رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إنقاذ المفلسين

أدت الأزمة المالية العالمية إلى تغير في مستويات وأنماط الإقراض في الأسواق المالية ونتج عنها تراجع في مستويات الائتمان بسبب مخاوف المؤسسات المالية من ارتفاع إمكانية تخلف المقترضين عن السداد سواءً كانوا أفراداً أو مؤسسات. وقد أدى تراجع قيم الأصول المالية ومستويات النشاط الاقتصادي إلى تراجع قدرة كثير من المؤسسات الإنتاجية على الاقتراض مما يهدد بعضاً منها بشبح الإفلاس. فهل على الدولة بمؤسساتها المالية والنقدية واجب التدخل لإنقاذ هذه المؤسسات؟ ولماذا تنقذ الدول المؤسسات الإنتاجية أو المالية ولا تنقذ الأفراد المهددين بالإفلاس؟ وكيف ومتى تنقذ الدولة هذه المؤسسات؟ وما حدود إنقاذ هذه المؤسسات؟ وهل من العدل إنقاذ المؤسسات الاقتصادية الكبيرة وملاكها الموسرين وترك عدد كبير من الأفراد يعانون العوز والإفلاس؟ ويطرح كثير من الأسئلة في جميع أنحاء العالم والتي تدور حول سياسة إنقاذ الدولة للمؤسسات الإنتاجية والمالية.
وتتصف سياسات دول العالم بوجه عام سواءً الاقتصادية أو غيرها بكونها سياسات عامة تهدف إلى مساعدة وتنظيم أكبر عدد ممكن من القطاعات والأفراد. والسياسات الشمولية التي تتبناها الدول تتجنب استهداف فرد أو مؤسسة إنتاجية أو مالية معينة بل ولا حتى مساندة مجموعة صغيرة من المؤسسات أو الأفراد. ويقود تبني سياسات مساعدة عدد محدود من الكيانات الاقتصادية الأفراد إلى تعرض مؤسسات الدولة للمساءلة من العامة والمجالس التشريعية ومؤسسات الرقابة المالية، وقد يعتبره كثير من الناس تبديداً للأموال العامة لمصلحة عدد محدود من المستفيدين. وقد تتسبب سياسات الاستهداف الضيقة في رفع مستويات الفساد المالي والإداري، حيث يتمكن المتنفذون من خلالها الحصول على مكاسب مالية كبيرة، مما يولد حنقا اجتماعيا وسياسيا لدى فئة كبيرة من السكان ويهدد سلامة الأمن الاجتماعي ويزيد من اختلال وتوزيع الدخول بين الشرائح السكانية. ولا يتم توجيه الدعم لمؤسسات معينة إلا إذا كانت جزءا من سياسة عامة لإنقاذ جميع المؤسسات أو الأفراد الذين يتعرضون للظروف نفسها أو يعانون العواقب نفسها. ولمساعدة مؤسسة أو قلة من المؤسسات الاقتصادية ينبغي توافر مبررات مقنعة وقوية لتخصيص الدعم كتمتعها بأهمية اقتصادية معينة ولعبها دوراً مهما ومتميزاً في الدورة الاقتصادية للوطن ككل. ويعتبر الحفاظ على تشغيل عدد كبير من العمالة أو ارتباط طيف كبير من المنتجين الآخرين الموظفين لعدد كبير من العمالة الوطنية من أهم مسببات إنعاش المؤسسات المفلسة.
وترتفع بعض الأصوات في المملكة التي تطالب بضرورة تدخل المؤسسات الحكومية لمساعدة المؤسسات الاقتصادية التي تتعرض لشبح الإفلاس. ويبرر المؤيدين للتدخل الحكومي بتدخل الحكومة الأمريكية لإنقاذ شركة جنرال موتورز. وأعتقد أن تجربة الحكومة الأمريكية لإنقاذ شركة جنرال موتورز من الإفلاس هو حجة ضد المؤيدين للتدخل لإنقاذ الشركات أو المؤسسات المفلسة، حيث لم تفلح الحكومة الأمريكية في إنقاذ الشركة رغم كل الأموال التي ضخت فيها. كما أن محاولة إنقاذ الشركة تمت رغم معارضة قوية من المشرعين والمواطنين الأمريكيين، وتمت تحت ذرائع إنقاذ مئات الآلاف من الوظائف وإنقاذ أنشطة كثير من المؤسسات المرتبطة بإمبراطورية السيارات الأمريكية المنهارة. ولم تقدم أموال الإنقاذ الرسمية حسنةً لملاك الشركة، بل خسر المساهمون في الشركة كل أموالهم واستولت الحكومة على جزء كبير من الشركة. وعملية إنقاذ جنرال موتورز هي صورة من صور التأميم الحكومي والتي أظهرت الحكومة الأمريكية وكأنها تتخلى عن زعامتها للرأسمالية العالمية وتحولها لدولة اشتراكية. والحال ينسجم أيضاً على المصارف التي تم إنقاذها، حيث تم ضخ أموال كبيرة في هذه المصارف مقابل حصص للحكومة الأمريكية. وتأمل الحكومة في استرداد هذه الأموال أو الجزء الأكبر منها في حالة تحسن الظروف الاقتصادية. وكان أكبر تبرير لعمليات إنقاذ المؤسسات المالية هو وقف انهيار النظام المالي برمته والتي كانت تهدد بانهيار الاقتصاد المحلي والعالمي.

