عفوا.. وظيفتك سيشغلها طفل!
"لماذا ينبغي علينا دفع فاتورة الفقر؟. نحن لم نصنع الفقر، البالغون هم الذين صنعوه"
سلطانا (طفلة في الثانية عشر من عمرها تعمل بمصنع ملابس في بنجلاديش)
ليست قضية اليوم، إنها قضية الأمس كما الغد. ليست أزمة ولدت من أزمة، إنها أزمة ولَدت وتولًد الأزمات. ليست مسألة موسمية، إنها مسألة لكل المواسم. ليست هماً محصورا في منطقة بعينها، إنها همٌ منتشر في كل المناطق. ليست مشكلة عابرة، إنها مشكلة "مقيمة". لا.. ليست "جنحة"، إنها جريمة كاملة، هي من تلك المصائب الشبيهة بالسرطان، لا بنوبة زكام. هي مثل تلك الرياح التي تدمر الورود، وتترك أشواكها نافرة، كأنياب مفترس. ولأن القضية وليدة الأمس، فالأزمة الاقتصادية العالمية بريئة من إحداثها، لكنها مدانة في استفحالها، وفي ارتفاع عدد ضحايا. إنها تلك القضية التي يطلقون عليها اسم " تشغيل الأطفال"، ولعل الاسم الأعمق توصيفا لها هو "قتل الأطفال". ولكي أكون أقل عنفا في التوصيف، أقول "الأطفال الهَرمون"! أو" الأطفال الكبار قسرا"! أو "الأطفال البالغون بقرار"!!. يقول زعيم التبت المنفي الدالاي لاما (لاما تعني بلغة التبت "محيط الحكمة"): "إن مشاكل هذا العالم بما في ذلك تشغيل الأطفال والفساد، هي أعراض لأوبئة روحية، وافتقار إلى الرحمة". ولعلي أضيف.. أن تشغيل الأطفال، هي عملية تقوم على أخلاق موبوءة ـ إن وجدت الأخلاق أصلا.
العالم يواجه قضية متعاظمة، لا تنفع معها النيات السليمة، ولا التمنيات الطيبة، ولا الإدانات الإعلامية، ولا التصريحات الثورية.. كما لا تنفع معها الدموع الصادقة. لماذا؟.. لأنها أكثر القضايا سرعة في التحول، من مسألة إلى مشكلة إلى أزمة إلى مصيبة إلى فاجعة.. إلى كارثة. إنها أكثر القضايا التي تقدم الإنسانية بأبشع صورة لها. في منتصف القرن الماضي، قال الأديب والكاتب البريطاني الشهير جورج أورويل: "إذا أردت أن تعرف شكل الإنسانية في المستقبل، تخيل صورة وجه إنسان، على خده طبعة حذاء". وإذا أردت أن "أعتدي" على أورويل، أقول: "إن شكل الإنسانية الآن، هي عبارة عن صورة طفل في الخامسة من عمره، يعمل في مصنع"!
الأزمة الاقتصادية ـ ما غيرها ـ هي التي رفعت أعداد العاطلين عن العمل، في أغنى الدول وأفقرها، رفعت بصورة مطردة أعداد الأطفال العاملين، أيضا في كل الأرجاء! قبل الأزمة بلغ عدد العاطلين عن العمل عالميا (إحصاء عام 2007 حسب منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة)، أكثر من 190 مليونا. وقبلها أيضا كان هناك 250 مليون طفل بين الخامسة والـ 14 من أعمارهم، يعملون حول العالم. من بين هؤلاء أكثر من 70 مليون طفل دون سن العاشرة. ومن المجموع الكلي للأطفال العاملين، يعمل 120 مليون طفل بنظام الدوام الكامل. ولمزيد من الأرقام المفجعة، يقتل 22 ألف طفل سنويا جراء الحوادث خلال عملهم، ويخضع 8.4 مليون طفل للعبودية العامة، وعبودية الدَين، والدعارة. هناك 128 مليون طفل تحت سن الـ 14 يعملون في آسيا، و49 مليون يعملون في إفريقيا من الشريحة العمرية نفسها. وللمزيد أيضا.. وأيضا، يعمل 70 في المائة من الأطفال في قطاعات الزراعة والصيد التجاري وصيد السمك، و8 في المائة في الصناعة، و8 في المائة في المحال التجارية والمطاعم والفنادق، و7 في المائة يعملون كخدم في المنازل! يا لها من أرقام!
من الزاوية المكملة، تصل تقديرات المنظمة الدولية المذكورة، لأعداد العاطلين الذين انضموا وأولئك الذين سينضمون إلى قوافل العاطلين البالغين مع نهاية العام الجاري إلى 59 مليون إنسان، وبذلك سيصل المجموع الكلي للعاطلين ـ عالميا- إلى 249 مليون، أي ما يوازي 6,1 في المائة، مقارنة بـ 5.7 في المائة عام 2007. وعلى الرغم من ضخ ما يقرب من 2000 مليار دولار في الاقتصادات العالمية، ضمن إطار عمليات التحفيز، إلا أن هذه الأموال لم تقلل من أعداد المسرحين من وظائفهم، في الوقت الذي يسير فيه مؤشر البطالة العالمية بسرعة نحو 7 في المائة بحلول عام 2011.
