حررونا من المنافسة

حررونا من المنافسة

يروي الكوميدي Ricky Gervais قصة عن رحلة طيران مزعجة. فحين تم إبلاغه أن شركة الطيران لم تعد تقدم الصحف للركاب، من أجل خفض التكاليف، وجد نفسه يتخيل عامل الصيانة يتفحص عجلات الطائرة ويتساءل: ''هل نحتاج حقا إلى كل هذه المسامير؟''.
لقد أصبحت احتمالية أن تتصرف الشركات التي تسعى جاهدة للحفاظ على الأرباح بتهور مصدر قلق في عديد من الصناعات. ويلقي البعض اللوم على حدة الأزمة المالية الحالية على ضغوط المنافسة التي تتعرض لها البنوك. وهناك كثير جدا من المؤلفات الأكاديمية التي تربط تحرير الأسواق بزيادة حالات فشل البنوك. وتشير إلى أن رفع القيود، مثل الحدود القصوى لأسعار الفائدة على الودائع أو القواعد التي تمنع البنوك من العمل في بعض الأسواق، يؤدي إلى زيادة حدة المنافسة. وهذا أمر جيد بالنسبة مقترضين، ولكنه يضر أيضا بهوامش أرباح البنوك عن طريق تخفيض ''قيمة الامتياز'' التي تأتي من الإيرادات المتوقعة.
وتقلص الامتياز لا يضر فقط بالمساهمين. فتخفيض حصة البنوك في بقائها على المدى الطويل قد تزيد احتمالية فشل البنوك أكبر. وستكون البنوك التي قد تتطلع إلى تحقيق أرباح ضخمة في السوق المحميّة حريصة على الإقراض بحذر لتجنب الإفلاس الذي سيدمر امتيازها. إلا أن البنك الذي يحقق هوامش ضئيلة وغير مؤكدة على القروض العادية لن يكون لديه الكثير ليخسره إذا راهن على المشاريع الأكثر خطورة. وإذا أتت هذه المشاريع بثمارها، سينتفع البنك، وإذا لم يحدث هذا، سيتحمل المودعون والحكومة التكاليف.
وتدعم بعض الدراسات التطبيقية هذه النظرية. فقد وجد البحث الذي نشرته American Economic Review عام 1990 أن بعض قيمة الامتياز انخفضت بعد رفع القيود فيما يتعلق بالأماكن التي يمكن للبنوك العمل بها. وكان لدى البنوك التي خسرت القوة السوقية نتيجة لذلك رأسمال أقل لحمايتها من الإفلاس. ووجدت دراسة حديثة أجراها Vicente Salas من جامعة سرقسطة وJesus Saurina، مدير قسم الاستقرار المالي في بنك إسبانيا، نفس النمط في القطاع المصرفي الإسباني. فقد حفز تخفيض القيود المنافسة وقلص هوامش الأرباح وأدى إلى مجازفات أكبر من قبل البنوك. (لا تشير كل الدلائل إلى هذا: على الرغم من أن دراسات الأسواق الفردية هذه تشير إلى أن المنافسة قد تؤدي إلى الضعف، إلا أن المقارنات الدولية توحي بالعكس، وذلك وفقا لمسح للبنك الدولي العام الماضي أجراه Thorsten Beck، الذي يعمل الآن في جامعة تيلبيرغ).
ومن الواضح أن هناك بعض التوتر بين أهداف الاستقرار المالي ومبادئ سياسة المنافسة، التي تقول إن احتكارات القلة غير فعالة ولا تخدم المستهلكين جيدا. ومع ذلك، يبدو أن كثيرا من صنّاع السياسة يعتقدون أن فرض بعض القيود على المنافسة قد يكون ثمنا يستحق دفعه لزيادة الاستقرار. وقد خرج النظام المصرفي في أستراليا من الأزمة سليما مثلا، وقال الرئيس السابق للبنك المركزي للدولة، Ian Macfarlane، إن أحد أسباب هذا هو أنه تم منع أكبر أربعة بنوك من الاندماج. وحين تحرروا من مخاوف الاستحواذ عليهم، لم يكن على المديرين التنفيذيين في البنك ملاحقة الأرباح بقوة مثل نظرائهم في أمريكا أو بريطانيا. وقد يفسر هذا السبب في كون البنوك الأربعة الكبيرة ليست بحاجة إلى إنقاذ من الحكومة وسبب احتفاظها بتصنيفات ائتمانية عالية. وتعتبر كندا مثالا آخر على المكان الذي تزامن فيه عدم تغيير هيكل السوق مع الاستقرار المالي. فلا يزال لديها نفس البنوك الخمسة الكبيرة التي كانت لديها منذ عقدين من الزمن ولم يحتج أي منها إلى الاعتماد على دعم الدولة.

الكفاءة مقابل الاستقرار
وكانت استجابة مكافحة الاحتكار هي القول إن المشكلة لا تكمن كثيرا في المنافسة بل في قلة التنظيم. ومكافحي الاحتكارات على حق في قلقهم من المناشدات الخاصة باسم القطاع المصرفي أو الصناعات الأخرى. فإفلاس بنك ما قد يتسبب في المشكلات إذا أدى إلى حالات فشل أخرى ودمر نظام المدفوعات والائتمان بكامله. ولكن قد يكون هناك مشكلات ''تؤثر في النظام بأكمله'' في صناعات تنافسية أخرى أيضا. فعلى سبيل المثال، انتشار الذعر بشأن المواد الغذائية في مصنع ما قد يدفع المستهلكين إلى الابتعاد عن المنتجات المماثلة التي تصنعها شركات أخرى. إلا أن تهدئة المخاوف المتعلقة بأمن الغذاء لا يعني تقليل المنافسة، بل تنظيم وتطبيق المعايير. وهذا ما يجب أن يحدث في القطاع المصرفي. فالمنافسة بين شركات الطيران قد تعرّض، مبدئيا، سلامة المسافرين للخطر. وكونها لا تفعل ذلك يعود إلى التنظيم. وإذا وضعنا مخاوف Gervais جانبا، فإنه نادرا ما يتم اقتراح أن شركات الأغذية أو شركات الطيران أقل أمنا بسبب وجود منافسة شديدة.
وهناك سبب آخر لضرورة عدم معاملة القطاع المصرفي باعتباره حالة خاصة. فأحد السبل للحصول على القوة السوقية هو الحجم. والمستهلكين يعتقدون أن تبديل البنوك أمر مكلف وغالبا ما يترددون في فعل ذلك، لذا من غير المرجح أن تكون الصناعة التي يهيمن عليها عدد قليل من الشركات تنافسية. وإذا كانت حجة قيمة الامتياز صحيحة، فيجب أن تحقق، على الأقل، الاستقرار. والأكثر من ذلك هو أن البنوك الكبيرة قادرة على تنويع إيراداتها، مما يدحض احتمالية الفشل. إلا أن البنك الذي يملك قوة سوقية كافية سيعتبر أيضا كبيرا جدا بحيث لا يجب أن يفشل، وسيتم إنقاذه في حالة الإفلاس. ومعرفة هذا قد تؤدي إلى الإفراط في المجازفات وتحمل المخاطر وهي أحد الأسباب التي دفعت البنك المركزي في سويسرا إلى القول إنه قد يكون من الضروري تقليص حجم البنكين الكبيرين جدا في الدولة. والفكرة الأخرى السائدة في الأوساط التنظيمية هي إجبار البنوك الكبيرة على تخصيص رأسمال أكبر من ذلك الذي يجب أن تخصصه البنوك الأصغر.
ولكي يكون التمويل مستقرا، يجب أن تتحمل البنوك تكاليف مجازفتها. وقيمة امتياز البنك هو أحد أشكال رأس المال. وسيتم فقدانها للأبد إذا فشل البنك لذا تعتبر ضمانة ضد المراهنات الطائشة في الودائع. ولعل فكرة رشوة الناس لكي يسلكوا سلوكا جيدا (في هذه الحالة عن طريق السماح للبنوك بالتمتع بالقوة السوقية) مرفوضة ولكنها معروفة على الأقل. وتقول نظرية ''أجور الكفاءة'' إن الشركات التي لا تستطيع مراقبة جهود العاملين بصورة جيدة عليها بدلا من ذلك دفع أجور عالية لكي تجعل طردهم أكثر تكلفة. ولكن من الأفضل مراقبة البنوك عن كثب وإجبارها على تحقيق التوافق بين رأسمالها الملموس ورغبتها في المجازفة. وقد تعلم المنظمون في إسبانيا الدرس الصحيح، عن طريق جعل البنوك تبني احتياطات لها في الأوقات الجيدة وتقليل المجال أمامها للالتفاف على أنظمة رأس المال. وحين تؤدي المنافسة إلى مزيد من المجازفة، تكون الاستجابة الأفضل هي مراقبة البنوك عن كثب >

الأكثر قراءة