الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي (الجزء الثالث)

في الجزء السابق تم استعراض تداعيات التدهور الاقتصادي العالمي على قطاع الطاقة، في هذا الخصوص تمت الإشارة إلى أن الأزمة الاقتصادية الحالية أدت إلى تأثر القدرة على تمويل مشاريع البنية التحتية لمشاريع الطاقة الجديدة، لتلبية الطلب المتوقع على الطاقة عند انتعاش الاقتصاد العالمي من جديد، كذلك تسببت في انخفاض الطلب على النفط والغاز والطاقة الكهربائية. ما أدى إلى حدوث طفرة كبيرة وغير متوقعة في الطاقات الإنتاجية الفائضة للنفط والغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية. في هذا الجزء سيتم استكمال هذا المحور.
نتيجة لزيادة الطاقات الإنتاجية غير المستغلة بصورة كبيرة وغير متوقعة كما أسلفنا، فإن مرافق تخزين النفط والغاز الطبيعي تواجه حاليا صعوبة في استيعاب الإمدادات الجديدة. في الصين على سبيل المثال تم إغلاق محطات توليد الطاقة الكهربائية القديمة العاملة بالفحم، حيث إن تراجع الطلب على الطاقة سمح للحكومة بمواصلة خططها في تحسين كفاءة محطات الطاقة. بل حتى بعض مشاريع الطاقات الجديدة والمتجددة أرجئت حاليا، إما لأنه لم يعد بالإمكان تمويلها أو بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز، أصبحت هذه المشاريع غير مجدية اقتصاديا.
إن معظم مشاريع الطاقة والنفط والغاز، التي تحت التشييد حاليا من المتوقع أن تمضي قدما، وإن كانت في بعض الأحيان بمعدل أبطأ مما كان مخططا لها. لكن المشاريع التي لم تبدأ بعد فيها عمليات التشييد أو تلك التي في مراحلها الأولى من المتوقع جدا أن يتم إرجاؤها في الوقت الحالي. على سبيل المثال، ضعف الطلب على الغاز الطبيعي في روسيا وأوروبا دفع شركة كازبروم الروسية Gazprom إلى خفض الإنفاق الرأسمالي وإرجاء بعض المشاريع والسير ببطء في تنفيذ عدد من المشاريع الأخرى، على عكس تصريحاتها السابقة بأنها لن تتخلى أو تأخر أي من المشاريع ذات الأولوية. إن إرجاء أو إلغاء المشاريع يعود في الأساس إلى أسباب اقتصادية.
فضعف اقتصاديات المشاريع بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز، أثر بصورة رئيسية في مشاريع الطاقات الجديدة والمتجددة، بما فيها الرياح والطاقة الشمسية، والإيثانول، ولكن ضعف الاقتصادات يمكن أيضا أن يؤثر في قطاع النفط والغاز. فمع انخفاض التكاليف التشغيلية والاستثمارية لأول مرة منذ ما يقرب من عقد من الزمن، دفع الشركات
إلى تأخير بعض المشاريع، آملا في انخفاض التكاليف بشكل أكبر فالشركات تسعى جاهدة إلى الحد من تكاليف التصاميم الهندسية والبناء، وفي حالة عقود النفط والغاز، تسعى الشركات إلى إعادة التفاوض على العقود مع الحكومات المضيفة أو بالعكس. كما أن تضاؤل تمويل المشاريع ونقص السيولة النقدية لدى الشركات لتمويل مشاريع جديدة دفعها إلى تأخير أو إلغاء عدد من المشاريع الجديدة. إن الشركات الناشئة وتلك الصغيرة العاملة في مجال الطاقات المتجددة قد تأثرت بشكل خاص نتيجة عدم توافر التمويل اللازم، كذلك الحال بالنسبة إلى شركات النفط والغاز الصغيرة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصين وبعض دول منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) من الدول القليلة التي استمرت في تمويل مشاريع الطاقة بشكل واسع في محاولة لمواصلة بناء القدرات الإنتاجية في مجال الطاقة خلال فترة الانكماش الاقتصادي. السبب الثالث لتأخير أو إلغاء المشاريع هو انهيار الطلب على الطاقة، كما بينا في المقال السابق. دون ضمانات بأن الطلب على الطاقة سيعاود النمو في القريب العاجل، كثير من الشركات تفضل تأخير إضافة طاقات جديدة إلى الأسواق التي هي في الأساس تعاني وجود فائض كبير في العرض. أسواق النفط والغاز والطاقة تواجه المأزق نفسه ولكن بطرق مختلفة.
