنافسة مع الصحافة الإلكترونية ذات تكاليف عالية وغالية، وستأتي على هامش الأرباح وتقتص منه حتى يتلاشى، وإذا اختفت الأرباح من القوائم المالية فإنه لا مفر أمام الصحيفة إلاّ الاحتجاب أو التحول إلى صحيفة إلكترونية، وهذا ما حدث لكبريات الصحف العالمية ومنها صحف سعودية.
وتسجل الإحصائيات أن معدل الزيادة في إصدار الصحف الإلكترونية يزيد كثيراً جداً على معدلات إصدار الصحف الورقية، وفي المقابل فإن معدل احتجاب الصحف الورقية يتزايد بشكل لم يسبق له مثيل، بل إن معدل تحويل الصحف الورقية إلى صحف إلكترونية يسجل زيادات ملحوظة، وكانت النتائج الطبيعية لهذه الإحصائيات هو انخفاضات ملحوظة في توزيع الصحف الورقية اقترنت ـ كما ذكرنا ـ بانخفاضات في كمية الإعلانات، في مقابل ذلك زيادة ملحوظة في عدد زوار الصحف الإلكترونية وزيادة مبشرة في كمية الإعلانات على الصحف الإلكترونية.
ومن المشاهد أيضاً أن المؤسسات الصحافية التي تصدر الصحف التقليدية تطالب إداراتها بإصدار نسخ إلكترونية من النسخة الورقية، وأصبح هذا التقليد دارجاً لدى كبريات الصحف في كل أنحاء العالم حتى أصبحت الصحيفة التي لا تصدر نسخاً إلكترونية توصم بأنها صحيفة متخلفة عن مواكبة العصر، ولكن الصحف الورقية تشكو من إصدار النسخة الإلكترونية لأنها تؤثر سلباً في توزيع نسختها الورقية، كما أن الصحافة الإلكترونية أسرع في نشر الأخبار وأقدر على تحديثها ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، كما أن الصحف الإلكترونية تتيح للقراء فرصة أكبر للتواصل مع الصحيفة، وأكثر من ذلك فإن الصحف الإلكترونية باتت تعطي القارئ فرصة التفاعل مع ما ينشر في الصحيفة والمشاركة بالرأي والتعليق، الأقسى من ذلك أن فئة الشباب باتت تستقي أخبارها ومعلوماتها من الصحافة الإلكترونية والتقنيات الحديثة مثل هواتف الجوال ومن الإنترنت ووسائطه المذهلة، ولا شك أن الضغوط على الصحافة الورقية ستتزايد مع زيادة معدلات الشباب وانحسار أعداد كبار السن.
الأكثر من ذلك إن علماء البيئة وجدوا في مزايا الصحافة الإلكترونية فرصة في نقاء بيئة الصحافة الإلكترونية، وأدلوا بدلوهم في تفضيل الصحافة الإلكترونية لأنها تساعد على تحقيق بيئة نظيفة، ويقول البيئيون إن كل المواد التي تدخل في طباعة الصحف الورقية هى مواد ضارة بالبيئة وفي مقدمتها الورق والأحبار والغراء.
إن المشهد العام في أجواء المؤسسات الصحافية السعودية يحتاج إلى كثير من الاهتمام بل يحتاج إلى إعادة بناء، ونظام المؤسسات الصحافية الحالي الذي يحكم العمليات التنظيمية في المؤسسات الصحافية ـ للأسف ـ لم يتطرق إلى بناء الهياكل التنظيمية بشكلها العصري لأنه ينظر إلى المؤسسة الصحافية نظرة غير عصرية وتقليدية جداً بعيدة تماماً عن النظرة المعلوماتية الذكية، بل لا ينظر إلى المؤسسات الصحافية على أنها مؤسسة إعلامية اقتصادية بل ينظر إليها على أنها مؤسسة تطوعية وخيرية لا تنشد الربح.
ولذلك فإن الإدارة في المؤسسات الصحافية تعاني غياب الرؤية الموضوعية، وبالتالي عدم القدرة على الوثوب والقفز على المشكلات العاتية، وإزاء هذا فليس أمام المؤسسات الصحافية الوطنية إلاّ الخروج على النظام، بمعنى اعتبار أن المؤسسات الصحافية ليست مؤسسات تطوعية وليست مؤسسات خيرية، وإنما هي مؤسسة إعلامية عصرية تقوم بأداء خدمة إعلامية جليلة وتنشد من خلال أداء الخدمة تحقيق الربح، ودون هذا الوضوح في الرؤية فإن المؤسسات الصحافية ستتعرض لمزيد من الكساح أمام مشكلات تستدعي وضوح الرؤية والهدف، أمّا تغليف الرسالة بقضايا طوباوية وخيرية بعيدة كل البعد عن الهدف الأساسي وهو إيجاد بيئة إعلامية قوية وصلبة وقادرة على الصد ونشر الوعي بين ملايين الأفراد وإيقاف الزحف الهائل من الرسائل الإعلامية الموجهة إلى الشعب السعودي وبالذات الشعب السعودي، فإن المؤسسات الصحافية ستظل ضعيفة لا تستطيع أن تواجه وتكافح في عصر لا بقاء فيه إلاّ للأشداء والأقوياء.
إن الواقع الذي بات مهترئاً لصحافتنا يستدعي ضرورة أن نغير جلد المؤسسات الصحافية ونغير نظامها بحيث نتيح له فرصة التطوير بما يتناسب مع مقتضيات العصر.
دعونا نستعرض سلّم الرواتب وبالتحديد بند الأجور في لوائح المؤسسات الصحافية، فإننا نلاحظ أن بعض المؤسسات الصحافية تجور على المبدأ القائل Equal work equal salary وتغدق على رئيس التحرير العلاوات والمكافآت دون حساب حتى إذا كان ذلك على حساب الأرباح، فالراتب يصل إلى الـ 100 ألف ريال شهرياً وبجانب الراتب سلسلة طويلة من العلاوات التي تقفز بالدخل الشهري إلى أكثر من الـ 150 ألف ريال علاوة على عمولة الأرباح السنوية التي تصل إلى المليوني ريال سنوياً، وفي مقابل ذلك فإن البعض الآخر من رؤساء التحرير يتقاضون راتباً شهرياً لا يتجاوز الـ 20 ألف ريال وعمولات فشنك وأرباح لا وجود لها أصلاً في القوائم المالية، الأخطر من ذلك إن معظم العاملين في المؤسسات الصحافية يعملون بنظام المكافأة التي لا تتجاوز الألف ريال شهرياً، والسبب في ذلك هو نقص هائل في الشفافية وفي أنظمة التوظيف والتسكين.
وطبعاً نتيجة لغياب الرؤية وغياب النظام المنصف والمحفز وغياب الأمل لدى الرعيل الأكبر من العاملين في المؤسسات الصحافية، فإن الإحباط هو سيد الموقف لدى كثير من العاملين في المؤسسات الصحافية.
ولذلك تعاني المؤسسات الصحافية انخفاض المهارة وانخفاض الإنتاجية لدى العدد الأكبر من العاملين، وسيكون مردود الانخفاض في المهارة والإنتاجية هو عجز المؤسسات الصحافية عن أداء مهامها ووظائفها الرئيسة، الأخيب من ذلك أن معظم الصحافيين لا يتقنون لغة أجنبية واحدة، بل إن معظمهم لا يتقن العربية، ناهيك عن جهل الكثير بوسائل التقنية الحديثة.
ولذلك ما زال كثير من الصحافيين في أمس الحاجة إلى دورات مكثفة لكي ينتقلوا من الصحافيين التقليديين الذين مازالوا يستخدمون القلم والقرطاس.. إلى الصحافيين الرقميين الذين يستخدمون الكمبيوتر في كل وظائف العمل الصحافي.
إذن نحن نحتاج إلى انقلاب في المؤسسات الصحافية يبدأ بثورة في مناهج كليات الإعلام، ونحتاج إلى نظام جديد يراعي التطورات الهائلة في مجال الإعلام والمعلومات، وأهم من ذلك نحتاج إلى رؤية مغايرة للرؤية الطوباوية التقليدية التي لم تعد موجودة أصلاً على خريطة وسائل إعلام الدنيا.