مائة أو ألف يوم لوزير
ذُكِر أن معالي وزير التربية طلب زيادة «صفر» إلى المائة يوم التي كان قد طلبها لتقييم الوضع التربوي والتعليمي في المملكة. للكل دور في التنمية ولكن رؤية وتنفيذ برامج تربوية وتعليمية لهما دور حاسم في نجاح المسيرة التنموية. الإجماع العام أن تكون هناك رؤية وطنية لتقدم المملكة، ولكن إحدى ماكينات هذه الرؤية الكبيرة هي العملية التربوية والتعليمية، لذلك أتى حديث الوزير لافتا. انتظرنا سياسة تعليمية لتكون منخرطة تماما وفي تجانس مع عملية التحديث بكل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية. لعل جهاز الوزارة قادر على إحداث تغيير نوعي موعود.
تمتعت المملكة بفضاء سياسي مريح، وموارد مالية كافية وتجربة إدارية طويلة، ولكنها مع كل هذا لم تحقق المأمول تنمويا، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى ضعف في المنظومة التعليمية. فلم تنجح سياسة التعليم الفني كفاءة وعددا، وليس لدينا موقف واضح من علاج الضعف في التعليم العام، وليس لدينا حسم في دور تنوع وقوة التعليم الجامعي، وما زال التلقين سيد الموقف على حساب الإبداع والتفكير والنقد. لم نستطع اكتشاف الحلقات الأضعف في المنظومة والعمل عليها، علما أن العملية التعليمية سلسلة قوتها في أضعف حلقاتها. لا نستطيع التخفي وراء حجم الأرقام، فهذه كانت لعقود مضت. الاستحقاقات والمهام أكبر والرابط بين قوة البلاد والتعليم أوضح.
برزت عدة ظواهر لافتة تدلل على صعوبة التكيف مع الوضع الحالي ومدى قوة العيوب الهيكلية، فهناك تزايد في «هروب» البعض إلى المدارس العالمية، وهناك حرص متزايد على التعليم باللغة الإنجليزية. الهروب من العباءة المقصرة محمود ولكن الهروب يحمل أيضا أعراض ضعف عام، خاصة أن الهاربين في الغالب من أبناء القادرين ماليا أو وظيفيا، وهذا لا يخلو من المساهمة في إيجاد طبقية علمية، إضافة إلى طبقية اقتصادية مما يوسع الفراغات والمساحات في المجتمع وبالتالي يضعفنا جميعا.
أحد أعراض فقد الرؤية، إن لم يكن ضعفا إداريا، أن الكادر التعليمي منشغل بذاته: فالانتقال من مدرسة إلى مدرسة أو عدالة الكادر ومن فاته اللحاق بالكادر الكريم البخيل (ما زلنا في سياسة من سبق لبق)، بينما مركزية المعلم والمعلمة في هذه المنظومة الإدارية في حالة من الشك. الإشكالية الإدارية معمقة، فهناك عدم كفاءة واضح للكثير من المعلمين والمعلمات، وهناك أيضا عدم عدالة أو مساءلة دقيقة. من حق الكثير التساؤل حول «الحاجة» إلى رؤية، بينما ما زلنا نعاني إشكالية الكفاءة الإدارية وضوحا وتنفيذا. لفت نظري دراسة لماكنيزي للاستثمارات حول التعليم في عدة دول، حيث كانت النتيجة واضحة في أداء مقارن للطلاب في امتحانات القياس العلمي والأكاديمي. أكدت الدراسة أنه ليس عدد الطلاب في الصف أو رواتب المعلمين والمعلمات هي العامل المؤثر، بل إن العامل المؤثر الأهم دائما هو: الأهمية والهيبة الاجتماعية للمعلم والمعلمة في المجتمع. ذكرت الدراسة أن مركز تلك الأهمية ينبع من مصدرين: الأول، هو كيفية اختيار المعلم أو المعلمة (مدى صعوبة أن تصبح معلما). والثاني: هو ما يبذله المجتمع ممثلا في الجهات المعنية من استثمار في إعداد وتجهيز المعلم والمعلمة الكفء. فالتوصية واضحة إذا أردت تحسين العملية التعليمية فعليك بالاستثمار في المعلم والمعلمة.
تكفينا خطوة أولى مباركة، فإن الوزير أخذ المسألة والوقت في الحسبان، ولكن يبقى الأهم لكيلا نضيع في غياهب الخطط الورقية، لعل مركزية المعلم والمعلمة نقطة بداية مهمة، فلم يبق لدينا وقت وفير أو فرص أخرى إذا لم نعمل. بقي أقل من 900 يوم، والجميع في حالة انتظار. ولعل بقية الوزراء يأخذون بهذا المقياس.