الأزمة الإيرانية: صراع بين أهل المدن والريف
المتابع للوضع الإيراني المتأزم، الذي يبدو أنه يتفاقم يوما بعد يوم يجده انعكاسا لحالة من التذمر العام وصراعا بين أهل المدن وأهل الريف وإن كان في ظاهره نزاع بين تياري المحافظين والإصلاحيين. جوهر المشكلة أن النظام السياسي الإيراني وإن بدا شوريا ديمقراطيا من الناحية الإجرائية إلا أنه ديكتاتوري إلى درجة كبيرة بفرض إطار فكري محدد وضيق للنقاش العام لا يتسع للفسيفساء من التنوع العرقي والثقافي والفكري للمجتمع الإيراني، بل إن الدستور الإيراني يضع قائد الثورة الإسلامية أو "الولي الفقيه" أو ما تعارف عليه عربيا "المرشد الأعلى" في رأس هرم النظام السياسي للدولة الإيرانية ويمنحه صلاحيات واسعة وكاملة تتعلق بجميع مفاصل الحياة السياسية وإدارة الدولة، كما جاء ذلك مفصلا بالمادة 110 للدستور الإيراني، حيث تنص بكل وضوح على مهام المرشد الأعلى وصلاحياته ومن أهمها: صياغة السياسات العامة، تعيين وعزل القيادات العليا المدنية والعسكرية، إعلان الحرب والسلام، إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، عزل رئيس الجمهورية، والعفو عن المحكوم عليهم. هذه الصلاحيات تشير إلى تمركز سلطة اتخاذ القرارات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد المرشد الأعلى إما مباشرة وإما من خلال المسؤولين المعينين من قبله. هذا التمركز في السلطة في منصب المرشد الأعلى لا يقتصر على الإجراء السياسي والقرار التنفيذي وإنما يتعداه إلى تحديد الإطار الفكري والثقافي والعقائدي بما يدخل في تفاصيل سلوك وحريات الأفراد والمؤسسات، وهذا بالضبط ما يجعل كثيرا من الإيرانيين، خاصة سكان المدن الأكثر تحضرا وتعلما والأعمق تفكيرا ووعيا يرون أن النظام لا يدرك ومن ثم لا يستطيع تلبية احتياجاتهم ولا يمنحهم الحرية الكافية، خاصة في الجوانب الثقافية لتختزل حركة المثقفين في دائرة ضيقة يحددها منظرو النظام وملاليه في نهج "ما نريكم إلا ما نرى"!
وعلى أننا نؤمن بأن ما يجري في الجارة إيران من نزاع داخلي على السلطة أمر يخص الإيرانيين أنفسهم إلا أنه لا يعني بأي حال من الأحوال أننا بمعزل عن تأثيرات وتداعيات الوضع المتأزم وأن نغمض أعيننا وكأن شيئا لم يكن، إذ قد يتطور النزاع في إيران ويخرج عن السيطرة وبالتالي قد يرى من هم في سدة الحكم في إيران أن المخرج في المدى المتوسط أو حتى على المدى الطويل هو في إعلان حالة الطوارئ عبر اختلاق نزاع خارجي يسهم في توحيد الصف الداخلي ويسمح بقرارات استثنائية تشمل الاعتقالات وفرض حظر التجوال وغيرها من الإجراءات الأمنية والأحكام العسكرية. نقل النزاع خارجيا أمر وارد وقد يكون ذلك على حساب الأمن في مياه الخليج وإمدادات البترول، خاصة أن إيران أشارت بإصبع الاتهام ومنذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة إلى التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي الإيراني وحددت صراحة أن بريطانيا هي من يقف وراء القلاقل التي تشهدها البلاد. لقد بدأت السلطات الإيرانية بعمليات قمع واسعة وأصدرت قرارا بمنع التصريحات الإعلامية ومنعت وكالات الأنباء العالمية والمحلية من نقل الأخبار ولم يجد المواطنون الإيرانيون ومن هم خارج إيران خيار سوى الإنترنت للتعرف على ما يجري. ما يدل على أن هناك حالة من الارتباك لدى القيادة الإيرانية وكأن الأمر لم يكن متوقعا، خاصة أن النظام يحيط به هالة من القدسية والكهنوتية.