ولإنقاذ أي كيان اقتصادي في المملكة بأموال عامة ينبغي وجود مبررات قوية كتوظيف عدد كبير من العمالة. ولا يخفى على أحد أن المؤسسات الاقتصادية الكبيرة الموظفة للسعوديين في المملكة هي الشركات الحكومية، ووضع هذه الشركات يبدو جيداً وليست مهددة بالإفلاس وحسب توقعي لن تسمح الدولة بإفلاس هذه المؤسسات، حيث إنها تلعب دوراً حيوياً في الاقتصاد، كما أنها توظف أعدادا كبيرة من المواطنين، وهي أيضاً مملوكة للدولة. وإنقاذ هذه المؤسسات يهم الدولة ويعود بالفائدة على الدولة والمواطنين بشكل عام. أما فيما يتعلق بالمصارف فليس من المتوقع أن تسمح الدولة بإفلاس أي منها، وذلك لحماية النظام المالي بأكمله ودعم الإنتاج في القطاعات الحقيقية. ولا يبدو استنادا إلى البيانات المالية المنشورة أن أي من المصارف التجارية يعاني خسائر ولهذا فهي غير مهددة بشبح الإفلاس. وفي حالة تعرض أي مصرف لمخاطر فإن التدخل الحكومي لن يتم بالمجان بل سيتم مقابل حصول الدولة على جزء من ملكية أي مصرف منقذ. أما باقي المؤسسات الإنتاجية أو المالية فإن إفلاس أي منها يمثل كارثة لملاكها وعمالتها ولكن مدى تأثير إفلاسها في الاقتصاد سيكون محدوداً، ومعظم هذه المؤسسات يوظف أعدادا محدودة من المواطنين. أما تذمر القطاع الخاص من صعوبة توافر الائتمان فهو أمر يمكن فهمه. وانخفاض مستويات الائتمان ليس مقصوراً على المملكة بل منتشر في أنحاء العالم كافة. وعلى الجهات ذات العلاقة تبني سياسات عامة ترفع مستويات الائتمان للمؤسسات الإنتاجية لتحفيز الاستهلاك وأنشطة القطاع الخاص، ولكن ينبغي عدم التراخي في منح الائتمان الذي يسمح للمقامرين بالعودة للتلاعب بالأسواق المالية. وتتبني مؤسسة النقد العربي السعودي سياسات نقدية توسعية لمحاولة الحد من تكاليف الائتمان وتوفير مزيد منه، كما تشهد السياسة المالية توسعاً كبيرا. ولكن لا يمكن للمؤسسة إجبار المصارف التجارية على توفير ائتمان لجميع من يطلبه، فالمصارف تتحمل مخاطر ومسؤوليات قرارات منح الائتمان وعليها الحفاظ على ملاءتها المالية.
وحتى لو قبلنا جدلاً بضرورة إنقاذ المؤسسات المهددة بالإفلاس فعلى ملاك هذه المؤسسات التخلي عن ملكية هذه المؤسسات، فمن الصعب على أي دولة تقديم أموال طائلة لإنقاذ الأثرياء من الإفلاس، بينما لا يلتفت لخسائر محدودي ومتوسطي الدخل الناتجة عن انهيارات أسواق الأسهم والعقارات وتراجع دخولهم بسبب الأزمة المالية العالمية. ولا أعتقد أن من العدل إنقاذ الكبار فقط وترك الضعفاء يغرقون في غياهب الإفلاس، فأي سياسة لإنقاذ المؤسسات الكبيرة يجب أن تشمل إنقاذ الأفراد والمؤسسات الصغيرة التي تواجه المصاعب التي يواجهها الأغنياء نفسها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي