القطاع العقاري.. البيع وإعادة الاستئجار مصدراً للسيولة والدخل الثابت
يمرّ قطاع العقارات العالمي هذه الأيام بمرحلة صعبة حقاً، ولا يخفى على أحد أن الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة، كانت هي الشرارة الأولى التي أشعلت نيران الأزمة الاقتصادية التي نعيشها حالياً. فابتداء من ميامي إلى لندن ومن جوهانسبرغ إلى موسكو، انخفضت أسعار المنازل والمكاتب، وهي مرشحة للمزيد من الانخفاض. وبالطبع، فقد تأثرت أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بتبعات هذه الأزمة، فباتت تشهد تباطؤاً واضحاً في مسيرة التنمية. ولكن وسط هذه الأزمة وما يلفها من غموض، تكمن بعض الفرص الواعدة التي تتسم بطبيعتها غير التقليدية كلياً.
وفي ضوء النمو المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كان تركيز المستثمرين العقاريين يتجه بشكل عام نحو سوق العقارات السكنية المتوسطة إلى الراقية، وأيضاً نحو المكاتب والمراكز التجارية والفنادق. ولا شك أنهم حققوا بذلك نجاحاً هائلاً، حيث شهد قطاعا العقارات والإنشاءات معاً في السعودية والإمارات والكويت وعمان والبحرين، نمواً سنوياً لافتاً بلغ 9 في المائة خلال السنوات الخمس المنتهية في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
ولكن فيما بعد، تلقى هذان القطاعان بالذات أعنف الضربات جراء انخفاض مستويات الطلب وتدني ثقة العملاء. ففي دبي، على سبيل المثال، تعرض الطلب قصير الأجل على المشاريع السكنية والتجارية لضرر كبير على خلفية تراجع طموحات الشركات المحلية والأجنبية في هذه المنطقة التي تعد المصدر الأكبر للنفط في العالم.
وقد أدى التركيز الدائم على هذا النوع الجذاب من المشاريع العقارية إلى إغفال أنواع أخرى من المشاريع التي قد لا تبدو جذابة، وبذلك أضحى الطلب على هذه الأنواع يتخطى العرض، ويشمل ذلك منشآت التخزين اللوجستية، والمدارس، والمستشفيات، ومساكن ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على هذه العقارات في ظل النمو المستمر لعدد سكان المنطقة، البالغ حالياً نحو 280 مليون نسمة، بمعدل 2 في المائة سنوياً.
ففي قطاع الرعاية الصحية، على سبيل المثال، ستحتاج دول المنطقة إلى 100 ألف سرير إضافي حتى 2017 لمواكبة المعدل السائد حالياً وهو 2.2 سرير لكل 1000 نسمة. وإذا ما أرادت هذه الدول أن تحقق المعدل الذي حددته «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، وهو 3.9 سرير لكل 1000 نسمة، فإنها ستحتاح عندئذ إلى 650 ألف سرير.
وأما في قطاع التعليم، فهناك حاجة إلى بناء 950 مدرسة خاصة حتى عام 2015 لتلبية الطلب المتنامي، أو لمواكبة سعي الحكومات إلى زيادة نسبة التحاق الأطفال ممن بلغوا سن التعليم بالمدارس من 70 إلى 80 في المائة.
وفي المملكة، فإن معدل النقص في مساكن ذوي الدخل المنخفض إلى المتوسط، قد يتضاعف إلى مليون وحدة بحلول 2012، في حال لم يتم تسريع عجلة الإنشاءات، وذلك بحسب التقرير الذي صدر في نوفمبر عن شركة الخدمات العقارية العالمية «جونز لانج لاسال».
ومن السمات الرئيسية الأخرى للسوق العقارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو الغياب شبه التام للمؤسسات الاستثمارية؛ فملكية معظم العقارات في هذه المنطقة تعود إلى الشركات أو العائلات أو الأفراد، بينما نسبة ضئيلة منها مملوكة لمؤسسات استثمارية، والتي تمثل بصورة أساسية صناديق استثمارية أو صناديق استثمارات عقارية. وإذا ما قارنا ذلك مع الولايات المتحدة وبريطانيا، نجد أن المؤسسات الاستثمارية تمتلك أكثر من نصف العقارات التجارية، أو 35 في المائة منها في بقية القارة الأوروبية.