أمر آخر يهمنا في منطقة الخليج يتعلق بانكشاف الديموقراطية الصورية للنظام الإيراني على حقيقتها، ومرة أخرى، قد يبدو الأمر شأنا إيرانيا، إلا أن إيران تبنت سياسة تصدير ثورتها للدول الأخرى واستخدمت في ذلك شعارات إسلامية تدعو للوحدة والجهاد وتأجج المشاعر وتصريحات نارية ضد الغرب لتبني صورة من المثالية لتسكن عقول السذج الذين فات عليهم ربط القول بالفعل فراحوا منغرين (مغررين) يعتقدون أن الحل في اتباع النهج السياسي الإيراني في مواجهة التحديات وإدارة المجتمع الإسلامي. لم يعد خافيا أن التراشق الإعلامي بين إيران والولايات المتحدة ما هو إلا زيف إعلامي يختفي وراءه تلاق على المصالح المشتركة . الكل يعلم أو يفترض أن يكون واضحا أن إيران والولايات المتحدة (الشيطان الأكبر على حد التعبير الإيراني!) تقاسما الكعكة العراقية على مسمع ومرأى من الجميع. ومع هذا هناك بيننا من يستهويهم ويجذب انتباههم النموذج الإيراني ويثير لديهم الحماسة العاطفية وربما ذهبوا إلى أبعد من ذلك في الدعوة إلى اتباع النهج الإيراني والسير في ركابها. ولكن يبدو جليا لمن ألقى السمع وهو شهيد أن النهج الإيراني ليس بالصورة المثالية التي تم ترويجها للآخرين، والأحداث الأخيرة أكبر دليل وشاهد، وقبل ذلك ما فعلته المخابرات الإيرانية في العراق وغيرها من دول المنطقة من تأجيج الصراع المذهبي، فمنطلقات النظام الإيراني ترتكز على فرض أيدولوجيتها الثقافية والمذهبية على الآخرين في الداخل والخارج وتقييد الحريات العامة والاعتماد على القمع واستخدام القوة في تحقيق مآربها والتدخل في شؤون الآخرين، فحزب الله في لبنان وليد السياسة الخارجية الإيرانية يمثل الفكر والنهج الإيراني المتطرف في العلاقات الدولية وتطبيق سياسة فرض الأمر الواقع واتباع التدليس والمغالطات. هذا إضافة إلى أن إيران تعاني مشكلات اقتصادية حادة تتمثل في ارتفاع نسبة البطالة خاصة في المدن الكبيرة ما يسجل عجز النظام في التنمية الاقتصادية. إن الداعم الأساس للثورة الإيرانية كان وما زال يأتي من سكان الأرياف الأقل تعليما والسذج من عموم الناس بل إن السلطة الحاكمة في إيران تمثل تلك القيم التقليدية أو على الأصح العزف على وتر الأيدولوجية المذهبية التي تضفي عليها القدسية وتمنحهم سلطات سياسية ممزوجة بالشرعية الدينية. هذا الوضع خلق فجوة كبيرة بين النخب المثقفة في المدن والسلطة الحاكمة وهو في ظني صراع بين سكان المدن وسكان الريف يذكرنا بانطلاقة الثورة الإيرانية، التي كانت انتفاضة سكان الريف باتجاه المدن إلا أنها هذه المرة بالاتجاه المعاكس.
الوضع في إيران لن ينتهي بقمع المظاهرات في شوارع المدن وإن كان ذلك ممكنا في المدى القصير، إلا أنه سيكون شبه مستحيل في المدى الطويل. والسبب أن النظام السياسي الإيراني إذا ما أراد تحقيق السلم والضبط الاجتماعي والتنمية الاقتصادية فإنه يجب عليه خلق توازن بين سكان المدن وسكان الريف لا أن يلبي احتياجات أحدهما على الآخر. يخطئ من يعتقد أن المظاهرات في الشوارع الإيرانية احتجاج على تزوير عملية الانتخابات، قد تكون السبب الظاهر ولكن هي في حقيقتها فرصة للخروج على النظام والتعبير عن حال الاستياء والمعاناة من تدني مستوى الحريات والضغوط الاقتصادية. كما أن على إيران التخلي عن طموحاتها الإقليمية والإنفاق على التسلح النووي والالتفات إلى الشأن الداخلي ومحاولة النظر إلى الأوضاع بنظرة واقعية والبحث عن حلول عملية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وليس التعالي بنظرة أيديولوجية ضيقة فقد يكون الأمر مكلفا أكثر مما يستطيع إدراكه من يرى بعين واحدة.