خطاب الرئيس الأمريكي للعالم العربي والإسلامي .. المصالح الاقتصادية كانت حاضرة
لعل من أهم ما يميز تاريخ العالم الحديث الترابط الكبير بين السياسة والاقتصاد، حيث إن الأنظمة الحديثة التي تعتبر الأكبر تأثيرا في العالم المعاصر هما النظام الشيوعي الذي كان ممثلا في الاتحاد السوفياتي الذي سقط في نهايات القرن الماضي بعد أن كان له تأثير في العالم على مدى ما يقارب ثمانية عقود, وهذا النظام السياسي هو في الأساس ينبني على نظرية اقتصادي، والنظام المقابل له وهو النظام الرأسمالي الذي يعد نفسه منتصرا على النظام السابق, وهو نظام سياسي ينبني في الأساس على نظرية اقتصادية أيضا، وهو يوضح مدى الارتباط الكبير بين السياسة والاقتصاد في العصر الحاضر، مع العلم أن الانظمة السابقة التي حكمت العالم لم تتجاهل الاقتصاد تماما، بل كان الاقتصاد حاضرا ولكن كانت هناك أمور أخرى مؤثرة بشكل كبير مثل الأديان.
ولما كان الاقتصاد بهذه الأهمية في الأنظمة العالمية اليوم، كان لا بد أن تكون حاضرة في أغلب العلاقات التي تتم بين الدول والأمم خصوصا الدول التي تتبني النظام الرأسمالي كما هو الحاصل في الولايات المتحدة، ولذلك عندما يكون هناك حرص على تكوين أو تحسين علاقات مع دول أخرى لا بد أن يكون ذلك على أسس, ومن أهم تلك الأسس المصالح الاقتصادية، ولذلك لم يغفل الرئيس الأمريكي هذا الأمر، فقد أشار إلى قضية العلاقات الاقتصادية مع العالم الإسلامي وأن تكون هناك شراكة أكبر مع العالم الإسلامي في الجانب الاقتصادي والمساهمة في تنمية هذه المجتمعات من خلال نقل التعليم والتقنية إلى بلدان العالم الإسلامي، وإتاحة الفرصة لعدد أكبر من الطلبة المتميزين لتلقي التعليم في أمريكا، وهذا يعد توجها وانفتاحا أكبر على العالم الإسلامي، بعد أن كان كثير من العرب والمسلمين محل اشتباه في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
هذا الخطاب في جانبه الاقتصادي يظهر فيه التركيز على جانب التأهيل والتعليم والابتكار في مجال التعليم والتقنية بشكل واضح، وفيه إشارة إلى التجربة اليابانية والكورية، كما أن فيه إشارة أيضا إلى التقدم الذي حققته دول إسلامية مثل ماليزيا ودبي.
الظاهر من خطاب الرئيس الأمريكي أن هناك توجها إلى بلدان العالم الإسلامي والبحث عن فرص التنمية فيها, إذ تتميز هذه البلدان بأمور كثيرة, منها:
أولا: أنها تعد بلدانا خاما لم يتم فيها من قبل كثير من الاهتمام من جهة تصدير الاستثمارات لها كما حصل في اليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا.
ثانيا: توافر الموارد الطبيعية التي في مقدمتها البترول, إذ إن العالم الإسلامي لديه مخزون عال من النفط ، والموارد الطبيعية الأخرى، إذ إن السعودية وحدها يوجد في باطن أرضها ما يعادل ربع المخزون العالمي تقريبا، وتعد المصدر الأكبر للنفط في العالم بطاقة إنتاجية من الممكن أن تصل قريبا إلى 12.5 مليون برميل يوميا.
ثالثا: أن العالم الإسلامي لديه ثروة بشرية عالية خصوصا من فئة الشباب, إذ إنهم مثلا يمثلون في السعودية ما يزيد على ثلاثة أرباع السكان، وهذه الموارد البشرية تعطي هذه المنطقة ميزة تنافسية عالية، خصوصا إذا ما توافرت لهذه الفئة فرص التعليم والتدريب بشكل أكبر إذا ما قورنت بدول كثيرة أخرى في العالم، ما يعطي عددا من الدول الإسلامية, خصوصا السعودية ميزة تنافسية.
هذه الميزات السابقة لدول العالم الإسلامي لا بد أن تستغل خصوصا في هذه الفترة التي يشهد فيها العالم أزمة اقتصادية ووجود منافسة كبير للحصول على فرص للاستثمار في دول مختلفة في العالم، وهذا ما يجعل الفرص لدى العالم الإسلامي أكبر في الحصول على فرص لنقل التقنية والاستفادة من التقدم في التعليم، واستقطاب عديد من الاستثمارات العالمية للمنطقة وإيجاد فرص للتوظيف ومعالجة مشكلة البطالة. وما سبق حتى يتم لا بد من تهيئة البلدان المسلمة من خلال تطوير أنظمتها الحكومية والبنية التحتية وزيادة فرص التأهيل والتدريب للأفراد، كما أنه لا بد أن تكون هناك فرق للمفاوضات للحصول على ما يمكن الحصول عليه من فرص ومكاسب ووضع خطط لتنمية مستدامة في مجتمعاتها. وبطبيعة الحال فمن المعلوم أن دول العالم المتقدم لا تخفي أبدا مسألة المصالح, إذ إنها لا تخص العالم الإسلامي بهذا الاهتمام إلا بعد أن تأكدت من حجم الحاجة إلى هذا العالم لمعالجة كثير من المشكلات التي تمر بها تلك الدول، وهذا ينبغي ألا يثير كثيرا من الحساسية والخوف والتوجس، بل لا بد أن يتم استغلاله في علاج كثير من المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية على أساس ما ذكره الرئيس الأمريكي في خطابه ''المصالح المشتركة والاحترام المتبادل''.