لست بصدد الحديث هنا عن البطالة العالمية، إلا من ناحية ارتباطها بتشغيل الأطفال. والواقع أن جرائم الاتجار بالبشر مرتبطة أيضا بهذا "التشغيل" المشين (حجم الاتجار بالبشر يصل سنويا إلى 36 مليار دولار)!. وحسب التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن عدد "بضائع" هذه التجارة يبلغ سنويا أكثر من 12.3 مليون إنسان!. وقد ازداد هذه العدد بسبب الأزمة الاقتصادية. في زمن الأزمات الكبرى يرتفع الطلب على العمالة الرخيصة، ولا سيما تلك التي تفتقر إلى الحقوق، على الرغم من أنها تقوم بواجبات مضاعفة، فالمؤسسات والشركات الكبرى، التي تقوم بتسريح ما أمكنها من موظفيها وعمالها، تلجأ إلى التشغيل "خلف الكواليس"، عن طريق التحايل على القوانين، وتفادي الضرائب، وبالطبع لضغط النفقات من خلال تقليص الرواتب. هنا يمثل تشغيل الأطفال حجر الزاوية، لتنفيذ المخططات المريعة. لماذا؟ لأن هذه المؤسسات تشغل الأطفال بـ "رواتب" لا تختلف كثيرا عن السخرة، دون أن يحق لهم الاحتجاج أو الاعتراض أو حتى الشكوى الهامسة! ولأنهم خارج القانون أصلا، فلا قيمة لاحتجاجاتهم ـ إن وجدت ـ ولا وزن لاعتراضاتهم.. ولا آذان لشكاويهم.
ولأن الجريمة كبرى، فعناصرها كبيرة من دول ومؤسسات. ولكيلا أبدوا موجها للاتهامات، "أستنجد" بما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون. قالت: "هذه عبودية عصرية. إنها جريمة يتسع نطاقها دولياً. إنها توفر لأرباب عمل قساة، سلسلة لا تنتهي من الأيادي العاملة لاستغلالها لتحقيق مكاسب مادية". وكانت هذه المرأة في أوج وجودها الأخلاقي عندما قالت: "إن الاتجار بالبشر، وما يترتب عليه من تشغيل للأطفال، جريمة تحدث في جميع دول العالم، وهذا يشملنا". وكلمة "يشملنا" هذه، تضع تحت جناحيها، مؤسسات كبرى بأسماء رنانة، تقوم بتشغيل الأطفال، عن طريق العمل القسري، أو بـ "رواتب" تشتري رغيفا ـ ربما ـ لكنها لا توفر دواء حتى للزكام! وإذا كان تشغيل أعداد كبيرة من البالغين، يتم خلف الأبواب الموصدة، خوفا من القانون والأخلاق والإنسانية، فإن تشغيل الأطفال يجري تحت الأرض، خوفا من كل هذه العناصر، إضافة إلى الضمير، إن كان له مكان، عند مديري "المؤسسات الرنانة"!. عام 2007 قدرت المنظمات الدولية المختلفة عدد الأطفال الذين يعملون في الدول الكبرى "الراشدة" بأكثر من 2.5 مليون طفل. والذي يزيل شيئا بسيطا جدا من هذه الغمامة، أن هذه الدول لم تعترض على هذا التقدير المخيف، بل إن بعضها وافق عليه.
يصعب في الوقت الراهن تقدير عدد الأطفال الذي "انضموا" إلى سوق العمل في العالم، لكن إذا كان عدد هؤلاء قبل الأزمة الاقتصادية أكثر من 250 مليون طفل، لنا أن نتخيل المجموع الكلي لهم بعد الأزمة التي لا تزال رحاها دائرة. قبل الأزمة ـ وهل يوجد غيرها الآن؟! ـ بلغ عدد الذين يعيشون على دولار واحد في اليوم 487 مليون إنسان، وعدد الذين "يتمتعون" بدولارين اثنين في اليوم الواحد أكثر من 1.3 مليار! ولنا ـ مرة أخرى ـ أن نتخيل مستقبل الطفولة في العالم، وحراك المؤسسات "الرنانة والصامتة" أيضا في "قطاع" تشغيل الأطفال.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، بلغ مجموع الدخل الناجم عن تشغيل الأطفال في بلد مثل جواتيمالا ـ حسب مكتب حقوق الإنسان هناك - حجم ميزانية وزارة التعليم في هذا البلد!. وإذا ما استمرت الأزمة الاقتصادية العالمية في أدائها المريع، ربما فاق دخل الأطفال العاملين ميزانيات وزارات البنى التحتية، بل ووزارات الدفاع أيضا.
أليست قضية الأمس.. حضنها اليوم.. ليقذفها إلى الغد؟!.