#2#
ولكن من المحتمل أن يتغير هذا الوضع من مرور الوقت، حيث تعكف الحكومات على سن قوانين جديدة لتشجيع الملكية المؤسسية. وتعد تركيا، على سبيل المثال، أول دولة في المنطقة تضع قوانين خاصة بصناديق الاستثمارات العقارية، قبل أن يلحقها خلال فترة وجيزة كل من «مركز دبي المالي العالمي»، ومصر، والبحرين.
وتحقق ملكية المؤسسات للعقارات مزايا عديدة، وخاصة في مثل هذه الفترات، التي قد تشهد تراجعاً في التدفقات النقدية للشركات ويغدو فيها الحصول على التمويل من البنوك إما مكلفاً أو صعب المنال. ومن هنا، يصبح من الصعب على أي مزود خدمات لوجستية أو مشغل مدارس خاصة أن يتحمل تكلفة الوجود على أرض لا تحقق له أي عائدات، إذا ما أراد مواجهة التحديات الراهنة والتفوق على منافسيه في ظل مثل هذه الظروف الاقتصادية. وعليه، فإنه ليس من الضروري أن تمتلك الأرض التي تزاول عليها أعمالك.
ولذلك، فإن السوق الآن ناضجة ومستعدة لتطبيق منهجية البيع وإعادة الاستئجار. فبموجب هذه المنهجية، يقوم مشغل المدرسة أو مزود الخدمات اللوجستية ببيع المدرسة أو منشأة التخزين إلى المؤسسة الاستثمارية، التي تقوم فوراً بإرجاعها إلى البائع بموجب عقد تأجير طويل الأمد وبسعر يتفق عليه الطرفان. وعليه، يلتزم البائع بعقد إيجار طويل الأمد، ويواصل استخدام المنشأة ويحصل على مبالغ نقدية لتمويل عمليات التشغيل أو التوسع. وأما المشتري، فيحصل على ملكية المنشأة ويضمن مصدر دخل ثابت.
المنهجية ذاتها يمكن الاستفادة منها في اثنين من المجالات المتنامية في المنطقة، وهما التمويل الإسلامي والاستدامة البيئية. فالتمويل الإسلامي عموماً يتطلب معاملات مدعومة بأصول ملموسة. وبالطبع، ليس هناك بين الأصول ما هو أفضل من الأرض.
وأما المؤسسات الاستثمارية، التي تتجه بشكل متزايد إلى التركيز على المسؤولية الاجتماعية وسياسات الاستثمار الأخلاقية، فيمكنها المساعدة في نشر الاستدامة البيئية من خلال الأصول التي تتملكها. وينطبق ذلك بشكل كبير، مثلاً، على دولة الإمارات العربية المتحدة التي تقود مسيرة الريادة عبر العديد من المبادرات، ومنها مشروع «مدينة مصدر» الرامي إلى بناء أول مدينة في العالم خالية من الكربون والنفايات. وسواء في أبوظبي أو دبي، هناك تشجيع كبير للمطورين على تبني المعايير البيئية في عمليات البناء من خلال تطبيق أنظمة تقييم لمجالات متعددة، ومنها استهلاك المياه والطاقة. وبذلك، تستفيد المؤسسة الاستثمارية المالكة من القيمة الذي توفرها مثل هذه الأنظمة على المدى البعيد، بينما تستفيد الشركة المستأجرة من خفض نفقاتها العامة.
إن مثل هذه الظروف الاقتصادية مواتية تماماً لكي تبحث الأسواق عن سبل جديدة للتطور والنمو. وتعد منهجية البيع وإعادة الاستئجار واحداً من أمثلة كثيرة على التوجه المتنامي في القطاع العقاري في المنطقة نحو المزيد من التطور والابتكار. وبذلك، تتاح أمام القطاع الخاص فرصة ذهبية لتوفير السيولة اللازمة لتعزيز التوسع في أهم القطاعات الاجتماعية والصناعية في المنطقة.
مدير تنفيذي
مدير مكتب «أبراج كابيتال» في السعودية