الرائد الصحافي.. تركي السـديري
في مسيرتنا الصحافية شخصيات مؤثرة وفاعلة لا يمكن أن نتخطاها ونحن نتحدث عن تاريخنا وإنجازاتنا التي نقلت صحافتنا السعودية من الصفوف الأخيرة إلى الصفوف الأولى في الصحافة العربية، وبفضل الجهود المثابرة من القوى الوطنية الموهوبة ما زالت صحافتنا السعودية تتمركز بكبرياء وإباء في المقدمة في شارع الصحافة العربية، ويأتي أخي وصديقي الأستاذ تركي بن عبد الله السديري في مقدمة من أسهموا وآزروا في بلوغ صحافتنا السعودية هذا المستوى الرفيع من المهنية الصحافية.
في الأسبوع الماضي قرأت في صحفنا المحلية خبراً عن أن الزميل العزيز الأستاذ تركي السديري أجرى بنجاح عملية جراحية في المعدة وأنه يتماثل للشفاء التام ـ بإذن الله ـ، وبعد أن قرأت الخبر شعرت بغصة عميقة ومر أمامي شريط طويل من الذكريات ودعوت الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يهب الزميل العزيز الشفاء العاجل وأن يمد في عمره ويكلأه بعين رعايته وعنايته إنه سميع مجيب الدعوات.
إن الزميل تركي السديري غني عن التعريف ولكني أغتنمها فرصة كي أقف عند بعض المحطات التي أوصلت تركي إلى ما وصل إليه من نجاح وفلاح، وأرجو من القارئ الكريم أن يشاركني الوقوف عند هذه المحطات لأن فيها الكثير من العظة والدروس.
لقد بدأ الزميل مسيرته الصحافية محرراً رياضياً، ثم عين سكرتيراً للتحرير في صحيفة "الرياض"، وفي عام1974 عين رئيساً للتحرير، ومنذ تعيينه في منصب رئيس التحرير سرعان ما انتشر في شرايين الصحيفة كالحديد والفايتامينات، وكلنا نعرف أنه تسلم صحيفة "الرياض" وكانت الصحيفة تناهج وهي في الصف الأخير بين صحفنا المحلية، واستطاع تركي مع فريق العمل الذي زامله في ذلك الوقت أن ينقل صحيفة "الرياض" إلى الصفوف الأولى، حتى أصبحت الآن الصحيفة الأولى على جميع صحف المؤسسات الصحافية السعودية، وحينما نقرأ جريدة "الرياض" نرى تركي السديري في كل أركانها وأبوابها وأعمدتها، ولكن ـ مع ذلك ـ يبهرك التنوع في جريدة "الرياض"، لا يمكن أن تقول إن تركي السديري جاء من عجينة الرياضة، بل تقول إنه جاء من كل ثقافات السعوديين لأنه أضاف إلى السياسة وأضاف إلى الأدب وأضاف إلى الاقتصاد وأضاف إلى الفن بمثل ما أضاف إلى الرياضة وأكثر، إن تركي السديري يبدو وكأنه رجل مزدحم، ولكن سرعان ما نكتشف أنه مزدحم بالخصال الحميدة، علاقاته خضراء وحياته خضراء ومشاريعه خضراء، فهو من وطن أخضر من الوريد إلى الوريد، ورغم أن الطيبة التي تطبق عليه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.. إلاّ أن قلمه لا يرتعش أمام الملمات، بل يظل ينحت في مشكلات الناس حتى بلوغ الصخر.
ولقد جمعتني زمالة طويلة وثرية بأخي العزيز تركي السديري منذ أن بدأنا ـ في الستينيات الميلادية ـ نعمل في رحاب صاحبة الجلالة، ولقد بدأنا حياتنا الصحافية في الصعيد الرياضي، فكان تركي السديري نائباً لرئيس نادي الهلال ورئيساً للقسم الرياضي في جريدة "الرياض"، وكنت لاعباً في نادي الاتحاد ثم رئيساً للقسم الرياضي في جريدة "عكاظ"، وكنا نلتقي كثيراً بين كواليس الملاعب والأندية والصحافة، وكنا نتبادل الآراء حول الأداء الإداري لمجالس إدارات الأندية وندلي بدلونا في كل الشؤون الرياضية والصحافية، وبعد ذلك جمعتني بالصديق مناسبات عديدة على صعيد الصحافة، فهو قد قفز إلى سدة رئاسة التحرير، وأنا قد نقلت إلى وظيفة مدير تحرير "عكاظ" ثم نائباً لرئيس تحريرها وكلانا عضو في مؤسسته الصحافية.