بعد أقل من سنة واحدة من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية قرب 150 دولارا للبرميل الواحد، نتيجة تزايد نشاط المضاربين speculators في الأسواق العالمية ما أدى إلى زيادة التكهنات حول احتمالية وصول الإنتاج العالمي للنفط إلى الذروة وحصول شح في الإمدادات، انخفضت أسعار النفط إلى أقل من 40 دولارا للبرميل الواحد. إلا أن أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة ارتفعت إلى أكثر من 70 دولارا للبرميل نتيجة زيادة التوقعات بتحسن الاقتصاد العالمي قريبا وزيادة الطلب عل النفط من جديد وأقوى مما كان، على الرغم من أن الطلب العالمي على النفط ما زال منخفضا والطاقات الإنتاجية الاحتياطية من النفط عالية نسبيا حاليا1. حيث تقدر الطاقات الإنتاجية الاحتياطية في منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك'' حاليا أكثر بـ 6.0 ملايين برميل يوميا. إن ارتفاع مستويات الطاقات الإنتاجية الاحتياطية تؤثر بشدة في أسواق النفط العالمية، وفي القرارات المتعلقة بالاستثمار في المشاريع الجديدة. هنالك تباطؤ واضح في الاستثمارات في مشاريع الرمال النفطية الكندية العالية التكلفة. هذه التأخيرات إلى حد كبير نتيجة اقتصاديات المشاريع، حيث إن تكاليفها لم تنخفض بوتيرة الانخفاض نفسها في أسعار النفط. التحدي بالطبع يكمن في مسار انتعاش الاقتصاد العالمي، فإذا كان الانتعاش على شكل V فإن الطاقات الاحتياطية ستنخفض بسرعة.
أما فيما يخص الغاز الطبيعي، فخلال عامي 2009 و2010 من المتوقع أن يتم إنجاز نحو عشرة مشاريع جديدة لتسييل الغاز الطبيعي، متزامنة مع انخفاض كبير في الطلب على كل من غاز خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال2. ونتيجة لذلك، عديد من ناقلات الغاز الطبيعي المسال تبحث عن أسواق لها في الوقت الحاضر. ما أدى إلى اختلال في ميزان العرض والطلب لمصلحة الطلب وزيادة الطاقات الاحتياطية، وانخفضت أسعار الغاز. على سبيل المثال أسواق هنري هوب في أمريكا الشمالية، شهدت هبوطا في أسعار الغاز إلى ما دون عتبة أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية MMbtu. جميع هذه العوامل كانت لها تداعيات كبيرة على القرارات المتعلقة بالاستثمار في المشاريع الجديدة. على سبيل المثال هنالك تباطؤ واضح في الاستثمارات في مشاريع الغاز الطبيعي غير التقليدية عالية التكلفة. كذلك هناك تأخير أو تأجيل في تنفيذ بعض مشاريع الغاز الطبيعي المسال. هذا من شأنه أن يؤدي إلى توازن نسبي لسوق الغاز الطبيعي.
قطاع الطاقة الكهربائية هو الآخر يعاني توافر طاقات فائضة وفي الوقت نفسه مزيد من مشاركة الحكومة في اتخاذ القرارات، خصوصا فيما يتعلق بالدفع نحو تحسين كفاءة استخدام الطاقة وخفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون. إن تأثير الركود الاقتصادي الحالي في الطلب على الطاقة الكهربائية مرتبط مباشرة بهيكلية الطلب على الطاقة في البلد المعني. على سبيل المثال، أكثر من 70 في المائة من الطلب على الكهرباء في الصين من نصيب القطاع الصناعي. وبانهيار أسواق التصدير، الطلب على الطاقة في قطاع الصناعة التحويلية انخفض أيضا بصورة كبيرة. الطلب على الكهرباء في كل من المكسيك، روسيا، البرازيل، وتايلاند يتركز أيضا بصورة أساسية في القطاع الصناعي.
على العكس من ذلك، الطلب على الطاقة الكهربائية في كل من اليابان، وبلدان منظمة التعاون والتنمية في أوروبا والولايات المتحدة موزع على نحو أكثر توازنا بين القطاعات السكنية والتجارية والصناعية. قطاع الصناعة الكهربائية في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية أعلنت عن خطط لبناء أكثر من 15 جيجاواط Giga Watts جديدة من محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم, ولكن بسبب سياسات الكونجرس الجديدة الخاصة بتغير المناخ، فإن الطاقات الإنتاجية الإضافية ستكون مقتصرة على تلك التي يجري العمل على بنائها بالفعل في الوقت الحاضر أو على المحطات الصغيرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي