مكة: السوق العقارية تكسر حاجز الترقب.. وتبدأ في تسجيل ارتفاعات
استفاقت الضغوط التضخمية في السوق العقارية بمختلف قطاعاته في مكة المكرمة مرة أخرى بعد فترة هدوء وترقب استمرت نحو خمسة أشهر، وسجلت الأسعار على مستوى قطع الأراضي والوحدات السكنية مختلفة التصنيف بالنسبة للتملك ارتفاعات راوحت بين 10 و 20 في المائة، بينما سجلت نسبة الارتفاع في إيجار الوحدات السكنية بلغت معظمها 100 في المائة في ظل انخفاض حجم العرض الذي بات لا يواكب حجم الطلب خاصة مع قيام عدة مشاريع تطويرية أسهمت في نزع ملكية أكثر من 20 ألف عقار. ويرى مختصون عقاريون تحدثوا لـ« الاقتصادية» أن أسباب تغلب السوق العقارية في مكة المكرمة على حالة الترقب التي كانت تسودها منذ أن ضربت الأزمة العالمية معظم اقتصادات الدول، سواء كانت الأمريكية أو الأوروبية أو المجاورة تعود إلى السياسة المالية المتبعة في المملكة التي أسهمت في نجاة السوق وعودة الثقة إليها مجددا، وإلى أن السوق تحدها الحدود الشرعية الخاصة بالحرم المكي الشريف، وإلى جغرافية المنطقة الجبلية، وبسبب خروج العديد من العقارات من الخدمة من خلال نزع ملكياتها لمصلحة المشاريع التطويرية، وعدم وجود تحرك من أمانة العاصمة المقدسة يهدف إلى زيادة عدد الطوابق المتكررة للمباني، وعدم وجود مخططات سكنية جديدة تلبي احتياج فئات متوسطي وحدودي الدخل.
ووصف منصور أبو رياش رئيس اللجنة العقارية في الغرفة التجارية الصناعية في العاصمة المقدسة ارتفاع أسعار العقارات خلال الأسابيع الماضية في سوق مكة المكرمة بالأمر الطبيعي، خاصة بعد أن تأكد فعليا أن السوق السعودية نجت من الأزمة الاقتصادية بجدارة، وذلك في ظل وجود السياسة المالية المقننة من قبل الجهات المعنية وانخفاض حجم القروض الائتمانية العقارية من قبل المصارف التي أحكمت القبضة على التوسع في منتجات القروض، ما أسهم في بث الطمأنينة في نفوس العاملين في السوق ودفع بهم للعودة مجددا.
#2#
#3#
وأرجع أبو رياش أسباب الارتفاعات المتتالية في سوق العقار في مكة إلى أن السوق تحده الحدود الشرعية الخاصة بالحرم المكي الشريف، وإلى جغرافية المنطقة التي تمثل نسبة المناطق الجبلية فيها قرابة الـ 75 في المائة، وبسبب خروج العديد من العقارات من الخدمة من خلال نزع ملكياتها لصالح المشاريع التطويرية في الوقت الذي لا يوجد فيه البديل الجاهز، وعدم وجود تحرك من أمانة العاصمة المقدسة يهدف إلى زيادة عدد الطوابق المتكررة للمباني، حيث تسبب تأخرها في إصدار القرار إلى رفع أسعار إيجار وحدات السكن الدائم إلى نحو 100 في المائة، إذ إن مستوى أسعار الشقق السكنية المكونة من ثلاث غرف بات يراوح في منطقة إيجار سنوي تبلغ 24 ألف ريال، مفيداً أن مكة المكرمة باتت بحاجة إلى نحو 100 ألف وحدة سكنية بمختلف مستوياتها خلال الثلاثة أعوام المقبلة.
وأضاف أبو رياش: « لقد تم خلال الفترة الماضية إزالة نحو 1300 عقار لمصلحة توسعة الحرم المكي الشمالية، وهناك مشروع إعمار شمال الحرم الذي سيعمل على نزع ملكيات نحو 4500 عقار، وهو الأمر الذي سيتسبب في ضغط جديد على حجم العرض، ما سينعكس بالتالي على ارتفاع حجم الطلب، إضافة إلى أن هناك عدة مشاريع أخرى قامت بنزع ملكيات عقارات في مناطق عدة في العاصمة المقدسة، التي منها مشروع طريق الملك عبد العزيز الذي أسهم في نزع ملكيات نحو 3700 عقار، ومشروع شركة محور الحرمين التي ستنزع نحو أربعة آلاف عقار، ومشاريع طرق الخطوط الدائرية الثاني والثالث والرابع، ومشروع تهذيب وتنظيم شارع الخنساء ومنطقة شارع الحدادة»، مردفاً أن جميع تلك المشاريع التي يجري العمل عليها أو القائمة في حيز التنفيذ أسهمت في انكماش المساحة المكانية، ولعبت دوراً بارزاً في تشكيل ضغط حراري على الأسعار أدى إلى صعودها بشكل متصاعد قد يستمر لفترات طويلة خلال الأعوام القادمة.
وتوقع أبو رياش أن الأسعار التي تشهدها سوق العقارات في مكة المكرمة والتي مازالت تتصاعد بنسب متفاوتة ستشهد بعد موسم حج العام الجاري قفزات كبيرة ومتتالية لم تشهدها السوق من قبل، ويرى أن حجم السيولة التي تدار بشكل فعلي في سوق مكة المكرمة في الوقت الحالي يبلغ نحو 70 في المائة من أصل 30 مليارا هي قيمة تعويضات نزع ملكيات العقارات لمصلحة مشروع الساحات الشمالية للحرم المكي الشريف، لافتاً إن أحياء العزيزية والششة والروضة والمعابدة هي أربعة أحياء باتت مناطق لإسكان الحجاج كبديل للمنطقة المركزية، وأن مستوى ارتفاع الأسعار فيها بلغ نحو 10 -15 في المائة بشكل شهري، وذلك نظير محدودية الأراضي المتوافرة على الشوارع العامة وعدم السماح لها بفتح نظام تكرار الطوابق، وأن ارتفاع الأسعار في المنطقة المركزية يراوح بين 20 و30 في المائة بشكل شهري.
وعن وجود صفقات استحواذ كبيرة ومقننة قال أبو رياش: «إن صفقات الاستحواذ إما أنها تمر عبر كتابة العدل أو من خلال الشركات على الورق بين شركاء ومحافظ أخرى يثقوا بشخصية معينة أو أكثر تصدر من خلالها سندات ائتمان، وللأسف أن الغرفة التجارية تفتقد الاتصال مع كتابة عدل»، مطالباً بضرورة وجود مؤشر بيني بين كتابة العدل والغرف التجارية يعمل على إظهار حجم الصفقات والمبالغ التي يتم تدويرها في أسواق العقارات عوضاً عن التقديرات التي تظهر بين الفينة والأخرى وقد تكون غير واقعية وحقيقية.
من جهته، يرى بندر الحميدة عضو اللجنة العقارية في الغرفة التجارية الصناعية في العاصمة المقدسة أن نسبة الارتفاع في معدلات أسعار الأراضي والوحدات السكنية منذ عودة السوق إلى الحركة مجددا بعد توقف دام خمسة أشهر بلغت نحو 20 في المائة، مرجعاً أسباب الارتفاع إلى صغر مساحة مكة المكرمة نظراً لطبيعتها الجبلية، وإلى انكماش المساحة السكنية بفعل المشاريع التطويرية في ظل عدم وجود مخططات سكنية جديدة، وهو ما أسهم بالتالي في حصر المستثمرين ونشاطهم العقاري داخل المساحات المتوافرة في السوق، الأمر الذي شكل ضغطا على حجم العرض مقابل الطلب المتزايد نتيجة النمو السكاني وتسبب في رفع الأسعار بشكل عام.
وأشار الحميدة إلى أن مستوى التركيز في ارتفاع الأسعار كان في المنطقة المركزية المحيطة بالحرم المكي الشريف وفي أحياء بطحاء قريش والعزيزية والعوالي، كاشفاً عن أن سعر المتر السكني على الشوارع الداخلية في حي العوالي ارتفع بنسبة 20 في المائة وقارب مستوى ألفي ريال، كما أن مستوى سعر المتر التجاري في حي العزيزية بات يراوح في منطقة 30 ألف ريال، فيما راوح سعر المتر السكني على الشوارع الداخلية وفق لتصنيفاتها بين 6 و14 ألف ريال لكل متر مربع، وأن سعر المتر في مخططات المنح قفز إلى نحو 20 في المائة حتى وإن كانت معظم تلك المخططات لم تكتمل فيها البنية التحتية بشكل كلي، مردفاً أن مستوى الأسعار في مخطط النسيم تعتبر هي المنطقية في الوقت الحالي مقارنة بحي العزيزية الذي يعد من المخططات القريبة منه، حيث بلغت نسبة الارتفاعات في الأسعار بين 10 – 15 في المائة وفقاً لنوعية الشارع والمكان، خاصة أن المخطط يعد أحد المخططات التي ينظر إليها المستثمرون كبديل مستقبلي لإسكان الحجاج، وأن الأسعار في مخططات الشوقية بلغت نسبة الارتفاع فيها نحو 20 في المائة.واستدرك الحميدة أن الارتفاع في الأسعار الذي قدره بالنسبة لمخططات المنح بنحو 20 في المائة كان من المفترض أن يتجاوز ذلك الرقم بشكل أكبر، مرجعاً أسباب عدم الزيادة التصاعدية في تلك المخططات إلى تأخر إيصال الخدمات وعدم اكتمال تجهيز البنية التحتية، وأسباب ارتفاعها وفق تقديراته إلى أنها تعد الأراضي الأرخص سعرا في مكة المكرمة في الوقت الراهن وهو ما دفع صغار المستثمرين للتوجه إليها إما للتملك لأجل السكن أو لأجل المضاربة وتحقيق الأرباح.
وشدد الحميدة على نسبة العجز في الإسكان الدائم في سوق مكة المكرمة العقارية، حيث يرى أن العجز بلغ نسبا كبيرة وباتت واضحة للعيان، سواء كان ذلك بالمتعلق بوحدات التملك السكنية أو الإيجار، مفيدا بأن مشاريع التملك للوحدات السكنية التي تخاطب الفئات محدودة الدخل أو المتوسطة تعد قليلة مقارنة بتلك التي تخاطب فئة المعتمرين والحجاج.
وأوضح الحميدة أن مستوى أسعار الإيجارات للشقق السكنية وفقاً لنوع ومساحة الشقة تقدر بين 25 و45 ألف ريال سنوياً، وأن في حي العوالي تبلغ أسعار الشقق بين 30 و50 ألف ريال، وفي بطحاء قريش بلغ أسعار الإيجار للشقق من 20 ألفا إلى 35 ألف ريال، وفي مخطط الشرائع بين 18 ألفا إلى 30 ألف ريال لإيجار الشقة السنوي، مبيناً أن المخططات الواقعة خارج الحدود الشرعية للحرم المكي الشريف، خاصة تلك الواقعة في المنطقة الشمالية كمخططات النورية وحي العمري ارتفعت فيها نسب الإيجارات بين 30 و40 في المائة.