ومن أجمل الذكريات التي جمعتني مع الزميل العزيز تركي السديري والتي أبوح بها لأول مرة، هي أن الصدفة شاءت أن تجمعنا معاً في طائرة واحدة متجهين إلى المغرب بدعوة كريمة من الحكومة المغربية لتغطية المسيرة الخضراء التي نظمتها الحكومة المغربية لاستعادة الصحراء المغربية من الاحتلال الإسباني إلى التراب المغربي، وكانت الرحلة طويلة ومملة بدأت من الرياض ثم جدة متجهة إلى القاهرة ثم بيروت فالمغرب، وكان هذا الأوتوبيس الطائر يحمل من كل بلد مجموعة من الصحافيين وحملة الأقلام، وحينما وصلنا الرباط كان التعب قد هد حيلنا، ولكن الزميل تركي كان في ريعان شبابه ونضارته، وسألني أين تريدنا أن نتناول العشاء، فالتفت إليه وقلت: هل تقصد إننا نتناول العشاء خارج الفندق، قال طبعاً, وأحسست في نبرته أنه يدعوني بإصرار أن نتناول معاً طعام العشاء خارج الفندق وفي مكان على درجة عالية من الفانتازيا، ولم أملك إلاّ أن ألبي الدعوة، وفي المطعم الفانتازيا كان تركي كريماً جداً، َفَذكّرته أن الحفل الذي سيلقي فيه الملك الحسن خطابه غداً سيبدأ في الساعة التاسعة صباحاً، فقال هناك متسع كبير من الوقت، وبعد أن تناولنا طعام العشاء واستمتعنا بالموسيقى المغربية الحالمة عُدنا إلى الفندق، وكان الوقت مازال مبكراً ولكن كنا مكدودين من السفر، ومما زاد الطين بلة أن فرق التوقيت بين الرياض والرباط لم يكن في مصلحتنا، فزحفت الساعة إلى ما بعد التاسعة صباحاً، وصحوت مذعوراً واتجهت بسرعة إلى التلفزيون وفتحته كي أتعرف على الوقت، ولجمتني المفاجأة، فقد رأيت الملك الحسن يلقي خطابه مفتتحاً حفل المسيرة الخضراء، فأسرعت على التلفون أهاتف الزميل تركي، وحينما عرف أن الوقت قد ذهب بنا خارج الموعد نهض من سريره مذعوراً، وقال لا وقت للذهاب إلى الحفل لنتابع الحفل من التلفاز ونكتب مشاهداتنا وربما يتيح التلفزيون لنا فرصة للتغطية أفضل من وجودنا في الحفل.
والحقيقة أنني استمتعت بخطاب الملك الحسن لأنه كان يستشهد بآيات بينات من القرآن الكريم وبأحاديث نبوية شريفة، وكان دائماً يقول: وقال جدّي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. ويقول أيضاً: ولنا في جدّي رسول الله أسوة حسنة، وكان الملك الحسن يريد أن يؤكد للناس أنه سليل الشجرة النبوية الشريفة، وحينما طالعنا الصحف السعودية في اليوم التالي صدقت توقعات الصديق العزيز فقد غطت "عكاظ" و"الرياض" أفضل من سواهما من الصحف الأخرى.
قبل فترة وجيزة كنت أحضر مناسبة في فندق هيلتون على ضفاف خور أبحر فقابلت الصديق العزيز بعد غياب طويل فبادرني قائلاَ: تتذكر يوم المسيرة الخضراء الذي قطعنا آلاف الأميال من أجل أن نحضر مراسم حفلها ولكننا لم نحضر الحفل، قلت أما زلت تتذكر رغم مرور عقدين من الزمان!!
إن تركي معجون بنفس مليئة بالأريحية والعطاء، ودعوني أقول للقارئ العزيز إنك لن تعرف تركي السديري إلاّ إذا اقتربت منه، أمّا المعرفة ذات المسافات فإنها تجعلك على مسافات من معرفته.
ولذلك أؤكد أن تركي الإنسان معرفة وطنية، وإذا تعرفنا على خصاله فإننا نتعرف على خصال وطن بأكمله.